الرميد يكسر صومه عن الكلام في السياسة

23 نوفمبر 2016 - 20:07

 

جدد مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات في الحكومة المنتهية ولايتها، التأكيد على أن عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المعين، لن يشكل حكومة دون مشاركة الاستقلال والتقدم والاشتراكية. ولكنه لمح في الحوار مع “اليوم24″، والذي تناول فيه قضايا إصلاح القضاء وحرية الصحافة، والحريات الفردية، إلى إنه لن يكون ضمن التشكيلة الحكومية المقبلة.

ھل أنت مع اللجوء إلى انتخابات جدیدة إذا استمر «البلوكاج»؟
رئیس الحكومة المكلف لم یفشل لحد الآن في تشكیل الحكومة حتى نتحدث عن خیارات أخرى. إن الدول التي یحصل فيها الحزب الأول على الأغلبیة المطلقة، تسمح لرئيس هذا الحزب أن يشكل الحكومة خلال 48 ساعة أو ثلاثة أيام، وبعدد محدود من الوزراء، لكن حينما يتعلق الأمر بوضع كالوضع المغربي، فإن تشكيل الحكومات يستغرق وقتا ليس بالقصير، فإسبانيا مثلا، وطوال ثلاثة عقود كان الحزب الفائز يشكل حكومته عشية إعلان نتائج الانتخابات، لكنه وبعد الاستحقاق الأخير والذي قبله، عرفت إسبانيا مخاضا عسيرا استغرق وقتا ليس باليسير يقارب العشرة أشهر، وتعلمون أنه ما كان للحزب الشعبي أن يشكل حكومته أخيرا إلا بعد أن ضحى الحزب العمالي الاشتراكي بزعيمه، واتخذ قرارا تاريخيا بعدم التصويت ضد حكومة راخوي. إن المعطیات الإسبانیة تفیدنا بأنه في بعض الأحیان یصبح من العسیر تشكیل الحكومات، وأنه بعد مرور الوقت یصبح من اللازم على حزب من الأحزاب، استحضارا للمصلحة العلیا للوطن، أن يعمل على تيسير مهمة الحزب الأول لتشكیل الحكومة ضمانا لاستقرار البلاد.
وعودة إلى سؤالكم، أعتقد أنه لا مبرر لتنظيم انتخابات جدیدة لأنها لو أُجريت لأعطت حزب العدالة والتنمیة مقاعد أكثر مما أعطته الانتخابات الأخيرة، وأستحضر بهذه المناسبة، أن إسبانيا أجرت انتخابات ثانية، لكنها منحت الحزب الشعبي مقاعد جدیدة، غير أنها لم تغیر معطیات الخریطة السیاسیة وظل الوضع كما هو، وهذا ما أتوقعه بالنسبة إلى بلادنا إذا أقدمت على ذلك. وعليه، فإن إجراء انتخابات جدیدة لا جدوى منه.

هناك من یروج لسیناریو إمكانیة تعیین شخصیة من خارج العدالة والتنمیة لتشكیل الحكومة؟ ھل ھذا ممكن دستوریا؟
مرة أخرى لماذا تریدني أن أجیبك عن سيناريوهات لیست مطروحة لحد الآن. نحن أمام انتخابات أعطت تفوقا ملموسا وواضحا لحزب العدالة والتنمیة، وأمام قرار ملكي كرّس المنهجية الدیمقراطیة وأمام مشاورات، لم یصل الوقت للحدیث عن فشلها وطرح السیناريوهات البدیلة، والتي لا يطرحها حاليا سوى مناوئي العدالة والتنمية.

ما عبر عنه رئیس الحكومة المكلف في الفیدیو، الذي سجل أمام اجتماع اللجنة الوطنیة للحزب يوم 5 نونبر، عكس موقفا صارما من أزمة المشاورات، ھل أیدت بث ھذا التسجیل عبر موقع الحزب؟
لا أرى من الملائم التقییم العلني لتصریحات الأخ الأمین العام، لأن لدینا الإطارات التنظیمیة التي نعبر من خلالها عن آرائنا، وسيكون بالإمكان الحدیث في ھذا الموضوع في الوقت والمكان المناسبين.

الحزب مقبل على عقد مؤتمره السنة المقبلة، فهل تؤید تعدیل قانون الحزب لتمكین بنكیران من ولایة ثالثة؟
إنه ليس من الملائم الحديث عن الاستحقاقات الحزبية في خضم ما تعرفه بلادنا من استحقاقات حكومية، ويمكنني أن أجيبكم عن سؤالكم بصراحة بعد الانتهاء من تشكيل الحكومة المقبلة.

خلال الندوة الصحافية الخاصة بإعلان نتائج انتخابات 7 أكتوبر، كنتَ إلى جانب عبد الإله بنكیران في مقر الحزب ولیس إلى جانب وزیر الداخلیة باعتبارك عضو لجنة تتبع الانتخابات. ھل ھذا تعبیر منك عن غضب من سیر عمل اللجنة وطریقة التعامل مع الخروقات التي سجلت؟
لقد قامت وزارتا العدل والداخلية بالتدبير المشترك لموضوع الانتخابات في الشق المتعلق بالتشریع والمتعلق بتدبیر الشكایات ومعالجة بعض الإشكالات المطروحة، وهذه هي حدود مهمتي في لجنة تتبع الانتخابات. أما فيما يتعلق باللحظة التي تشير إليها في سؤالك، فقد كانت العملية الانتخابية قد انتهت بعد إغلاق مكاتب التصويت، وبالتالي فلم یكن من الملائم أن أكون إلى جانب السيد وزیر الداخلیة مادام أنه كان يتلقى، في إطار خاص معطیات النتائج من خلال التواصل مع الولاة.

لكن في انتخابات 4 شتنبر 2015 كنت في مقر وزارة الداخلیة لیلة تلقي النتائج؟
فعلا، لقد كنت هناك. لكن وكما لاحظتم، فإني لم أكن حاضرا وقت تقدیم النتائج، حيث إن السيد وزیر الداخلیة كان منهمكا في الاتصالات مع السادة الولاة والعمال، وبالتالي لم يكن لديّ أي دور في ذلك، فغادرت وزارة الداخلیة والتحقت بمقر الحزب.

بخصوص انتخابات مجلس المستشارین، ھل ندمت على توقیع بلاغ التشهير بالمستشارین الذین قیل إنهم تورطوا في الفساد الانتخابي؟
ھذا موضوع انتهى. لقد كان هناك خلاف داخل اللجنة استمر یومین أو ثلاثة، وفي النهاية كان لابد من الحسم في اتجاه معین، إما بنشر البلاغ أو بعدم نشره، والرأي الذي تم ترجيحه هو النشر، وكما تعلم فعندما تكون في موقع المسؤولیة فإنك لا تقرر وحدك، وقد تكون هناك قرارات تلائم رأیك وقد يكون العكس.

نفهم من هذا أنك رفضت نشر اللوائح؟
بالفعل، كنت أفضل ألا يتم النشر، لكن كان هناك رأي آخر یقول إن المغاربة یریدون أن یلمسوا مدى حرص الدولة على محاربة الفساد، وبالتالي كان لابد من تقدیم المعطیات للرأي العام.

لكن عددا من هؤلاء الذین تم التشهير بهم تمت تبرئتهم فیما بعد، فكیف یمكن رد الاعتبار إليهم؟
من حقهم أن یُطالبوا الدولة بالتعویض. ولا تنسى، أیضا، أنكم معشر الصحافیين تنشرون يوميا أخبارا غير صحيحة عن الناس، وفي الغالب لا تتم مساءلتكم عنها، كما أنكم لا تُحاسِبُون أنفسكم عن المساس بسمعة الناس وكيانهم المعنوي، فكيف تحاسبوننا إذا فعلناها مرة واحدة.

كنت من المؤیدین لإبقاء العقوبات الحبسیة في قانون الصحافة بعد نقلها إلى القانون الجنائي، وهناك من یعتبر أن ھذا مسيئا لتجربتك؟
إن العقوبات الحبسیة حُذفت من جميع الجرائم الواردة في قانون الصحافة والنشر وعددها 27، وتم إدراج أربع (04) جرائم داخل مجموعة القانون الجنائي ويتعلق الأمر بجريمة الإساءة إلى ثوابت المملكة، (الدين الإسلامي، الوحدة الترابية والنظام الملكي) وجريمة الإساءة لشخص الملك… وجريمة التحريض على الكراهية، وجريمة التحريض على ارتكاب جنايات وجنح، وتم التخفيض من العقوبة الحبسية من خمس سنوات إلى سنتين، كما أن العقوبة الحبسية أصبحت اختيارية بعد أن كانت إلزامية.
في المقابل، ما هو التطور الحاصل في الأداء الإعلامي؟ إلى أي حد ارتقى الحس الأخلاقي لدى رجال ونساء الصحافة؟ إنه بقدر ما ينبغي حماية حرية الصحافة، ينبغي، أيضا، حماية أعراض الناس وكيانهم المعنوي والقيم العليا للمجتمع والمؤسسات الأساسية في البلاد. ولذلك فنحن اليوم، لا نخاف على رجال ونساء الصحافة من الحبس، بقدر خوفنا على المواطنين من القصف اليومي للصحافة، خاصة أن الاعتداء المعنوي عبر الصحافة أشد وأسوأ من الاعتداء المادي.

هناك الإكراه البدني ضد الصحافي في حالة عدم أدائه للتعویض، خاصة أن المحاكم تقضي بتعویضات كبیرة سیعجز الصحافیون عن أدائها؟

الإكراه البدني یكون في حالة ما إذا كان الصحافي قادرا على الأداء ورفض. أما إذا كان عاجزا فلا إكراه.

لكن إثبات عجزه عن الأداء رهين بشهادة مسلمة من مسؤول في السلطة العمومية، مثل العامل أو الوالي أو غیرهما، فهل تتصور أن یمنح رجلُ السلطة الصحافيَ شهادة الاحتیاج؟

الصحافي كأي مواطن، يمكنه الحصول على هذه الشهادة إن تحققت فيه شروطها، أما إذا كان له مدخول فينطبق عليه ما ينطبق على الناس.

لكن، إذا حكم عليه بتعویض قدره 100 ملیون، فكیف يؤديه رغم أنه یشتغل؟

وماذا عن الضرر الذي لحق الضحیة؟

إذن، یمكن حبس الصحافي في هذه الحال؟

طبعا ممكن. هذه ھي دولة الحق والقانون التي يرتبط بها الحق بالواجب.

دخلت المقتضیات الجدیدة لقانون الصحافة حیز التطبیق، وطلبت من وكلاء الملك تأمین الدیمومة لترصد قضایا النشر، بعدما أصبح من صلاحیة القضاء منع توزیع الصحف. لماذا هذه الیقظة الزائدة في وقت یجب أن یكون وكلاء الملك مجندین في كل القضایا التي تهم المواطنین ولیس فقط النشر؟

الأمر لا یتعلق بوكلاء الملك، إنما بقضاة الأحكام. نحن أمام قانون جدید سحب الاختصاص من السلطات الإدارية في قضیة توقیف الصحف، سواء الوطنیة أو تلك الواردة من الخارج، لهذا، أصبح القضاء ھو المختص باتخاذ ھذا النوع من القرارات بناء على طلبات إما من السلطة الحكومية المكلفة بالاتصال أو النیابة العامة، وهو ما اقتضى مني تنبيه السادة القضاة إلى الحرص على الديمومة حتى نضمن سهولة التواصل معهم لاتخاذ القرار في ظرف 8 ساعات، وفق ما ينص عليه القانون المذكور.

ما ھي أصعب اللحظات التي مرت عليك في الوزارة؟
مرت علينا لحظات صعبة فعلا، ولكننا تجاوزناھا، وأصبحت جزءا من الماضي.

ھل ترى نفسك وزیرا في الحكومة المقبلة، أم إنك تحن إلى العودة إلى مهنتك في المحاماة، حیث اللسان طلیق والجیب «مليء»، وحیث تكون محررا من كل قید؟

لقد عبرت بسؤالك عما یخالجني. فعلا أنا أحن إلى العودة إلى مهنتي، وأنا مطمئن أنني خدمت بلدي وبذلت وسعيت، وأنجزت، بحمد الله، أمورا كثیرة يشهد بها القضاة والمحامون والمواطنون، ومن سیخلفني يمكنه أن يواصل ھذا الإصلاح على قاعدة المیثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة.

العدید من النصوص القانونیة التي وعدت بإخراجها خلال هذه الولایة لم تر النور، مثل مشاریع قوانین المسطرة الجنائیة والقانون الجنائي، وقانون المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وغیرها، ھل وقعت عرقلة؟

تنفيذا لالتزاماتها في إطار المخطط التشريعي، أعدت الوزارة عددا من مشاريع القوانين، صدر أهمها، وهما القانونان التنظيميان المتعلقان بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، وأحالت بعضها على البرلمان والبعض الآخر معروض على الأمانة العامة للحكومة. ومن المشاريع التي تمت إحالتها على البرلمان، مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستوریة القوانین، ومشروع القانون الجنائي، ومشروع قانون التنظیم القضائي. أما المشاريع المحالة على الأمانة العامة للحكومة فتتعلق بـ: مشروع قانون المسطرة الجنائیة، ومشروع قانون المسطرة المدنیة، ومشروع قانون المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي ستحدث بموجبه الآلية الوطنیة لمناهضة التعذیب، إضافة إلى مشروع قانون مؤسسة الوسیط، ومشروع قانون حول الطب الشرعي، ومشروع مرسوم حول أجور الموثقین، ومشروع مرسوم يهم الخریطة القضائیة، ومشروع مرسوم يتعلق بالمرصد الوطني للجريمة. كل هذه القوانين تمثل ذخیرة تشریعیة مهمة للحكومة المقبلة.

بخصوص مشروع القانون الجنائي، فإنه جاء بتعدیلات جزئیة؟
في الأصل كانت التعدیلات على القانون الجنائي شاملة، ونظرا إلى ضيق الوقت، وحرصا على تقديمه قبل انتهاء ولاية هذه الحكومة، فقد حذفنا منه التعديلات التي تتعلق بالإشكالات التي تثير الخلاف المجتمعي، وركزنا على التعديلات التي لها علاقة بالدستور وبإصلاح منظومة العدالة وبالملاءمة مع الاتفاقیات الدولیة، لكن، للأسف الشديد، فإن الذین انتقدوا المشروع لأنه لم يكن شاملا، ھم الذین عرقلوا المصادقة عليه في مجلس النواب.

إذا جاء وزیر جدید في الحكومة المقبلة بخلفیة مختلفة، فيمكنه سحب كل هذه المشاریع لإعادة النظر..
بالطبع له أن یفعل ذلك، وھذا حقه.

بالنسبة إلى إصلاح القضاء، قدت أكبر عملیة لتفكیك وزارة العدل وإفراغها من أھم صلاحياتها، ھل أنت نادم على ھذا الدور؟

الإصلاح الذي تم یستند إلى الدستور، خاصة ما یتعلق بإعادة هيكلة وزارة العدل وانبثاق السلطة القضائیة، وعلى رأسها مجلسها الأعلى الذي أوكل إليه الدستور مهمة تدبیر الشأن المهني للقضاة. ھذا الاستحقاق الدستوري تم تجسیده في قانونین تنظیمین: الأول ھو قانون المجلس الأعلى السلطة القضائیة، والثاني هو النظام الأساسي للقضاة. ھذا یعني أن الدستور قرر أن یضع حدا للمجلس الأعلى للقضاء الذي كان يرأسه الملك وینوب عنه وزیر العدل والحریات، إضافة إلى ما تضمنه النظام الأساسي من صلاحیات لوزیر العدل في تدبیر بعض جوانب الشأن المهني القضائي. وبناء على ھذا، فإن ما قام به الرميد لیس سوى تجسید لاستحقاق دستوري. هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك ما یتعلق بانبثاق مؤسسة الوكیل العام للملك لدى محكمة النقض كرئیس للنیابة العامة، فهذه المؤسسة لم يحدثها الدستور الذي عبر تعبیرا عاما عن رئاسة النیابة العامة، دون تحدید الجهة التي ستتولاها، لكن الحوار الوطني لإصلاح العدالة انتهى إلى إسناد رئاسة النیابة العامة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وبالتالي، فإن خروج النیابة العامة من وزارة العدل تأسس على مخرجات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة.

