اللعب والتلاعب بالسياسة

12/01/2017 - 12:28
اللعب والتلاعب بالسياسة

حكى لي مولاي إسماعيل العلوي، الأمين العام السابق لحزب التقدم والاشتراكية، أنه عندما كان عمره ثماني سنوات، زار الأمير مولاي الحسن (الحسن الثاني) وشقيقاته الأميرات دار جدَّيه في مدينة الجديدة، فحضَّر جدُّه لأمه الحاج عمر الخطيب (والد عبدالكريم الخطيب) كلمة ترحيب بالأمراء، كلفه بقراءتها، ولإقناعه بذلك أغراهُ بحفنة جوز مُحلى بالسكر، فنجحت الصفقة وتلا الطفل مولاي إسماعيل الكلمة الترحيبية. وبعد السلام على الأميرات « بدأن يسألننا، أنا وإخوتي، قائلات: أنت من آشمن حزب، فنرد عليهن: أنا حزبي مخزز »، أي أنتمي إلى الحزب الوطني، حزب الاستقلال، وليس إلى الحركة القومية، حزب الشورى والاستقلال.

كان مولاي إسماعيل يحكي لي هذا الفصل المدهش من حياته وحياة الوطنية في المغرب، وأنا أفكر أن السياسة كانت لَعِبا يتسلى به الأطفال، ويتحمس له المراهقون، ويمارسه الشباب، ويبتعد عنه الشيوخ.

كان عبدالرحيم بوعبيد واحدا من أبرز مهندسي وثيقة المطالبة بالاستقلال لـ11 يناير 1944، وأصغرَ موقع عليها، إذ لم يكن عمره آنذاك يتجاوز 22 ربيعا. ولم يكن دينامو حزب الاستقلال، المهدي بنبركة، يكبره سوى بسنتين. أما عبدالهادي بوطالب الذي سيقدم، بعد يومين من ذلك، وثيقة 13 يناير الخاصة بالحركة القومية (حزب الشورى)، فكان أصغر منهما معا. وحول هؤلاء الثلاثة وغيرهم تحلّق آلاف التلاميذ والأطفال الذين حملوا وعيا وطنيا وهمًّا سياسيا مبكرا، فكبروا بين المناشير والمخاطر منذ مايو 1930، تاريخ انبثاق الحركة الوطنية، إلى مارس 1965 عندما أعلن نظام الحسن الثاني حدّا للعب بالسياسة، بجدٍّ قاتل، واجهَ به تلاميذ عُزّل خرجوا يحتجون سلميا على قرار متعسف ليوسف بلعباس، وزير التعليم آنذاك، فسقط المئات منهم في شوارع البيضاء، تم شحنهم في الشاحنات فالمقابر الجماعية. يومها علق الحسن الثاني العمل بالدستور وحلَّ البرلمان، ثم أعلن حالة الاستثناء. وفي 29 أكتوبر من السنة نفسها سيختطف جنرالُه الدموي محمد أوفقير، أستاذَه المهدي بنبركة ويقتله بدم بارد بباريس. من يومها شاخت السياسة، وأصبحت ممارستها، اجتماعيا، ضربا من الخفة: « واش المغاربة رجعو خفاف، رجعتو دراري؟ » هكذا خاطب الحسن الثاني المغاربة عقب انتفاضة 1984 التي وصفها بانتفاضة « الأوباش ».

منذ مارس 1965 صودرت أحلام الشبيبة المغربية في السياسية التي أصبحت أمرا جديا لا يحق للشباب تجريبه والخطأ فيه، وقد ظهر ذلك جديا في بداية السبعينيات عندما حكم النظام على عشرات الطلبة والمهندسين والمثقفين، الماركسيين، الذين لم يكونوا يحملون سوى آلة « الستانسيل » وبعض الأفكار، بالإعدام والسجن المؤبد. يومها أدخل الشباب السياسة إلى الجامعة، ورفعوا شعارهم التالي: « لكل نضال جماهيري صداه في الجامعة »، فبقي الصدى يخفت ويخبو إلى أن صمت أو يكاد.

في فبراير 2011، عاد الشباب إلى الشارع عبرَ حركة شبهها البعض بتلك التي أشعلت شوارع فرنسا في مايو 1968، والتي رفعت شعارات من قبيل: « Cours, camarade, le vieux monde est derrière toi » (أسرع يا رفيق، فالعالم القديم خلفك) أو « Tu as 25 ans mais ton syndicat est de l’autre siècle » (عمرك 25 سنة، ونقابتك تنتمي إلى القرن الماضي) واشرأب الأمل في عودة الشباب إلى السياسة، ودحر الشيوخ من احتكار الشأن العام.

بالموازاة مع حركة 20 فبراير في المغرب، انطلقت حركة « الغاضبين » (Indignados) في إسبانيا. انتهى الغاضبون في حزب « بوديموس » الذي خلخل البنية الحزبية التقليدية في إسبانيا ووصل شبابه بلحاهم وشعورهم الطويلة إلى البرلمانات والمجالس. وانتهت حركة 20 فبراير دون أن تخلف ولو وثيقة مرجعية مهمة، مثلما قال عبدالله العروي.

بقي الشيوخ يتلاعبون بالسياسة، فيما الشباب يرددون مع محمود درويش: « نفعل ما يفعلُ السجناءُ، وما يفعلُ العاطلونَ عنِ العمَل: نُرَبِّي الأمَل ».

شارك المقال