من تمرد فلا جمعة له

06 ديسمبر 2016 - 22:00

لأول مرة منذ استقلال المغرب يضرب المؤمنون عن صلاة الجمعة، ويقومون بالاحتجاج على وزارة الأوقاف في قلب المسجد، لأن الوزارة عزلت خطيب الجمعة في مسجد يوسف بن تاشفين، محمد أبياط، الذي يحظى بشعبية كبيرة في العاصمة العلمية. وزارة الأوقاف تدعي أن خطيب فاس خرق دليل الأئمة والمرشدين عندما تحدث عن حرائق إسرائيل، وربطها بمنع حكومة نتنياهو للأذان في مساجد فلسطين، وزاد خطيب مسجد ابن تاشفين ولمح إلى منع السلطات المغربية لبناء مساجد في أماكن سياحية دون تحديد المكان والزمان والقرار… وفي خطبة سابقة، انتقد وصاية الوزارة على أئمة المنابر، وقال، في فيديو على اليوتوب: «سيأتي زمان على خطباء المساجد سيضطرون فيه إلى أخذ الإذن من مهرجان موازين قبل الصعود إلى المنبر»، في إشارة إلى تحكم الوزارة في مضمون الخطب، ووضع خطوط حمراء أمام المرشدين الدينيين.
حادثة عزل إمام فاس بمبرر «خلط السياسة بالدِّين»، دفعت أئمة آخرين مغضوبا عليهم من قبل وزارة أحمد التوفيق للخروج عن صمتهم، وإعلان التضامن مع الخطيب المعزول، داعين إلى وضع مسطرة قانونية «معقولة» لتأديب الأئمة الذين يخرجون عن الخط الرسمي للوزارة في الوعظ والإرشاد، وعرض كل خلاف بين إدارة الأوقاف والأئمة والمرشدين على لجنة علمية مختصة من كبار العلماء، والتدرج في التأديب، من التنبيه إلى التوبيخ إلى العزل المؤقت ثم النهائي، وإعطاء المرشدين الدينيين الحق في التظلم أمام المحاكم، باعتبار أن قرار العزل قرار إداري لا يملك حصانة قضائية.
هذه الحادثة وما أعقبها من ردود فعل قوية، وضجة كبيرة في الفايسبوك من قبل المتدينين وغير المتدينين، تستوجب على الوزارة وعلى الحكومة وعلى البرلمان وعلى الجمعيات الحقوقية أن تفتح نقاشا عموميا دينيا وعلميا وحقوقيا حول تأطير الفضاء الديني الشاسع المساحة والكبير التأثير، ففي المغرب اليوم حوالي 60 ألف مسجد تحت إشراف وزارة الأوقاف، وكل جمعة يتوجه أكثر من ثمانية ملايين مغربي إلى صلاة الجمعة في مختلف مساجد المملكة، حيث يستمعون في المتوسط إلى 35 دقيقة من البث المباشر، وعظا وإرشادات وتوجيها، من قبل خطيب جمعة في شؤون الدين والدنيا، ويستمعون في خشوع آيات قرآنية وأحاديث نبوية وسيرة محمدية وتاريخ قريب وبعيد وأقوال للسلف والخلف. إذا قمنا بعملية حسابية بسيطة، فإن مدة البث الديني المباشر من على منابر الجمعة تصل إلى مليونين و100 ألف دقيقة في الأسبوع، وهذا أكبر Audience يبث مباشرة من أفواه الأئمة إلى آذان 8 ملايين مصلٍّ يجلسون بخشوع في المساجد، حيث لا ينافس «قناة منبر الجمعة» هذه تلفزيون ولا إذاعة ولا جريدة ولا موقع إخباري.
إن هذه المساحة الزمنية الكبيرة لبث القيم الدينية، وهذا التجمع الضخم للمغاربة في المساجد وحولها كل جمعة، يفرض على الأطراف كلها أن تعي أهمية المنبر وخطورته في الوقت نفسه، وأن يتجه الجميع إلى إنتاج خطاب وتوجيه ديني وسطي ومعتدل، يركز على القضايا «الإجماعية»، وليس على القضايا «الخلافية»، والهدف هو توظف خطب الجمعة لغرس قيم المواطنة القديمة والجديدة، ومبادئ الإسلام السمحة، والابتعاد عن الطائفية الدينية، والدعاية السياسية، سواء للأحزاب أو للجماعات الدينية أو للسلطة الحاكمة… وذلك حتى يتمتع الإمام بالمصداقية والثقة لدى المؤمنين، ولا يتجهوا إلى استيراد نموذج التدين الوهابي أو السلفي الجهادي أو الإخواني، أو غيرها من أنماط التدين الغريبة عن بيئتنا وعن خصوصية بلاد متعددة الأديان والأعراق واللغات، والقريبة 12 كيلومترا من أوربا.
لا يبدو أن صاحب رواية «جارات أبي موسى» قادر اليوم على إدارة جديدة لهذا الملف، فقد أمضى في المنصب الوزاري أكثر من 16 سنة، وحان موعد انصرافه، والبحث عن بديل له يستطيع أن ينزل مشروع إصلاح الحقل الديني على أرض الواقع، وإدارة أماكن العبادة بكفاءة إدارية أفضل، والوصول بالخطاب الديني الوسطي إلى الشباب المعرض إلى بضاعة تروج عبر 450 قناة تلفزيونية، وآلاف المواقع الإلكترونية، وملايير الدقائق المسجلة على اليوتيوب آتية من الأجزاء الميتة في الجسم العربي والإسلامي.
الصراع حول منابر المساجد ليس جديدا، فقد كانت هذه الأخيرة المجال الأكثر حيوية لتصريف الصراعات السياسية، وقياس المشروعات الدينية وغير الدينية، وأداة للتعبير عن ميزان القوى. يحكي المستشار الملكي الراحل، عبد الهادي بوطالب، أن «الملك الراحل الحسن الثاني رفض دعوة لرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد، لصلاة الجمعة في مسجد الأمويين في دمشق، بمناسبة انعقاد إحدى القمم العربية، وقال لمضيفه إن الحسن الثاني لا يصلي في مسجد كان يلعن فيه أجداده من آل البيت لمدة قرن»، في إشارة إلى سب الأمويين لعلي بن أبي طالب وأبنائه من بعده، بعد الحرب التي جرت بين معاوية وعلي ومن جاء بعدهما.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

السمّاك بن خرشة منذ 5 سنوات

هؤلاء الذين ٱحتجوا في المسجد كان أولى بهم الإحتجاج في مقر وزارة الاوقاف. وأن المساجد لله

طالب من تاوريرت منذ 5 سنوات

ليست المرة الاولى التي يضرب فيها المصلون عن صلاة الجمعة كما تقدمت بل حصل ذلك عدة مرات لكن التغطية الصحفية آنذاك كانت ضعيفة ان لم اقل منعدمة و أحيلك على مثال النهاري بوجدة و خالد العمري بتاوريرت .

مصطفي فاس منذ 5 سنوات

هناك خلط لديك في المقال، الخطيب ابياط لم يربط حرائق اسرائيل بمنع الاذان فهو اعتبرها من السذاجة،. المرجوا تحري المصداقية اثناء الكتابة

مواطن مغربي منذ 5 سنوات

انا دائما اقول لك موفق في جميع تحليلاتك القيمة الا مرة واحد لا اتذكر موضوعها وهذه المرة اقولها غير موفق الى حد كبير لان نقاش هذه المواضيع يتطلب فقها دينيا وليس تحليل رجل مثقف سياسيا وفكريا وو مع احتراماتي خصوصا عندما قلت "ولا يتجهوا إلى استيراد نموذج التدين الوهابي أو السلفي الجهادي أو الإخواني، أو غيرها من أنماط التدين الغريبة عن بيئتنا وعن خصوصية بلاد متعددة الأديان والأعراق واللغات، والقريبة 12 كيلومترا من أوربا." يااستاذي العزيز نحن في ديننا لايهم اي فصيل تسمى ولكن اذا كنت وهابيا سلفيا اواخوانيا لايهم ولكن واتيتني بحديث صحيح فسوف اطبقه ولو كنت في وسط ميانمار وليس فقط قريب من اوروبا هذا هو ديننا الحديث الصحيح وليس هناك خصوصية في بلاد مسلم واذا كانت خصوصية فسوف تكون من ذلك الخاص وبالتالي فهو من يجب ان يحترم ديني وليس انا من يجب ان يتميع لافكاره مع خاص احتراماتي

hassan منذ 5 سنوات

عن أي مجتمع متعدد الأعراق يتكلم الكاتب. حسب علمي نحن مجتمع مسلم كامل و لا تتواجد به سوى أقلية مجهرية من اليهود لا تتجاوز 0.001 من عدد السكان و ليس بيننا غيرهم من أديان و مذهبنا واحد المذهب المالكي. هويتنا واحدة سيد توفيق فلا داعي لتعقيدها. و بالنسبة لكلامك عن استيراد مدارس فكرية إسلامية و اعتبارها غريبة فهذا كلام إقصائي و يحجر على العقول خصوصا بالنسبة لتيارات فكرية إصلاحية و وسطية كتيار الإخوان المسلمين الذي يشبه لحد كبير الهوى الديني لدى المغاربة. الليبرالية حتى هو مذهب غريب و لكن رغم ذلك تدعي أنك ليبرالي فهل هذا عيب؟

أحمد حيدة منذ 5 سنوات

هذا مقال تحريضي على الدين وعلى العلماء والأئمة..!! فاللهم لا حسد وتمكرون ويمكر الله...

yahya منذ 5 سنوات

تحية طيبة أستاذ بوعشرين ..احييك على التنبيه للانخراط في النقاش حول مخرجت هيكلة الحقل الديني ..واسهامك فيه بهذه الافتتاحية ودعوة الوزير للمغادرة ..فقط الخطيب المذكور لم يقم بالربط بين حرائق "اسرائيل" ومنع الاذان ..هو رفض هاته القراءة لانها تغذي الوعي الديني الساذج ..سانشر لك خطبته تلك هنا ..كما ان منعه تم بسبب خطبة عيد الاستقلال ..

alhaaiche منذ 5 سنوات

صاحب رواية «جارات أبي موسى» N'est qu'un outil parmi d'autres outils du Makhzen, pour cloner les citoyens a partir d'un model crée et certifié - Sujet 0001.V6