الآن، ماذا سیبقى من صلاحیات لوزارة العدل؟
ستبقى لوزارة العدل أدوار مهمة أبرزها التشریع في المیادین المتعلقة بالعدالة، وھي مهمة من مهام وزارات العدل في كل دول العالم، كما ستبقى لها مهمة تدبیر الإدارة القضائیة، بما تعنيه من تتبع لمستوى النجاعة القضائیة والرفع منها، أي أن جمیع رؤساء المحاكم في تدبیرھم الإداري سیبقون مرتبطین بإدارة الوزارة، تماما كما سيبقى الإطار الإداري في المحكمة تحت سلطة الوزارة. أيضا، من أھم استحقاقات المرحلة تحقیق المحكمة الرقمیة، وھذا سیفتح آفاقا جدیدة للسمو بالعدالة، إضافة إلى الإشراف على المهن القانونية والقضائية، وهذا من مهام الوزارة كذلك، فضلا عن دورها في توفیر البنايات والتجهيزات.

لكن، من سیحاسب السلطة القضائیة عن السیاسة الجنائیة؟

السیاسة الجنائیة ستبقى من صلاحیة الحكومة التي تبلغها إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض عن طریق وزیر العدل.

قضیت خمس سنوات في الوزارة، وقدت الحوار الوطني، وخضت معارك وإصلاحات، لكنك علقت الإصلاح الكبیر على ضمیر القضاة، والناس ینتظرون جودة الأحكام والحد من التلاعب فيها، ما تقول لهم؟

هذه من الأمور التي یصعب فهمها من طرف عامة الناس وتتطلب توضیحا، ذلك أن الإصلاح عمیق وشامل، ویضمن استقلالا تاما للقاضي، الذي لا يسعه الحكم إلا بما يمليه عليه ضمیره. الإصلاح یتحقق أيضا من خلال مجموعة ضوابط، مثل ما هو منصوص عليه في القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، الذي یحاسب القاضي على الخرق الخطیر لقانون الشكل، والخرق الخطیر لقانون الموضوع، ویحاسبه على تأخیر القضایا بشكل غیر مبرر، وعلى مصدر ثروته. لكننا نعول على دور المواطنين والمجتمع المدني والإعلام لفضح التجاوزات ومحاصرة الخروقات. مع ذلك، يبقى الضمير المسؤول للقاضي، كما قال جلالة الملك، هو العنصر الحاسم، كما هو الحال بالنسبة إلى باقي المهن، سواء تعلق الأمر بطبيب أو محام أو غيرهما. مهما كانت القوانين صارمة وجيد، فلا بد أن يزكي دورها الضمير المهني، وبلغتنا الإسلامية مراقبة الله عز وجل والخوف منه، ونحن نعول على المجلس الأعلى للسلطة القضائیة لیكون یقظا وحازما، لیحاسب أي قاض على أي انحراف، فهذه ھي الضمانات الممكنة في العالم، إذ لا یمكن أن نتصور أنه بوضع أحدث التشریعات فقط، سنجعل القضاء نزيها.

تقول دائما إنك لا تتدخل في القضاء، لكن یقال أيضا إنك لا تستطیع منع من یتدخلون فيه؟
القول إنني لا أستطیع منع من یتدخل في القضاء كلام یحتاج إلى توضیح، فإذا كان المقصود أنني أرى تدخلا وأعجز عن التدخل لإيقافه فهذا غیر صحیح.

ھل سبق أن لاحظت، طیلة مسؤولیتك، تدخلا في القضاء وأوقفته؟
ج: لا، لم یحدث أن لاحظت أي تدخل، لكني لا أدعي أنه لم تكن هناك تدخلات.

