أطفال نبذهم الوطن واحتضنهم "الفايسبوكّ"

22 أغسطس 2016 - 20:00

لعل الأزمة الحالية التي تعانيها الدول العربية، أو شعوب الدول العربية إن صح القول، ستخرج إلى العالم فنانين وشعراء وروائيين عاشوا «اللحظة الفارقة» في عمر شعوب تجرأت وطالبت بربيع لم يأتِ كما تمنته.
القصص الإنسانية كثيرة، وللأزمة وجوه عديدة، فهناك قصة القتيل والغريق والمصاب بعاهة مستديمة، هناك من فقد الجميع فبقي هو وحيدا، وهناك من افتقده الجميع بعدما اختارته الغارة أو أصابته رصاصة غدارة، ليحكي كل منهم المعاناة التي عاشها.

وفي زمن انتشر فيه الخبر، صوتا وصورة، بسرعة قد تفوق في أحيان كثيرة سرعة المسعفين في الوصول إلى المرضى أو المصابين، أصبحت وسائل التواصل الجديدة هي الرابط بين الناس والخبر، وحتى ما وراء الخبر، فقد أتقنت دورها، بما أنها «للتواصل الاجتماعي»، في نقل الصورة من منظور آخر، يختلف عن السطور الصحافية أو الريبورتاج الإعلامي الناقل للخبر والباحث عن المعلومة أولا وأخيرا.

من هنا استطاع العالم بأسره أن يتعرف على قصص أطفال «عرب» تقاسموا معاناتهم وقصصهم «المؤثرة» دون حتى أن يقصدوا، ليصبحوا في وقت وجيز، حديث العالم بأسره، وسيطروا على تعاطف الناس، مقدمين الأدلة الكافية على إدانة الجميع في جريمة شنعاء تسمى.. «تشويه حياة طفل».

كان صامتا.. متألما ومذهولا
المشهد الأول: جمال الأشقر، طفل يبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة، يرقد على الأرض دون حركة بمدينة حلب السورية، بالقرب منه شجرة التوت، مودعا الحياة بعدما التقطه رادار طائرات عسكرية كانت تقوم بغارات جوية على المدينة.

المشهد الثاني: طفل آخر، أصغر من الأول بعشرة أعوام، يرقد مستلقيا على بطنه على أحد الشواطئ التركية، بعدما غرق، اسمه هذه المرة إيلان الكردي.

أما المشهد الثالث فهو لطفل آخر، بدا مندهشا مما يحدث له، يعلو وجهه الغبار والدم، يمسح بيده الصغيرة رأسه الدامي، ينظر إلى يده في اندهاش، ثم يمسح الدم بالمقعد الذي يجلس عليه داخل سيارة الإسعاف.

أشعل فيديو قصير للطفل السوري عمران دقنيش، البالغ من العمر 4 سنوات، مواقع التواصل الاجتماعي، ممثلا الحالة الحقيقية للحرب السورية، بعيدا عن الاتفاقات الدولية والتصاريح الدبلوماسية.

محمود رسلان، وهو المصور الذي التقط المقطع لصالح مركز حلب الإعلامي، قال، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية عبر الهاتف من العاصمة اللبنانية بيروت، إنه التقط صورا عديدة لأطفال قتلى أو جرحى بعد الغارات اليومية من الطيران الروسي والطيران السوري، بعضهم يفقد الوعي والبعض الآخر يصرخ، لكن عمران لم يتحرك، «كان يجلس صامتا، يحذق مذهولا، كما لو أنه لم يفهم ماذا حل به».

قصة الطفل الحلبي سرعان ما انتشرت على وسائل الإعلام الغربية قبل العربية، حيث احتلت صورته الصفحة الأولى لكبريات الصحف الأوروبية، كما تناقلت وسائل التواصل مقطع فيديو لصحافية بقناة «سي إن إن» الأمريكية وهي تغالب دموعها بعد حديثها على حالة الطفل السوري.

الصورة أو الفيديو لم يستفز وسائل الإعلام وحدها، بل تجاوزها إلى الجهات الرسمية. وزارة الدفاع الروسية نفت أن تكون المسؤولة عن إصابة الطفل عمران، نافية بشكل قاطع أن تكون قد قامت بأي غارات يوم الأربعاء، خصوصا على الأحياء الآهلة بالسكان، واضعة بذلك نظام الأسد وحيدا في الواجهة بعدما أكد شهود عيان أن القصف كان «جويا».

المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشنكوف، قال، في تصريح رسمي، إن حي قارطانجي حيث يسكن الطفل عمران وعائلته لا يدخل ضمن النقاط المستهدفة من طرف الطيران الروسي، مؤكدا أن بلاده لا يمكن أن تقصف هذا الحي القريب من بعض الممرات الإنسانية للسكان الراغبين في الهروب.

المتحدث الروسي أضاف أن روسيا منزعجة من كيفية تناول الغرب لهذه القضية بشكل يدين روسيا، خصوصا في الجانب الإعلامي، غير مستبعد أن تكون المعارضة هي من ضربت المنطقة عن طريق قنابل محلية الصنع أو عن طريق قذائف الهاون.

مهمة مستحيلة من أجل العلاج
القصة التالية قادمة من جمهورية مصر العربية. طفل يبلغ من العمر 13 سنة، ينحدر من أسرة فقيرة جدا، أنهكتها قلة الحاجة، والمصاريف المستحيلة لعلاج ابنها الصغير ذي السبع السنوات، والذي يعاني مرضا عضالا هو سرطان الدم.

وأمام هذه الوضعية الصعبة، رمى أحمد، وهو اسم الأخ الأكبر، نفسه داخل قارب يضم عشرات المهاجرين السريين الراغبين في الوصول إلى إيطاليا، لا يملك شيئا ولو حتى ملابس بالية، كل ما يحمل معه تحاليل أخيه الصغير أملا في أن يجد أحدا يساعد الأسرة في علاج ابنها الصغير.

بعد وصوله إلى إيطاليا، قدم الطفل المصري الأوراق التي كان يحملها للسلطات الإيطالية، التي استطاعت بعد ذلك فهم القصة، ليتم نشرها في إحدى الجرائد الإيطالية، فأعلنت بعد ذلك الحكومة الإيطالية تكفلها علاج الطفل المريض، ورعاية جميع أفراد عائلته، بما في ذلك أخوه الكبير الذي وصل توا إلى البلاد لتنتشر قصة على الفايسبوك، وتتناولها وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

التلفزيون الرسمي الإيطالي قال إن رئيس الوزراء ماتيو رينزي أعلن رسميا أن إيطاليا ستقوم بعلاج الطفل الصغير «فريد»، في مستشفى ماير المتخصص بمدينة فلورينسا الإيطالية، حيث ستنتقل طائرة مجهزة إلى محافظة «كفر الشيخ» بمصر لتتوجه بعد ذلك مباشرة إلى فلورينسا حاملة الطفل المريض وأفراد عائلته.

مباشرة بعد انتشار الخبر على الفايسبوك والقنوات التلفزية، قالت الخارجية المصرية في بيان رسمي لها إنها تشكر إيطاليا على الالتفاتة الإنسانية، مبدية استعدادها لتقديم جميع المساعدات اللازمة لأسرة الطفل.
وقال المستشار أحمد أبو زيد، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، إن «الوطن» يرحب بجميع أبنائه و«يشملهم بالرعاية الكافية»، ما يجعلهم غير محتاجين إلى القيام ببعض الأمور غير القانونية كالهجرة السرية»، مؤكدا أن «مصر أولى بأولادها»، ومعلنا أن علاج الطفل فريد سيكون على نفقة الدولة المصرية.

المتحدث الإعلامي قال إن الطفل أحمد كان يستطيع الاتصال بالجهات المختصة حتى يتكفل المسؤولون بعلاج أخيه على نفقة الدولة، مضيفا أنه لم يتم إبلاغ أي جهة بهذا الأمر، كما أن الأسرة لم تسجل ابنها في أي مصلحة خاصة بعلاج الأطفال المصابين بالسرطان، داعيا أسرة الطفل إلى الاتصال ببعض الأرقام الخاصة حتى يتم البدء في عملية العلاج في أقرب وقت، وهو ما جعل الفايسبوكيين يتساءلون: أي عرض ستقبل أسرة الطفلين؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي