فرض نظام الانضباط العسكري على جهاز الوقاية المدنية تسبب في آثار جانبية غير متوقعة، لا بالنسبة إلى قيادة هذا الجهاز ولا بالنسبة إلى العاملين فيه. فقد علمت «أخبار اليوم» أن موجة من رسائل الاستقالات تقدم بها عدد من العاملين غالبيتهم من ذوي الرتب الدنيا في جهاز الوقاية المدنية إلى مسؤوليهم، وهو «أمر غير مألوف» في هذا الجهاز الذي كان بالكاد يستقيل منه بضعة أفراد أو يجبرون على فعل ذلك في العام الواحد في أحسن الأحوال، لكن بعد شهر واحد من إقرار مجلس النواب لمشروع قانون يفرض الانضباط العسكري على العاملين في الوقاية المدنية، أي تحويل هذا الجهاز إلى مؤسسة عسكرية، أحصت مصادر «أخبار اليوم» استقالات بلغ تعداداها العشرات.
غير أن هذه الاستقالات واجهت الباب المسدود هذه المرة بسبب القانون الجديد، فجهاز الوقاية المدنية رفض تسلم رسائل الاستقالة من أصحابها بدعوى أن «لا أحد يستقيل من مؤسسة عسكرية». ويعتقد العاملون في هذا الجهاز بأنهم أصبحوا عالقين داخله، لاسيما أن الكثير منهم لا يرون أنفسهم مناسبين للحياة العسكرية.
ووفق القوانين العسكرية، فإن المجند لا يستقيل من وظيفته، وإنما يعفى منها بقرار من الإدارة، وإذا ما قرر فرد من الوقاية المدنية مغادرة وظيفته بعد رفض تسلم استقالته، فإنه يعد في نظر القانون فارا من الجندية وتطبق عليه عقوبات شديدة.
وقال فرد من الوقاية المدنية ممن قدموا استقالتهم ورفضت الإدارة تسلمها: «إنني أشعر وكأني وقعت في مصيدة. لقد انخرطت في الجهاز قبل سنوات بفكرة أنني هناك مثل رجل شرطة أو موظف عمومي يمكنه أن يغادر وظيفته متى شاء، لكني الآن عاجز عن فعل ذلك، لأن مصيري في الحياة مرتبط بما تراه الإدارة مناسبا». ويبلغ عدد أفراد جهاز الوقاية المدنية نحو 8500 شخص. ويشكو الكثير من هؤلاء لاسيما المرتبين في الدرجات الدنيا، من ضعف أجورهم وتعويضاتهم، وأيضا من بعض الممارسات الإدارية المجحفة، وكانت بوادر غليان داخلي قد ظهرت في هذا الجهاز عام 2011 بالتزامن مع مظاهرات 20 فبراير، ونفذ المئات منهم وقفات احتجاجية في أكثر من 13 مركز عمل، لكن الإدارة نجحت لاحقا في إخماد شرارة تلك الاحتجاجات.
وبتغيير نظام عمل جهاز الوقاية المدنية نحو النظام العسكري، فإن العاملين فيه يرون أن «قدرتهم على مواجهة الاختلالات في تدبير الموارد البشرية أصبحت صفرا»، كما قال لنا بعضهم. وحصلت تغييرات كبيرة مع مباشرة تطبيق قانون الانضباط العسكري، فقد أعفي القائد العام للجهاز، عبد الكريم اليعقوبي الأسبوع الفائت من مهامه، عقب سنوات مثيرة للجدل على رأس هذا الجهاز، وتسلم رسالة شكر من الديوان الملكي. وكان تدبير الموارد البشرية في الوقاية المدنية موضوعا لملاحقات قضائية ضد مسؤولين، بينهم عقيد يوجد حاليا رهن الاعتقال الاحتياطي في سجن سلا، كما تفجرت قضية الشواهد المزورة التي كان مترشحون قد سلموها إلى الإدارة بغرض ولوج وظائفهم، وأطاحت هذه القضية بمسؤولين آخرين، وأجبر عاملون في الجهاز على الاستقالة درءا لأي تداعيات إضافية.
لكن الآن، يبدو أن العاملين الذين يشعرون بانسداد الأفق ليست بيدهم أي حيلة، ويقول أحدهم لـ»أخبار اليوم»: «لا نعرف بالضبط ما يتعين علينا أن نفعله.. إننا نريد مغادرة هذا الجهاز لأننا لا نحتمل الحياة العسكرية، ونحن نفكر بشكل جماعي في الأسلوب المناسب لنفرض على الإدارة أن تسمح لنا بالرحيل». ويفكر بعضهم كما ورد في مجموعات سرية على الشبكات الاجتماعية، في اللجوء إلى القضاء الدولي، وأيضا إلى المنظمة العالمية للحماية المدنية، لوضع شكوى، لكن أي محاولة لفعل ذلك قد تعرض المعنيين إلى عقوبات تصل إلى السجن بسبب تطبيق القانون العسكري عليهم، ويقول فرد بالوقاية المدنية يقيم في المحمدية: «إن الأمر أشبه بزيارتك إلى بلاد ما، لكنك في نهاية المطاف تجد نفسك عالقا فيها بسبب حدوث تغيير متطرف في النظام السياسي.. لقد تحولنا إلى عسكريين رغما عنا، وانتهت كل المكاسب التي تحققت منذ 2011. إننا الآن مجبرون على العمل والصمت وإلا فإننا سنتعرض للمحاكمات».