كيف كونت خلية سرية لـ"داعش" شبكة عالمية من القتلة؟

09 سبتمبر 2016 - 17:17

غادر هاري سارفو بيته بمدينة بريمين الألمانية العام الماضي معتقدا أنه يلبي نداء مقدسا. انطلق في رحلة دامت أربعة أيام انتهت به عند المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم “داعش” بسوريا.

ولم يسترح كثيرا من سفره الطويل حتى أتى أعضاء ملثمين من مخابرات “داعش” ليخبروا سارفو وصديقه الألماني أن مكانهما ليس سوريا، وإنما هناك في ألمانيا، حيث ستكون مهمتهما مساعدة التنظيم في مخططه الرامي إلى نشر الإرهاب في العالم.

“كان أحد الملثمين يتحدث بطلاقة عن مجريات الأمور، قائلا لنا إن لدى التنظيم أعداد كبيرة من الأشخاص الذين يعيشون في الدول الأوروبية وينتظرون فقط، إشارة من التنظيم لمهاجمة مواطني أوروبا”، يحكي سارفو في حوار مع نيويورك تايمز جرى داخل زنزانته بسجن بريمين. “وكان ذلك قبل هجمات باريس وبروكسيل”.

قال أحد الرجال الملثمين إنه وبالرغم من أن التنظيم حاضر بقوة داخل الدول الأوروبية، فإنه في حاجة إلى مزيد من المقاتلين خاصة ببريطانيا وألمانيا. “قالوا لي “هل تمانع في العودة إلى ألمانيا، لأن هذا بالضبط ما نحتاجه الآن”، يتذكر سارفو، مضيفا: “وكانوا دائما يقولون إنهم يريدون هجمات متزامنة: يريدون عدة هجمات تُنفذ في الوقت ذاته بفرنسا وبريطانيا وألمانيا”.

وينتمي مخبرو داعش إلى وحدة استخبارات تعرف بـ “إمني” مكونة من الشرطة السرية للتنظيم والفرع المكلف بالعمليات الخارجية، ومهمة “إمني” تتمثل في تصدير الإرهاب خارج حدود التنظيم، وفقا لآلاف الصفحات من التقارير التي أنجزتها المخابرات البلجيكية والألمانية والنمساوية، والتي حصلت عليها صحيفة “ذي تايمز”.

وقد لفتت هجمات التنظيم على باريس العام الماضي اهتمام العالم إزاء شبكة التنظيم الإرهابية الخارجية التي بدأت ترسل مقاتلين للخارج قبل سنتين. وقد كشفت رواية سارفو، جنبا إلى جنب مع روايات مجندين آخرين أُلقي القبض عليهم، النقاب بشكل أكبر عن الآلية التي يعتمدها التنظيم لتصدير الإرهاب.

ويتعلق الأمر بذراع تجنيدي متعدد المستويات كان موضوعا تحت قيادة القيادي النافذ في التنظيم أبو محمد العدناني، الذي أُعلن عن وفاته في غارة جوية في 30 غشت الماضي. ويشتغل تحت إمرة زعيم الجهاز مجموعة من الضباط المتقاعدين المكلفين بالتخطيط لهجمات في أنحاء متفرقة من العالم. وينقسم الجهاز إلى ثلاثة فروع استخباراتية، “فرع المخابرات المكلف بالشؤون الأوروبية”، و”فرع المخابرات المكلف بالشؤون الآسيوية”، و”فرع المخابرات المكلف بالشؤون العربية”، حسب سارفو.

خلية مهمتها تصدير الإرهاب للعالم

وتشير المعطيات إلى أن ما لا يقل عن 10 هجمات قاتلة ضد مواطنين غربيين تمت إدارتها أو تنسيقها من طرف وحدة خاصة تابعة لتنظيم “داعش”، مهمتها تصدير الإرهاب للعالم. كما تم إلقاء القبض على 30 شخصا يعملون مع التنظيم قبل أن يتمكنوا من تنفيذ هجمات.

ومما يعزز فكرة أن خلية “إمني” هي الجهاز التدبيري للعمليات التي ينفذها التنظيم، المعطيات التي تشير إليها الإفادات والوثائق المنجزة عن التنظيم، والتي تبين أن لدى هذه الخلية ورقة بيضاء لتجنيد وإعادة توزيع المجندين على مختلف فروع التنظيم، من الملتحقين الجدد إلى المقاتلين الموسميين، وصولا إلى قوات التنظيم الخاصة ووحدات الكوماندو. وتوضح معطيات مستقاة من عمليات استنطاق لأعضاء أُلقي القبض عليهم أنه يتم اختيار المجندين بناء على جنسيتهم، ويتم توزيعهم على أساس اللغة في مجموعات سرية صغيرة يلتقي أعضاؤها ببعضهم البعض فقط، حينما يحين موعد رحيل أحد الأعضاء للخارج.

ومن خلال الدور التنسيقي الذي كان يتكلف به العدناني، واكب التخطيط الإرهابي عمليات الدعاية الواسعة التي يقودها التنظيم، بما في ذلك، حسب سارفو، لقاءات شهرية كان يختار فيها العدناني شرائط الفيديو الأكثر وحشية ودموية من بين تلك المأخوذة من ساحات المعارك.

وحسب محاضر المجندين المعتقلين إلى الآن، فقد تحولت خلية “إمني” إلى الخلية المحورية في الآلة الإرهابية للتنظيم، وقد قاد مجندوها هجمات باريس وصنعوا الحقائب المفخخة التي استعملت في هجمات مطار بروكسيل ومحطة الميترو. وتوضح البيانات المستقاة من التحقيقات أن الخلية أرسلت مقاتلين آخرين إلى النمسا وألمانيا وإسبانيا ولبنان وتونس وبنغلادش وإندونيسيا وماليزيا.

ورغم الذهول الذي أصاب المسؤولين الأوروبيين من سلسلة الهجمات التي نفذت من طرف أشخاص لا توجد صلات بينهم ويدينون بالولاء لـ “داعش”، يرى سارفو أنه من المحتمل أن تكون هناك صلات فعلية بين منفذي تلك الهجمات لم تكتشفها السلطات بعد. وقال إنه تم إخباره بأن عملاء “داعش” السريين في أوروبا يُوظفون معتنقي الإسلام الجدد كوسطاء لتمرير المعلومات وربط الصلة بين الأشخاص المستعدين لتنفيذ هجمات وبين العملاء الذين لديهم “خبرة في كل شيء من كيفية صناعة سترة متفجرة إلى كيفية تنفيذ الهجمات باسم “داعش””.

وقد أرسل التنظيم “مئات العملاء” إلى الاتحاد الأوروبي، “جنبا إلى جنب مع مئات في تركيا لوحدها”، حسب مسؤول كبير في المخابرات الأمريكية ومسؤول كبير في الجيش، واللذين تحدثا كلاهما بشرط عدم ذكر اسمهما.

ويتفق سارفو، الذي خرج مؤخرا من السجن الانفرادي بعدما لم يعد يعتبر سلوكه عنيفا، مع رأي المسؤولين الأمريكيين. “كثير منهم عادوا إلى أوروبا”، “مئات بكل تأكيد”.
فحص المجندين

أول مكان يلتحق به الوافدون الجدد على التنظيم، هو شبكة من خيم المبيت بسوريا، بمحاذاة الحدود مع تركيا، حيث تُجرى معهم لقاءات ويتم تصنيفهم وتوزيعهم بعدها.
وقد أخذ التنظيم بصمات سارفو. وأتى طبيب لأخذ عينة من دمه والقيام باختبار بدني له، فيما كان رجل آخر من التنظيم يجلس أمام حاسوبه المحمول يطرح عليه مجموعة من الأسئلة. “كان يسأل أسئلة عادية مثل ما اسمك؟ ما اسم أمك؟ من أين أصلك؟ ما هو مستواك الدراسي؟ ما هو طموحك؟ ماذا تريد أن تصبح؟”، يقول سارفو.

كان المحيط الذي أتى منه سارفو مثار اهتمام السائل. كان سارفو يداوم على الصلاة بمسجد أصولي في بريمين سبق أن أرسل 20 شخصا لسوريا، 4 منهم قتلوا في معارك ميدانية، وفقا لدانيال هينك، منسق مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الداخلية الألمانية ببريمين. كما سبق لسارفو أن قضى عقوبة بالسجن لمدة سنة للسطو على خزينة سوق تجاري وسرقة 23 ألف أورو. وحتى لو كانت عقوبة السرقة هي بتر اليدين في قوانين تنظيم “داعش”، فالماضي الإجرامي للملتحق الجديد يمكن أن يصبح ميزة مهمة حسب سارفو “خاصة إذا عرفوا أن لك صلات بالجريمة المنظمة وبإمكانك الحصول على بطاقات هوية مزورة، أو أن لديك علاقات بمهربين يمكن أن يدخلوك للاتحاد الأوروبي بسهولة”.

وبعد أن أتم سارفو كافة الإجراءات المطلوبة منه، وفي اليوم الثالث بعد وصوله، جاء أعضاء خلية “إمني” في طلبه. كان سارفو يريد الذهاب للقتال في سوريا والعراق، لكن العملاء الملثمون قالوا له إن ذلك صعب.

“قالوا لي إنه لا يوجد أشخاص كثيرون بألمانيا على استعداد لتنفيذ هجمات”، صرح سارفو وقتا قصيرا بعد اعتقاله العام الماضي، حسب نص التحقيق الذي أجراه معه مسوؤلون ألمان، والذي يزيد عن 500 صفحة. “قالوا لي كان لديهم بعض المجندين في البدء، ولكن واحدا تلو الآخر بدؤوا يتراجعون بجبن لأنهم كانوا خائفين، والأمر ذاته وقع لهم مع مجنديهم في بريطانيا”.

بالمقابل، لدى التنظيم فائض في المقاتلين بفرنسا. “سألهم صديقي عن فرنسا”، يقول سارفو “فبدؤوا يضحكون. بل بدؤوا يبكون من الضحك، وقالوا له لا تخف على فرنسا “ما في مشكل”. وقد جرى هذا الحديث بين سارفو وأعضاء التنظيم في أبريل 2015، أي سبعة أشهر قبل هجمات باريس في نونبر، التي تعتبر أسوأ هجوم إرهابي يطال أوروبا في عقد من الزمن.

وبالرغم من أنه يصعب التحقق من بعض تفاصيل رواية سارفو، لكن كلامه ينسجم مع ما أفصح عنه مجندون آخرون في تحقيقات أخرى.

ومنذ صعود نجم التنظيم قبل سنتين، وأجهزة المخابرات تجمع معلومات مشتتة عن خلية “إمني”. في الأصل، كانت مهمة هذه الخلية هي مراقبة أعضاء التنظيم والقيام بالتحريات وكشف المندسين، حسب ما يُستفاد من سجلات التحقيقات والمحللين. لكن أعضاء التنظيم الموقوفون بفرنسا في 2014 و2015 كشفوا أن مهمة الخلية أخذت مسارا جديدا يتمثل في نشر الإرهاب في العالم.

“إمني هي الخلية التي تتكلف بضمان أمن ‘الدولة’ الداخلي وتشرف على الأمن الخارجي عبر إرسال الأشخاص الذين يتم تجنيدهم لتنفيذ عمليات عنيفة، مثل ما وقع في تونس داخل متحف باردو، أو مثل ما كان سيحدث في أحد المخططات المحبطة ببلجيكا”، يقول نيكولا مورو، الفرنسي ذي 32 عاما، الذي تم اعتقاله بعدما غادر “داعش” بسوريا، حسب إفاداته للاستخبارات الفرنسية.

وأفاد مورو بأنه كان يدير مطعما بمدينة الرقة السورية، التي صارت بحكم الواقع عاصمة التنظيم، حيث قدم وجبات لأعضاء رئيسيين في خلية “إمني”، ضمنهم عبد الحميد أبو عوض، منسق هجمات باريس الذي قتل أثناء مواجهات مع الأمن أياما بعد الهجوم.
وقادت استنطاقات أخرى، إلى جانب رواية سارفو، المحققين إلى الخروج بخلاصة مفادها أن “إمني” هي من دربت وكلفت المسلح الذي فتح النار على المصطافين بشاطئ سوسة بتونس في يونيو، وكذا المسلح الذي أعد لهجمات بروكسيل.

“الأمريكيون أغبياء”

وتظهر سجلات المخابرات الفرنسية والبلجيكية والنمساوية أن ما لا يقل عن 28 عميلا مجندا من طرف “داعش”، نجحوا في الانتشار بدول خارج أراضي التنظيم، هم من يقفون وراء هجمات ناجحة ومخططات تم إحباطها.

ويشير مسؤولون إلى أن عشرات العملاء الآخرين نجحوا في التسلل لدول مختلفة مشكلين خلايا نائمة.

وقد فهم سارفو من خلال حديثه مع أعضاء الخلية المذكورة أن هذه الأخيرة كانت بصدد إعداد لائحة من الإرهابيين، وكانت تبحث عن ملء الفراغات الموجودة في شبكة عملائها العالمية.

