مقال رأي تحليلي / رقية المصدق، أستاذة بجامعة محمد الخامس- الرباط
هل يمكن أن نستوعب هذا السؤال، الذي قد يبدو مبهما خصوصا عندما نقف عنده لأول وهلة، دون أن نستحضر علاقة الملكية بالمجال الحزبي؟ وهل يمكن أن نستوعب علاقتها تلك بالمجال الحزبي دون أن ندرك كيف أن الأشواط التي قطعتها إلى أن استقرت على ما هي عليه الآن لا تخلو من مستجدات تجعل الهشاشة تتخلل هذا الاستقرار، ما يفرض على الملكية إعادة ترتيب الأوراق التي تضبط هذه العلاقة؟ لذلك فالتساؤل فيما إذا استنفدت مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية مهامها يفرض آخر أنزع إلى صياغته كالتالي: هل نحن في مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الملكية علاقتها بالمجال الحزبي؟
إن تساؤلنا في ما إذا استنفدت مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية مهامها يعد معبرا عن نهاية شوط تم قطعه في علاقة الملكية بأحزاب الحركة الوطنية إلى أن استقرت على ما هي عليه الآن، وبدايات شوط تتحكم فيه إعادة ترتيب علاقتها بالمجال الحزبي بصفة عامة، انطلاقا من إعادة ترتيب علاقتها بحزب العدالة والتنمية. إنها نهاية شوط عرف في بدايات الألفية الثالثة انتصار مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية -التي تعني في آن واحد الأغلبية النسبية لكل حزب على حدة ولكل مكوناتها- في مواجهة مراهنة أحزاب الحركة الوطنية على الأغلبية المطلقة؛ هذه الأحزاب التي كانت ترى في نفسها القوة القادرة على التناوب لو كانت الانتخابات نزيهة.
إنها بدايات شوط جديد شكل فيه المد التصاعدي للرصيد الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، الذي أسفرت عنه نتائج الانتخابات التشريعية المباشرة، مستجدا لن تظل فيه مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية مستقرة في الحدود المرسومة لها.
إنها باتت مهددة بكونها لم تعد نهاية المطاف بل بداية مسلسل من الممكن أن يجعل فرضية «الاكتساح»، كما تم الحديث عنها في بدايات الألفية الثالثة عندما بدأت مشاركته الانتخابية تتقدم، محققة. وحتى وإن كانت ثمة مبالغة في هذا الاعتبار، فثمة إشكال يظل مطروحا يتمثل في ما إذا أصبحت مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية في تدبير علاقتها بالمجال الحزبي مهددة -وإن كان هذا التهديد لا يندرج على المدى القصير- بمراهنة أكبر من هذا الحجم. لذا يقتضي الأمر، بالنسبة إليها، استباق ما يمكن أن تؤول إليه هذه الفرضية حتى لا تصبح مراهنة كهذه على الأغلبية النسبية متجاوزة.
وحتى أوضح الشوط الذي تم قطعه في علاقة الملكية بأحزاب الحركة الوطنية، أقول إنه يعود بنا إلى سنوات الثمانينات والتسعينات، خاصة أن مشاركة أحزاب كهذه في المسلسلات الانتخابية أصبحت تنحو تدريجيا إلى أن تصبح مؤكدة، وترافقت ممارستها السياسية مع صراع مرير -لم يتسن لها أن تقطف ثماره- من أجل تحقيق شروط النزاهة الانتخابية، في حين أن مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية، التي سارت جنبا إلى جنب مع إسهامها في تغلغل هذه الأحزاب في التشرذم، كانت تبدو بمثابة الورقة التي كانت تشكل رد فعلها إزاء ذلك وذلك درءا لحجم تطلعها -أعني تطلع أحزاب الحركة الوطنية- المتمثل في المراهنة على الأغلبية المطلقة، حيث كانت تتمثل فوزها مجتمعة، أي بكل مكوناتها، بالأغلبية المطلقة، إذا ما كانت الانتخابات نزيهة، من قبيل الحتميات.
بالفعل، إن حتمية فوز أحزاب الحركة الوطنية بكل مكوناتها بالأغلبية المطلقة، إذا ما تحققت شروط النزاهة الانتخابية، كانت بمثابة فرضية، إذ كانت تعبر عن تطلع لم يكن من قبيل الأوهام، بل كانت له مبرراته الموضوعية. إن هذه المبررات لا تفتأ تذكرنا أساسا بآمال بعثها تأسيس الكتلة الديمقراطية في بدايات التسعينات، والظاهرة الفريدة المتمثلة في المرشح المشترك بين حزبي الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال في الانتخابات التشريعية المباشرة (يونيو 1993). فرغم ضراوة «أم الوزارات»، أقصد وزارة الداخلية كما كانت تنعت آنذاك، وهي تدبر الشأن الانتخابي، إزاء مطلب النزاهة الانتخابية وتحقيق شروطها، فإن النتائج التي عرفتها هذه الانتخابات كانت معبرة عن أن الأغلبية المطلقة، ولو لم تتحقق، فإنها لم تكن بعيدة المنال. وحتى المبادرة الملكية الأولى بتناوب خارج صناديق الاقتراع، كحل للخروج من مأزق الاختلالات العميقة التي عرفتها الانتخابات التشريعية غير المباشرة بتاريخ 17 شتنبر 1993، وردود الفعل التي خلفتها نتائجها لدى أحزاب الحركة الوطنية، كانت تحمل في طياتها ما يشبه اعترافا بواقع لم يتبدد بعد آنذاك. إن ذلك «الاعتراف»، كما وجد تعبيره في تأكيد أن التناوب هو بين كفتين، كفة الوفاق وكفة الكتلة الديمقراطية، كان في قلب مبادرة «التناوب» الملكية الأولى، والتي، بالرغم من حدودها المتمثلة في احتفاظ الملك بتعيين الوزير الأول و«وزراء السيادة»، نجد فيها اعتبارا صريحا لوزن أحزاب الحركة الوطنية من الناحية «الكمية والكيفية» يؤهلها -حسبه- لمهمة كالتي تم اقتراحها من طرف الملك، وذلك حسب خطابه في تاريخ 5 نونبر 1993، الذي أحاطنا علما بما آلت إليه هذه المبادرة الملكية الأولى.
إن مبادرة التناوب الملكية الأولى، التي كانت خارج صناديق الاقتراع، بالرغم من حدودها، سرعان ما ستتآكل سنة بعد ذلك لتحل محلها مبادرة التناوب الملكية الثانية، ودائما خارج صناديق الاقتراع، في اتجاه الأحزاب نفسها؛ أحزاب الحركة الوطنية. فاعتبارات الكم والكيف، التي سبق التعبير عنها سنة من قبل، والتي توحي باعتراف ملكي، ولو لم يعلن بصفة صريحة، بأن أحزاب الحركة الوطنية تعد القوة القادرة على تحقيق التناوب، وتبرر أهليتها لاحتلال كل الحقائب الوزارية، باستثناء التي ذكرناها، تلاشت. فرغم التقدم الملموس المتمثل في اقتراح الملك اختيار الوزير الأول من أحزاب الحركة الوطنية، ولكن مع استمرار احتفاظه بأحقيته في تعيين «وزراء السيادة»، كما في العرض الأول، فإن التراجع الملموس في الطرح الملكي يقوم على أن التناوب لا يتم بين قطبين بل بين ثلاثة أقطاب، الكتلة والوفاق والوسط، وهذا ما وجد تعبيره في اشتراطه أن تتحالف مع من تراه ملائما من الأحزاب الأخرى لتوفير أغلبية برلمانية مساندة للحكومة.
كل هذا يعني أن المراهنة على تشرذم أحزاب الحركة الوطنية كانت تسير جنبا إلى جنب مع تعويمها في الأحزاب الإدارية، وذلك تفاديا لشبح الأغلبية المطلقة الذي كانت تمثله. وبصرف النظر عما آلت إليه هذه مبادرة التناوب الملكية الثانية خارج صناديق الاقتراع، التي عرفت مقاومة الاحتفاظ بإدريس البصري وزيرا للداخلية، فإن حكومة عبد الرحمان اليوسفي، رغم أنها كانت مسبوقة بتعديل الدستور وبانتخابات تشريعية مباشرة وغير مباشرة (نونبر ودجنبر 1997)، كانت تشكل من حيث بنيتها السياسية تجسيدا لهذا الطرح الملكي الثاني لتناوب خارج صناديق الاقتراع.
وعلى الرغم من تعيين عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أول، فقد ظلت فكرة التناوب لصالح أحزاب الحركة الوطنية وحدها، والتي تقوم على أحقية هذه الأخيرة بالفوز بالأغلبية المطلقة، حاضرة لديها على امتداد الولاية التشريعية التي ستعرف نهايتها بعد انتخابات مجلس النواب لسنة 2002. من هنا اعتبرت «التناوب توافقيا»، على أساس أنه خطوة لتحقيق «التناوب الحقيقي» أو «التناوب الفعلي» أو «التناوب الديمقراطي»، وذلك وفق ما اصطلحت عليه في أدبياتها السياسية آنذاك، وبالمعنى الذي يفيد، أولا، بأنه سينبثق في أعينها عن صناديق الاقتراع، وثانيا بأن التناوب هو لصالح أحزاب الحركة الوطنية وحدها.
