رأي على ضوء ما حدث في سبتة

بقدر الأسى الذي أصاب المغاربة الأوفياء، انتشى أعداء المملكة الشريفة من داخل البلاد وخارجها عندما رأوا جحافل المغاربة وغالبيتهم من المراهقين والأطفال تظهر على القنوات التلفزية والتواصلية عبر العالم، انتشوا وهم يشاهدون الارتباك يسود موقف سلطات الاحتلال الإسباني، وفشلها في استيعاب الموقف وفي محاولة تصريف الأمواج البشرية العاتية التي زحفت على سبتة المحتلة، ولقد تفننوا في التقاط مظاهر البؤس والفقر، واجتهد معهم المستعمر في التقاط صور يستجدي بها الأموال من داعميه الأوربيين، أو يبتزهم بها بحسب الأحوال والظروف.

لقد حاولوا ربط الحدث بالفقر وتدني الأوضاع الاجتماعية للمبادرين إلى الهجرة عبر المدينة السليبة، وحاولوا عبثا التشكيك في مصداقية الخطاب الرسمي للدولة، وإظهار مؤسساتها بالعاجزة عن ضبط الحدود، وتأمينها.

حاولوا شيطنة المغرب وإظهار إسبانيا بمظهر الضحية، بينما الحال أنها الدولة الاستعمارية التي لا زالت ترفض التخلي، وتستميت في الاحتفاظ بثغور وصخور لا تجني منها إلا استعمالها في ابتزاز المملكة.

ورغم المشاهد التي ركز عليها أعداء المملكة، فإن ثمة صور لا بد من الوقوف عندها، وذلك للدلالة التي تحملها، ولأهميتها في توضيح المشهد بأكمله.

أولى هذه الصور، أن أحد مصادر قوة المملكة وقدرتها تكمن في مواطنيها وبنية ساكنتها الشابة. السلطات الاستعمارية الإسبانية على دراية بأهمية هذه القوة، وقد خبرتها خلال فترات تاريخيّة متعددة، منذ فتح الأندلس إلى المسيرة الخضراء المظفرة، وقبلها عرف الإسبان المغاربة من خلال ملاحم عديدة من ضمنها ملحمة أنوال.

لقد شوهد ضمن الفئات الشابة الزاحفة على الثغر المحتل، فئات تحمل ملامح الكدح والفقر، وإلى جانبها تواجدت فئات من الشباب والشابات تظهر عليها ملامح اليسر وتنحدر من طبقات متوسطة وغنية، بل ولقد اثبتت بعض الأمثلة أن من بين من كانوا ضمنها من حصلوا فعلا على تأشيرة الدخول إلى التراب الإسباني، لكنهم تعمدوا إخفاءها لغاية قانونية، وهذا يثبت المبدأ العام للهجرة عبر العالم، باعتبار أن الأدبيات الدولية المعاصرة في مجال الهجرة والتنمية تجاوزت منذ سنوات الفرضية التقليدية التي تجعل الفقر السبب الوحيد للهجرة، وبينت أن العلاقة بين التنمية والهجرة علاقة مركبة وليست خطية؛ إذ غالبا ما تؤدي المراحل الأولى من التنمية إلى ارتفاع معدلات الهجرة وليس إلى انخفاضها، لأن تحسن مستويات التعليم، واتساع دائرة الوصول إلى المعلومة، وارتفاع سقف التطلعات، كلها عوامل تمنح الأفراد القدرة على التفكير في الهجرة. ولذلك فإن عددا مهما من المهاجرين لا ينتمون إلى الفئات المهاجرة بسبب الفقر، بل إلى فئات تنحدر من الطبقات المتوسطة والغنية التي تملك من الموارد المادية والبشرية ما يسمح لها بتحمل تكاليف الانتقال والبحث عن فرص جديدة. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة أحداث الهجرة الجماعية بمنظار الفقر وحده تختزل الظاهرة وتغفل أبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية، كما تتجاهل أثر شبكات التواصل الاجتماعي، وصناعة الصورة الذهنية عن “الفردوس الأوروبي”، وتأثير الجماعة في اتخاذ القرار، وهي عوامل أصبحت اليوم من أهم محددات الحركات البشرية عبر العالم.

إن ما يدعم فكرة عدم ارتباط الهجرة بالفقر، أن من بين أصناف الهجرة التي يعاني منها المغرب نجد ما يعرف بهجرة الأدمغة، وهذه لا تصنف إطلاقا ضمن هجرة الفقر، فالأمر يتعلق بالآلاف من خريجي الكليات والمعاهد الجامعية بينهم الأطباء والمهندسون والكفاءات العلمية المختلفة، والأعداد الهائلة من اليد العاملة المؤهلة والحرفيين، الذين يختارون الهجرة، لا لعوز وفاقة، بل لرغبة في التغيير والتجديد، ولطموحات ذاتية، فلا يمكن لأحد أن يقنع بادعائه أن الأطباء يهاجرون بسبب الفقر وغياب فرص الشغل، وكذلك شأن اليد العاملة والحرفية المؤهلة.

ثاني الصور أن المغاربة يقاربون الخمسين في المئة من سكان سبتة، لقد كان من شأن الزحف الأخير أن يرفع نسبتهم من مجموع السكان إلى ما يفوق الثلاثة أرباع، وبالنسبة للسلطات الاستعمارية الإسبانية من شأن ذلك أن يغير هوية المدينة من خلال المساس بإحدى الأسس التي تقوم عليها وهي البنية السكانية، خصوصاً عندما تكون الهوية المذكورة تقوم عليها كأساس يتيم تحرص على تكريسه، في الوقت الذي تفقد فيه الأسس الأخرى ومن بينها الأرض والجغرافيا، فسبتة ليست امتدادًا لأوروبا، إنها جزء لا يتجزأ من تراب المملكة المغربية الواقعة جغرافيا في القارة الأفريقية؛

ثالث الصور، هي صور العودة، حيث تعرضت الصحافة العالمية لشباب وشابات مغاربة عبروا عن مفاجأتهم مما رأوه في سبتة السليبة، عبروا بطلاقة على أنهم كانوا يحلمون بجنة اخرى، وأنهم لم يجدوا شيئا مما حلموا به، فلم يلقوا من الترحيب الذي وعدوا به إلا ردود الفعل العنصرية المستشرية بين أفراد المجتمع الأسباني، ولم يجدوا من الرعاية إلا ما جادت به بعض الأسر المغربية السبتوية من مظاهر الحفاوة وكرم المغاربة، بل ولم يشاهدوا في الأفق إلا أخبارا عن بدء تفعيل الأولوية الوطنية في الاستفادة من الخدمات العمومية؛ لقد أجمعوا على ان سبتة التي كانوا يحلمون بها ليست هي التي دخلوها، فاستيقظوا من تأثير الدعاية المروجة لجنة أوروبا على واقعها المزري ومستقبلها الغامض؛

رابع الصور، تلك المشاهد التي أريد من متآمرين أن يقللوا من شأنها، صور الاحتفال بذكرى عزيزة على قلوب المغاربة، خلدها المغاربة كبارا وصغارا، إناثا وذكورا، في كل ربوع المملكة في شمالها وجنوبها ووسطها؛ صور هجرة من نوع آخر، هجرة نحو مستقر جلالة الملك في مدينة المضيق، حيث توافد الجميع للتبرك بالطلعة البهية، طلعة جلالة الملك؛ الذي أعلن عبر خطابه بالمناسبة أنه لا يهدأ له بال ولا يفرح بالتنمية وبالمنجزات التي تحققت إلا وقد انعكست على حياة المواطنات والمواطنين، جلالته الذي لا يكل من بث الإحساس بالثقة في مستقبل البلاد وقدرتها ملكا وشعبا على رفع التحديات؛

خامس الصور، تلك التي أظهرت التناقض في مواقف بعض الجوار، ففي الوقت الذي ادعى لعشرات السنين مساندة الشعوب في التحرر ظهر أخيرا بمظهر الداعم للاستعمار الإسباني؛ إسبانيا نفسها أظهرت نفسها في موقفين متناقضين، الأول تدعي فيه مساندة فلسطين وأوكرانيا، وفي الآخر تمارس أشد التجارب الاستعمارية في سبتة ومليلية وباقي الثغور المغربية، بل والأدهى أنها مازالت تناور ضد الوحدة الترابية للمملكة ولا تجد غضاضة في التخفي وراء بعض كراكيزها السياسية لتشجيع الانفصال، في الوقت الذي استعدت لقمع استقلال كاتالونيا بالحديد والنار.

سادس الصور تلك التي تعكس انشغال الأربعين مليون مغربي بأمورهم الحياتية العادية، بينهم من اختار لنفسه شاطئا من شطآن المملكة الممتدة على واجهتين بحريتين طويلتين، وبينهم من يحيي مراسم الزواج أو بصدد اختيار مساره الجامعي الذي يناسبه، وبينهم من يتم عمله في انتظار حلول موعد عطلته الصيفية، وبينهم من هم بصدد إنشاء مقاولته أو بناء مسكنه، وجميعهم ينتقلون بين المدن والقرى، على طرقات سريعة وسيارة، أو على متن قطارات أو طائرات، وينتقلون في المدن والقرى بين الأسواق والمرافق العمومية، يقضون من تيسر من حاجياتهم، في انتظار دخول مدرسي واجتماعي وسياسي يشتغل فيه الشعب المغربي كافة بجميع طاقاته وإمكانياته الشابة والكفؤة، فصدقت الحكمة التي لاحظت أن القافلة تواصل سيرها رغم نباح الكلاب.

لذلك فمن يتصور المغرب كبناية قريبة من السقوط عليه أن يعيد النظر في خلفياته الخبيثة، ويعلم أن الملك والشعب، صنعوا تاريخ هذه الأمة ومجدها، وبهذا التلاحم الممتد عبر التاريخ جعلوها من أقدم الممالك على وجه الكرة الأرضية.

 

 

شارك المقال