أي أنك كنت تشعر بأن هناك تدخلات؟

طبعا، هناك مواطنون عديدون يشتكون التدخلات، لكنهم لا يقدمون الحجة عليها، وتعرفون أن الناس الذين لهم قضیة في المحكمة، في الغالب، یستعملون الوسائط والوسائل التي یمكن أن تؤثر على مسارها. وأنا لا أعلم الغیب، ولا يمكن مؤاخذة أحد بمجرد ادعاءات، لأنها قد تكون صحيحة وقد تكون كاذبة، وقد تكون متوهمة. وعلى العموم، فإننا لا نتردد في محاسبة القاضي الذي يشتبه في انحرافه، وإحالته على المجلس الأعلى للقضاء، الذي لم يتوان، ولو مرة واحدة، في اقتراح عزل من ثبت فساده.

لاحظ الرأي العام خلال تعیین رئیس الحكومة من طرف جلالة الملك محمد السادس أنك كنت مرافقا له في القصر الملكي، وقد راجت تكهنات كثیرة حول سر حضورك. ما سبب وجودك في القصر حينها؟
الحقیقة، إن جلالة الملك ھو الذي له صلاحیة الأمر باستدعاء من یرغب في التحدث إليه لهذا السبب أو ذاك، حسب تقدير جلالته. وبالتالي، فإنه إلى جانب استدعاء الأخ عبد الإله بنكیران، فقد تم استدعائي. وھذا قرار جلالة الملك. وقد أخبرت الأخ الأمين العام بالموضوع ولم یتردد في الترحیب به.

ما كان موضوع الاستدعاء إذن؟
كان ما كان…

ماذا تقصد؟
لیس من الملائم التحدث عن اجتماع قرره جلالة الملك ولم یتم الإعلان عن مضمونه رسمیا.
لكن سكوتك يبقي الباب مفتوحا أمام التأویلات، فهل تعلق الأمر باقتراح تعیینك رئیسا للحكومة، أم لتبليغك عتابا ما؟
سأقول لك، كم من مرة قدمت فيها توضیحات، فهل التوضیحات التي قدمتها حسمت النقاش ووضعت حدا للتأویلات؟ لماذا تصر على أن أدلي لك بما دار بیننا وبین جلالة الملك؟

لماذا غبت عن المشاورات؟
لیس من الضروري أن أكون طرفا فيها.

يلاحظ أن بعض السلوكات داخل المجتمع التي تتعلق بالحريات الفردية بعضها يواجه بالتسامح وبعضها الآخر يواجه بالقمع. ما هي السياسة الجنائية المعتمدة من قبلكم بهذا الخصوص؟
إن السیاسة الجنائیة المعتمدة حكوميا بشأن بعض الممارسات الأخلاقية تقتضي:
– عدم اقتحام الفضاءات الخاصة لإثبات المخالفات الأخلاقية مادام ليس هناك ضرر للغير تم التعبير عنه صراحة.
– عدم مساءلة الناس في الفضاءات العامة عن سلوكهم وأخلاقهم، وعن نوعية العلاقات التي تربط بينهم مادام لم يصدر عنهم ما يخالف القانون صراحة ويستفز الشعور العام.
– إن مضمون هذه السياسة الجنائية تقرر تبليغها للمسؤولين في النيابة العامة من قبل وزير العدل والحريات، وللمسؤولين الأمنيين من قبل وزير الداخلية، وهو ما تم بالفعل.

لكن، يلاحظ أحيانا أن هناك انتقائية في تنفيذ هذه السياسة؟

نعم، لقد سبق لي التنبيه، منذ حوالي سنتين في عدة مناسبات، إلى أن هذه السياسة الجنائية لا تحظى بالاحترام التام دائما لأسباب يبدو أنها تخضع لحسابات صغيرة واعتبارات خاصة.
أؤكد أن هذه السياسة الجنائية لا تحتمل الانتقائية والتمييز، باعتبارها سياسة عامة ومجردة تستحضر مقتضيات الدستور وأحكام القانون، وتراعي حريات الأفراد في احترام تام لقيم المجتمع.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.