هولاند يطلق النار في جميع الاتجاهات في كتاب "صادم"

30/10/2016 - 21:45
هولاند يطلق النار في جميع الاتجاهات في كتاب "صادم"

يبدو أن الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، قرر تكسير الأعراف الرئاسية في التعامل مع الإعلام وهو لا يزال يجلس على كرسي السلطة، حين قدم مواقف وآراء قوية وصريحة وغير متحفظة لصحافيين من لوموند بشأن قضايا حساسة قرأ فيها البعض « انتحارا سياسيا » للرئيس الاشتراكي.

وقد أثارت الحوارات التي أجراها جيرارد دافي وفابريس لوم مع هولاند، وجمع فحواها في كتاب بعنوان : « ما لا يصح أن يقوله الرئيس »، جدلا واسعا بالبلاد، وصدمة سياسية هزت غالبية المتابعين التي باتت تتساءل صراحة عن التبعات التي قد تكون كارثية، مشككة في إرادة الرئيس الترشح لولاية ثانية.

وحسب المقاطع التي تداولتها الصحافة الفرنسية من الكتاب الجديد، فقد اعتبر فرانسوا هولاند، في حواراته مع صحافيي لوموند، أن الإسلام يشكل بالفعل مشكلا لفرنسا، وانتقد قضاة الجمهورية واصفا إياهم ب »الجبن »، كما كشف أنه قدم الضوء الأخضر لأجهزة الاستخبارات الخارجية الفرنسية لتنفيذ أربع عمليات اغتيال، وعبر عن إرادة في حل الحزب الاشتراكي الذي ينتمي إليه، ورغبته في تأسيس حزب جديد بدماء جديدة.

محجبة اليوم هي ماريان الغد

قال الرئيس الفرنسي، في المقاطع المتداولة من الكتاب، « هناك مشكلة مع الإسلام، هذا صحيح. لا أحد يشكك في هذا (…) ليس الإسلام الذي يطرح المشكلة بمعنى أنه قد يعتبر دينا خطرا بحد ذاته (…) ما يمكن أن يطرح مشكلة هو إذا لم يستنكر المسلمون أعمال التطرف، إذا تصرف أئمة المساجد بطريقة معادية للجمهورية ».

وفي مقتطف آخر نقل الصحافيان عن الرئيس قوله إن « المرأة المحجبة اليوم ستكون ماريان الغد. لأنه بطريقة ما، إذا توصلنا إلى أن نوفر لها ظروفا للتفتح فستتحرر من حجابها وتصبح فرنسية، مع كونها متدينة إذا أرادت ذلك، قادرة على التحلي بالمثل العليا » (العلمانية للجمهورية).

وقد سارع مانويل فالس، رئيس الوزراء، المنتمي لحزب الرئيس (الحزب الاشتراكي)، إلى التخفيف من وطأة تصريحات هولاند بالقول، إن « الإسلام الفرنسي، مثل باقي الديانات، له مكانته الكاملة في فرنسا ».

القضاة جبناء

وفي مقتطف آخر من الكتاب، اتهم الرئيس رجال القضاء بالغرور وادعاء النزاهة، معتبرا أن مؤسسة القضاء « مؤسسة جبانة ». ولم يتأخر رد المجلس الأعلى للقضاء الذي اعتبر أن تصريحات الرئيس « خطيرة وظالمة »، كما عبر النائب العام والرئيس الأول لمحكمة النقض عن استيائهما من تصريحات هولاند.

وقد قدم الرئيس الفرنسي اعتذاره في رسالة وجهها إليهم جراء غضبهم منه، حيث قال فيها إن « تلك التصريحات لا علاقة لها بحقيقة أفكاري ».

ضوء أخضر لأربع عمليات اغتيال

في الكتاب يكشف الرئيس الفرنسي أيضا أنه أعطى الضوء الأخضر لتنفيذ أربع عمليات اغتيال من المرجح أن تكون استهدفت « إرهابيين ».

وقد تأسف اليمين الفرنسي على خرق الرئيس لقاعدة السر العسكري بكشفه لهذه المعطيات الحساسة.

كما لم يسلم من انتقاد زملائه في الحزب الاشتراكي الذين أخذوا مسافة من تصريحاته.

وقال فرانسوا هولاند، حسب ما يكشفه الكتاب، « أعطيت الضوء الأخضر لتنفيذ أربع عمليات اغتيال على أقل تقدير، في حين أن رؤساء آخرين أجازوا عددا أكبر من العمليات ».

وحسب الصحافيين، بعد شهر من إدلائه لهما بهذا الكلام، وربما بسبب شعوره بأنه أدلى بمعلومات حساسة، حاول هولاند إضفاء نوع من النسبية على تصريحه بالقول « هذا أمر غير وارد، لا أحد يعطي ترخيصا بالقتل، لدينا لائحة بأسماء كافة الأشخاص الذين قتلناهم، هذا صحيح وقلته، لكننا لا نحدد لائحة أسماء بالقول ‘علينا أن نقتل هؤلاء.. هكذا’. »

وبدوره، انتقد وزير الشؤون الخارجية، جان مارك أيرو، تصريحات هولاند، في تعليق لصحف فرنسية قال فيه « لا يصح أن يقول الرئيس مثل هذا الكلام.. الجواب في عنوان الكتاب. العنوان هو الشيء الوحيد اللافت في الكتاب ».

تصفية الحزب الاشتراكي

« يجب تصفية الحزب الاشتراكي. على الحزب أن ينتحر بشرف على طريقة الساموراي (haka-kiri) »، يقول فرانسوا هولاند. ولطالما فكر هولاند، حسب تحليل الصحافيين، في إنهاء عهد الحزب الاشتراكي من أجل تشكيل حزب جديد (حزب التقدم).
وأخذ الكاتب الأول للحزب الاشتراكي، جون كريستوف كامباديلي، مسافة من أفكار هولاند متجنبا إعطاء تعليق لاذع في الوقت نفسه، حيث اكتفى بالقول « هذه أفكار تخص رئيس الجمهورية ولا أتشاطرها ».

جدل يصل إلى اليونان

في الكتاب يتحدث فرانسوا هولاند عن مكالمة هاتفية تلقاها من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عشية الاستفتاء الذي نظمه وفاز به رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس حول الدَين اليوناني. وحسب هولاند، فقد أكد بوتين خلال اتصاله على أن الحكومة اليونانية طلبت منه صك « دراخما » (العملة اليونانية القديمة التي عوضها الأورو) بروسيا لأنها لا تملك المال الكافي لصكها.

وقد خلفت هذه المعلومة زوبعة انتقادات داخل اليونان، حيث طالبت المعارضة الحكومة اليونانية بشرح حقيقة الموضوع، فيما ضجت الصفحات الأولى لعدد من الصحف بعناوين من قبيل « هولاند يكشف نوايا تسيبراس الخفية: رئيس الوزراء يريد إخراج اليونان من منطقة الأورو ».

وقالت مصادر حكومية يونانية، في تصريح لوكالة فرانس برس، إن تسيبراس أجرى بالفعل ثلاث مكالمات هاتفية حينها مع الرئيس الروسي، لكنه لم يطلب في أي واحدة صك العملة القديمة.

ساركوزي: هولاند يلطخ المنصب الرئاسي

وترددت أصداء موجة الاستنكار التي قابلت تصريحات الرئيس الاشتراكي داخل المناظرة السياسية اليمينية التي جرت مؤخرا بفرنسا في سياق الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح اليمين للرئاسة، والتي خرج منها آلان جوبيه معززا حظوظه، بحسب استطلاعين للرأي.
وإذا كان المرشحون السبعة المتنافسون لتمثيل اليمين في الانتخابات الرئاسية، سعوا لإبراز التباينات في ما بينهم، فإنهم وقفوا صفا واحدا في وجه الرئيس الاشتراكي المنتهية ولايته.
وقال المنافس الأبرز للمرشح الأوفر حظا لليمين، الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، مستشهدا بأوصاف أطلقها هولاند على فئات من الفرنسيين، « الفقراء ‘أشخاص بلا أسنان’، والرياضيون ‘بلا قيم’ والقضاة ‘جبناء’، أتساءل إلى أين سيمضي فرنسوا هولاند في تلطيخ المنصب الرئاسي وتدميره ».

ورأى آلان جوبيه، من جانبه، خلال المناظرة أن الرئيس « أخل بشكل خطير بواجبات منصبه وأثبت مرة جديدة أنه ليس بمستوى مهامه ».

وشدد الوزير السابق ورئيس بلدية مدينة بوردو (جنوب غرب) الذي يحظى بشعبية بين اليمين المعتدل والوسط وحتى قسم من اليسار، على أن الانتخابات التمهيدية اليمينية تبقى « مفتوحة » أمام « من أصيبوا بخيبة من حكم هولاند ».

وهذه الأزمة الجديدة في اليسار تزيد بشكل كبير من أهمية الانتخابات التمهيدية اليمينية التي تجري في 20 و27 نونبر المقبل، إذ تشير التوقعات إلى أن الفائز فيها لديه حظوظ كبيرة في الوصول إلى الرئاسة في ربيع 2017، بعد جولة ثانية يخوضها على الأرجح ضد مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، بحسب ما تشير إليه استطلاعات الرأي.

شارك المقال