وبخصوص المجندين الآسيويين، قال سارفو إن التنظيم كان يبحث بصفة خاصة عن الجنود السابقين بتنظيم القاعدة في المنطقة. “لديهم مجندون من ماليزيا وإندونيسيا وبنغلادش، خاصة من سبق أن قاتلوا مع تنظيم القاعدة، وما أن يلتحق أحد هؤلاء بالتنظيم حتى يطرحون عليه أسئلة تتعلق بخبراته وشبكة علاقاته”، يقول سارفو.

وفي الإفادات التي قدمها للسلطات الألمانية، والتي أعاد ذكرها في هذا الحوار، أشار سارفو إلى احتمال أن يكون لبعض منفذي الهجمات الأخيرة بأوروبا ممن أعلنوا ولاءهم لـ “داعش” علاقة فعلية مع التنظيم تتعدى مجرد اعتناق أفكار التنظيم كما تظن السلطات.

وأوضح سارفو ان خلية “إمني” لديها عملاء متخفين قادرين على تحويل المهاجمين الانتحاريين المحتملين الذين تجتذبهم دعاية التنظيم إلى قتلة فعليين. وهؤلاء العملاء الذين يعملون كنقاط وصل يتشكلون أساسا، حسب سارفو، من معتنقي الإسلام الجدد الذين ليست لديهم روابط مع المجموعات المتطرفة.

ومن النقاط الأخرى التي تلتقي فيها إفادات سارفو ووثائق المخابرات أن المنطقة الوحيدة التي لازالت خلية “إمني” تعاني من أجل نشر مجنديها داخلها، هي أمريكا الشمالية. فبالرغم من التحاق عشرات الأمريكيين بصفوف التنظيم وتكليف بعضهم بقسم العلميات الخارجية “إلا أن المشرفين على الخلية يعلمون أنه من الصعب إعادة الأمريكيين إلى أمريكا بعدما وطأوا سوريا”، يقول سارفو.

“بالنسبة إلى أمريكا وكندا، يسهل على الخلية الوصول إليهم عبر الشبكات الاجتماعية، لأنهم يرون أن الأمريكيين أغبياء لكونهم يسمحون للجميع بحمل السلاح”، يضيف سارفو، مواصلا: “يعتبرون أنه من السهل قيادة سكان أمريكا نحو التطرف، خاصة إذا لم يكن للملتحقين أي ماض إجرامي، لأنه يصبح من اليسير عليهم شراء أسلحة، ‘لذا لا نحتاج إلى أي عميل تابع لنا ليمدهم بالسلاح”.

هل قتلته بطريقة جيدة؟

خلال التدريبات التي خضع لها داخل التنظيم، اقترب سارفو من أمير المخيم الذي كان يوجد فيه وهو مغربي، بدأ يكشف له تفاصيل مهمة عن هيكلة عمليات التنظيم خارج سوريا، والذي عرف من خلاله أن الشخصية القوية والعقل المدبر لطموحات واستراتيجيات التنظيم لم يكن سوى أبو محمد العدناني”.

“العدناني (كان) يجمع بين رئاسة خلية “إمني”، وقيادة القوات الخاصة”، يقول سارفو، مضيفا “كافة القرارات تعود إليه”. وعندما كان ينهي المجندون في صفوف القوات الخاصة التداريب التي يفرضها عليهم التنظيم، كان يتم تعصيب أعينهم والذهاب بهم لمقابلة العدناني، حيث يقدمون له الولاء مباشرة.

خلال الأيام التي قضاها بسوريا، طلب مقاتلون ألمان بالمخيم من سارفو أن يشارك معهم في فيلم دعائي موجه للناطقين بالألمانية. سافروا كلهم إلى تدمر وطلبوا من سارفو أن يمسك سلاحا وراية التنظيم السوداء وأن يمشي ذهابا وجيئة أمام الكاميرا.
وهناك تم إجبار أسرى سوريين على الجثو ليقوم المقاتلون الألمان الآخرون بقتلهم، غير عابئين بشيء سوى الأثر السينمائي لعملية القتل. أحد هؤلاء المقاتلين التفت إلى سارفو مباشرة بعد إطلاق رصاصة على أسير جاث على الأرض سائلا إياه: “كيف كان أدائي؟ هل كانت الطريقة التي قتلته بها جيدة؟”

المصدر : “نيويورك تايمز” بتصرف

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي