لم تكن الرحلة صوب مدينة بجاية الجزائرية، نزالا كرويا فقط، بقدر ما كانت، أيضا، فرصة لاكتشاف الوجه الآخر لأشقائنا الجزائرين في مدينة قبائلية، تتحدث الأمازيغية، وتشكل أحد معاقل الدفاع عنها بهدف نفض غبار التهميش، ومنحها الإشعاع، والمكانة المطلوبين.
وبمجرد ما وطأت أقدامنا مطار بجاية، بعد رحلة دامت زهاء ساعة ونصف الساعة، انطلاقا من مطار الرباط سلا، وقفنا على حفاوة الترحيب من طرف العاملين في المطار، والذي كرسه الترحيب منقطع النظير، الذي خصنا به سكان مدينة بجاية على امتداد مقامنا في الجارة الشرقية.
مرحبا بخواتنا
الحب الكبير، الذي غمر به سكان بجاية الوفد المغربي، يستحق الوقوف عنده بشكل كبير، لأنه يلخص طبيعة العلاقات، التي تربط بين الشعبين المغربي والجزائي، والتي لم تنجح الاختلافات السياسية في إفسادها، نتيجة الإيمان المشترك بأن ما يجمع البلدين أكثر بكثير مما يفرقهما.
بنايات في طور التشييد تستقبلك في مدخل المدينة، التي تشبه إلى حد كبير مجموعة من المدن المغربية، يجعلك تخال نفسك وكأنك في المنطقة الشرقية للمغرب، على الرغم من كون التقدم، الذي يعرفه المغرب من الناحية العمرانية والبنايات التحتية، والمشاريع الاقتصادية، أكثر بكثير من نظيره الجزائري، الشيء الذي يفسر أسباب التفوق السياحي.
وبابتسامة عريضة يستقبلك الأشقاء الجزائريون، الذين لا يتوانون في القول: « مرحبا بخواتنا المراركة »، قبل أن يسترسلوا في التساؤل عن أسباب إغلاق الحدود، ويعبروا عن الرغبة في زيارة قريبة للمغرب، غير أن أكثر ما يجعلك تتأثر بالمفهوم الحقيقي لكرم الضيافة هو عرض خدماتهم بالمجان بمجرد معرفتهم أن الأمر يتعلق بضيوف مغاربة، وهو ما لمسناه في حافلات النقل والمقاهي.
« الترات » مسالمة
إن أكثر ما شد انتباهنا في مدينة بجاية هي عقلية التراس المولودية، هدوء تام، وارتباط وثيق بالفريق، وتفان منقطع النظير في دعمه ومساندته دون مزايدات ولا شروط، خصوصا عدم التعصب، الذي قد يقود إلى الاقتتال.
غادرنا الفندق بعد وصولنا إلى بجاية رغبة منا في عدم إضاعة الوقت القليل، الذي نملكه بهدف التقرب من الجماهير، التي كانت منهمكة في إعداد التيفوات بالقرب من منطقة شريعة في اتجاه حي القدس.
الألوان الخضراء تنتشر في الشارع الرئيسي، وتكتسح الجدران، والطرقات، وأفراد الترا جزائرية بحمولة قبائلية منهمكون في وضع آخر اللمسات للتوقيع على حضور وازن في المدرجات، وكان أكثر ما شدنا، إلى درجة التأسف على ما آلت إليه أوضاع التراتنا، هو رحابة صدر أعضاء الفصيل الجزائري، الذين رحبوا بنا، والتقطوا معنا صورا تذكارية، وراحوا يحدثوننا عن التاريخ النضالي للمنطقة، مع التشديد دائما على أنها أمازيغية قبل أن تكون جزائرية.
القبائل والتعصب
وبالقدر، الذي غمرنا السكان بحب منقطع النظير، لمسنا مقدار التعصب لكل ما هو أمازيغي، الأعلام تشكل رمزا جليا لا يمكن العيش من دونه، واللهجة الأمازيغية تعتبر الأكثر تداولا في المنطقة، الشيء الذي تزداد معه نسبة الكرم، ويصل الترحاب أقصى درجاته حينما يتعلق الأمر بضيف يتحدث، بدوره، الأمازيغية، وهو ما كرسه الزميل المصور الصحافي إبراهيم أيت سمر.
الجماهير الفتحية، وعكس ما يقع داخل المغرب نتيجة صراعات مجانية بين الجماهير، تقود إلى تطاحنات تصل حد تسجيل الضحايا، خرجت إلى شوارع بجاية بأقمصة الفريق ليكون الترحيب من طرف سكان المدينة، وجماهير الفريق المنافس نصيبها، وهو ما يكرس الفكر الراقي لجماهير بجاية، التي حظيت بثناء كبير من طرف جميع مكونات الوفد المغربي.
« كورتيج آمني »
ما وقع في بجاية الجزائرية جعل عقارب الساعة تعود إلى الوراء للنبش في ذاكرة مشاهد صادمة لاقتتالات بين جماهير مغربية خلفت العديد من الضحايا، وغيرت مجرى حياة أسر، وقلبتها رأسا على عقب نتيجة التمادي في الشغب، وتكريس ثقافة كراهية الآخر، بعيدا عن الأخلاق، والقيم الرياضية.
خصصت السلطات الجزائرية حماية أمنية للوفد المغربي تحسبا لأي طارئ، ورافق وفد من رجال الأمن، في « كورتيج أمني » مكوناته إلى المطار بعد نهاية المباراة، التي انتهت متعادلة من دون أهداف، وهو ما لم يكن كافيا لتحريك نزعة الشغب، وإيقاد فتيل الحقد الجماهيري، حيث ظل مناصرو بجاية محافظين على تشبعهم بثقافة الروح الرياضية، وهو ما لمسناه على امتداد الطريق المؤدية إلى المطار.
وعلى الرغم من مرور الوفد المغربي في أحياء شعبية، عرفت لحظتها وجود مشجعي الفريق الجزائري، الذين ودعونا بكل احترام، في مشهد جعلنا نلعن « الجلدة »، التي جعلت أبناء بلدنا يتقاتلون فيما بينهم بداعي الانتماء إلى التراس معينة، أو عشق فريق بطريقة تقود إلى الهاوية، فكان الوداع مسك الخاتمة، بينما يكون الرشق بالحجارة طريقتنا الخاصة لتوديع الضيوف.