إفريقيا بيتنا

01 فبراير 2017 - 17:00

في خطاب تاريخي مليء بالعواطف والمشاعر، خاطب الملك محمد السادس أشقاءه الأفارقة من منصة القمة الـ28 للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا، معلنا عودته إلى البيت بعد طول غياب، وسعادته بهذه العودة إلى حضن العائلة التي لم ينسها، ولم يقطع العلاقات معها طوال 33 سنة من مغادرة البيت، ثم صعد من نبرة المشاعر الجياشة، وقال للرؤساء والقادة الأفارقة: «لقد اشتقت إليكم»، فردوا بلا تردد بعاصفة من التصفيق، عنوانا لرد التحية بمثلها.
هكذا أنهى الملك محمد السادس مهمة إرجاع بلاده إلى كرسيها في الاتحاد الإفريقي بنجاح، وقفز بلياقة فوق كل الحواجز التي وضعتها، للأسف، الشقيقة الجزائر ودولة جنوب إفريقيا ومن يدور في فلكهما… سنة كاملة من التحركات الدبلوماسية المكثفة، واللقاءات المباشرة مع زعماء دول لم يزرها أي ملك من ملوك الأسرة العلوية من قبل. كل هذا انتهى بدخول المغرب من الباب الكبير إلى البيت الإفريقي… وبداية صفحة جديدة مع الاتحاد الإفريقي، الذي جرح المغرب بقبول عضوية جمهورية الصحراء المعلنة في الجزائر من طرف واحد… كم كان الخطاب الملكي ذكيا عندما تجاهل هذا الجرح، ولم يشر إليه إطلاقا وكأنه لا يوجد، وهذا ما يعطي مؤشرا قويا على أن العودة إلى البيت الإفريقي ليست، فقط، تكتيكا لمحاصرة البوليساريو، وتضييق مساحة الحركة أمام الجزائر في إفريقيا، بل إن عودة الرباط إلى البيت الإفريقي مشروع رؤية دبلوماسية أوسع وأعمق، هدفها إعادة الانتشار في إفريقيا، والبحث عن شراكات يربح منها الجميع في عالم لا يعترف إلا بالتكتلات الاقتصادية الكبيرة، ولا يسمع إلا صوت الاتحادات.
ثلاثة عوامل وراء هذا النجاح الدبلوماسي الذي حقه المغرب في أديس أبابا؛ أولا هناك الدبلوماسية الملكية التي تمتلك رؤية واضحة للدور الذي يمكن أن يلعبه المغرب في إفريقيا، ليس فقط للدفاع عن ملف الصحراء، ولكن كذلك لنسج علاقات دبلوماسية ثلاثية الأبعاد، اقتصادية وأمنية ودينية ثقافية، وهكذا في ظرف عشر سنوات صارت المملكة الشريفة ثاني مستثمر في إفريقيا، ووقعت أكثر من 950 اتفاقية مع 44 دولة إفريقية، علاوة على استقبال المهاجرين الأفارقة بكل أريحية في المغرب، ولعب دور الوساطة لتسوية أكثر من نزاع في القارة السمراء، وتبادل الخبرات مع الأشقاء في أكثر من مجال حيوي، وفوق هذا الانضمام إلى الشعار الذي يقول: «إفريقيا للأفارقة»… هذه الرؤية المدعومة بدينامية الجالس على العرش، وميله إلى العمل الميداني، ومتابعة الملفات، أعطت الدبلوماسية المغربية فعالية ونجاعة غير معروفتين عنها.
العامل الثاني الذي ساعد المغرب في اختراق المجال الإفريقي، والعودة إلى مقعده في الاتحاد، ولعب دور نشيط في القارة السمراء، هو الضعف الذي لحق الجزائر في العشر سنوات الماضية، وانكفاؤها على مشاكلها الداخلية، بما في ذلك مرض الرئيس وغياب بديل عنه، ونزول أسعار الغاز والنفط، وبروز صراعات داخلية على السلطة، وعلاوة على كل هذا، تفكك التحالف الثلاثي الذي كان يتشكل من الجزائر وجنوب إفريقيا ونيجيريا. هذا الثلاثي خرجت منه الأخيرة بكل وزنها الديمغرافي والدبلوماسي، وهو ما جعل العديد من الدول تتحرر من الضغط الذي كانت هذه الدول تمارسه عليها تجاه الملف المغربي.
أما العامل الثالث الذي ساعد المغرب على الرجوع إلى البيت الإفريقي، فهو تغير المناخ الجيو-سياسي في إفريقيا بسبب ظهور جيل جديد من القادة الأفارقة متحرر، نسبيا، من ثقافة الشعارات الكلاسيكية عن دعم «حركات التحرر»، والانحياز إلى الأنظمة الثورية، وتقسيم القارة إلى كتلة تابعة للشرق وأخرى تابعة للغرب. القادة الجدد جلهم صعدوا إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، وجلهم يسعون إلى تحقيق التنمية لبلادهم، والبحث عن شراكات مفيدة اقتصاديا وسياسيا خارج التموقعات الإيديولوجية القديمة. هذا المناخ ضيق رقعة الحركة أمام الجزائر، التي انحسر نفوذ دبلوماسيتها، وقلت حقائب دولاراتها لبعض الزعماء لتشجيع أطروحة انفصال الصحراء عن المغرب.
كل هذه العوامل جعلت ميزان القوى الإقليمي يميل لصالح المغرب ضد الجزائر وحلفائها في إفريقيا، وهذا ما بدا واضحا يوم الثلاثاء، حيث اعتلى محمد السادس منصة القمة الإفريقية ساعات بعد قبول عضوية بلاده، وخاطب الأفارقة قائلا: «يمكنكم أن تعولوا على المغرب، الذي لا يسعى إلى الزعامة في إفريقيا كما يقول البعض. المغرب يسعى إلى أن تكون إفريقيا هي الزعيمة»… انتهى الكلام وبدأ العمل.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بوزيان منذ 4 سنوات

تحليل عميق و علمي،دامت الصحافة الملتزمة بقضايا الأمة و همومها و آمالها و آلامها، و دمت سي بوعشرين قلما ناطقا بالحق مصدرا للمعرفة الموضوعية، و زادك الله تألقا

Med منذ 4 سنوات

لمذا لا تكنّون كل هذا الحقد على المستعمر الإسباني الذي يعامل المغاربة مثل الحيوانات عند باب مليلية المغربية ؟!!!!!

safwane منذ 4 سنوات

الجزائر لم تكن ضد رجوع المغرب و حسب علمي صوتت بالامتناع الذي يختلف جوهريا عن ضد.ثم إن البوليساريو نفسه رحب بعودة المغرب حسب ما تناقلته وكالات الأنباء ..و هذا مؤشر إيجابي لصالح المنطقة و صالح إفريقيا المشكل المطروح سواء في إفريقيا أو المغرب العربي هو أن يتعلم الحكام كيفية تدبير الخلافات حبيا و بالديبلوماسية و بالتحلي بالصبر و عدم المزايدات في شراء الأسلحة التي لن تستعمل إلا ضد شعوبهم ،هذه الشعوب ما أحوجها لو صرفت أموال الأسلحة في التعليم و الصحة .. و بالمناسبة فإن حكام الجزائر و المغرب أظهروا لحد الآن نضجا كبيرا في تعاطيهم مع الخلافات و ربما ذلك يعود إلى تشبعهم بقيم العقلانية و لو كانت لديهم عقلية شرقية لكان الخراب عم المنطقة بأكملها و لاختلطت الحدود دون أن يعرف أحد أين تبتدئ و أين تنتهي.. يجب على المغرب أن يمد يده إلى الجزائر و على الجزائر أن تمد يدها إلى المغرب و أن تفتح الحدود ،و لا أحد يرغب في أن تقوم أية حرب في المنطقة مهما كان السبب.فالدبلوماسية و التنازلات المتبادلة هي الكفيلة بإيجاد الحلول ، كما على الأبواق الشوفينية أن تغلق فمها و على الأقلام المتعصبة أن تتوقف عن إثارة العصبيات الفارغة و نشر الأحقاد بناء على إملاءات مؤدى عنها أو حالة أمراض نفسية.. فحذار من الحروب فلا تنتظروا حتى تجربوها لتندموا فقد جربتها أمم من قبل و ندمت

حفيظ بنعكي منذ 4 سنوات

أن تستغرق كل هذا الوقت وهذا الجهد أمام خصم يصارع الموت فهذا يعني أنك ضعيف جدا، لا لتغطيت الشمس بالغربال؛ المصفقون كثر ولاحاجة لأن ينضاف إليهم بوعشرين

التالي