فاقت نتائج المراهنة على الأغلبية النسبية سواء بالنسبة لأحزاب الحركة الوطنية مجتمعة، أم بالنسبة لكل واحد منها، من جهة، وعلى تشرذم أحزاب الحركة الوطنية، من جهة أخرى، كل التوقعات، بما فيها توقعات الملكية. فامتداد المشاركة البرلمانية إلى المشاركة في المؤسسة الحكومية لم يكن ليعضدها بل أنهكها، ناهيك عن أن حكومة عبد الرحمان اليوسفي التي عرفناها سنة 1998 تشكلت عندما بدأ المد الوحدوي بين أحزاب الحركة الوطنية يتراجع إلى أن تهاوت تطلعاتها إلى الأغلبية المطلقة، عقب الانتخابات التشريعية المباشرة لسنة 2002، ليستقر التنازع بين المكونين الأساسيين لها حول من منها يملك الأغلبية النسبية لتشكيل الحكومة. إن هذا التنازع وجد تعبيره في خطاب المنهجية الديمقراطية، التي بدأت تتسلل إلى أدبياتها السياسية، والتي يتعين –حسبها- الاحتكام إليها لتعيين الوزير الأول، حيث لم تكن إلا تسليما بمراهنة كل منها على الأغلبية النسبية لتشكيل الحكومة. واتخذ تطبيع كل منهما مع الأحزاب الإدارية منعطفا آخر، إذ إن تحالف المكونين الأساسيين لها لدواعي توفير الأغلبية المطلقة داخل البرلمان، قبل تعيين إدريس جطو وزيرا أول، وجد مبرره المباشر -في أعينها- في أنها كلها أصبحت وطنية لأن الانتخابات كانت نزيهة! كل هذا كان حاسما في أفول مراهنة أحزاب الحركة الوطنية على الأغلبية المطلقة لعقود عدة، وانتصار مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية.
إن نتائج ومخلفات صراعات سياسية كهذه، وممارسة سياسية كالتي أفضت إلى اندحار أحزاب الحركة الوطنية وقبولها بأمر أصبح واقعا، هي التي تجعلنا ندرك الأبعاد التي عرفها التطبيع مع الأحزاب الإدارية خلال الولاية التشريعية السابقة، حيث وجدت تعبيرها في المذكرات المشتركة التي تواترت خلالها، وتأرجح المفاوضات الحالية من أجل تشكيل الحكومة بين إحياء الكتلة الديمقراطية وبين الركون إلى الأحزاب الإدارية، انتهاء بانتخاب رئيس مجلس النواب من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وإن أصابت مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية هدفها بالنسبة إلى أحزاب الحركة الوطنية، والمتمثل في استبعاد شبح الأغلبية المطلقة، فإن اغتناء الانخراط في الخط الانتخابي بـ«زبناء» جدد من «الصف الإسلامي» في النصف الثاني من التسعينات، بموازاة بدايات خفوت الهالة التي كانت تمثلها أحزاب الحركة الوطنية، والتي رافقت امتداد مشاركتها في الانتخابات إلى الحكومة، غدا محفوفا بجملة من الإشكالات. فتحقيق هدف مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية لمواجهة أحزاب الحركة الوطنية اتخذ أبعادا إلى درجة أنه يغيب عن أذهاننا أن المغرب قفز على مرحلة أساسية من تطوره السياسي والدستوري كان من الممكن أن يكون فيها التناوب لصالح أحزاب الحركة الوطنية وحدها. أكثر من ذلك، إننا نتساءل ف يما إذا طالت هذه الأبعاد الفكرة في حد ذاتها بالنزوع -بصفة واعية أو غير واعية- إلى تقليمها من الذاكرة السياسية، وهو ما يندرج في إعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية بالشكل الذي يغبنها. أليس النزوع إلى ذلك هو ما تنطوي عليه افتتاحية الاتحاد الاشتراكي بعد تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة، حيث كان عنوانها «التناوب الثاني»؟ هل كان يراد لنا أن ننسى كل الاحتياطات التي تم اتخاذها آنذاك من طرف أحزاب الحركة الوطنية، بما فيها الاتحاد الاشتراكي، لنصب المسافة بين ما يمثله تعيين عبد الرحمان اليوسفي وبين «التناوب الديمقراطي» أو «التناوب الحقيقي»؟
إن الورطة الحالية الناجمة عن الانسداد الذي يعرفه تشكيل الحكومة تبدو وكأنها ورطة رئيس الحكومة وحده، الذي لا ننكر أنه يتحمل فيها نصيبا لا يستهان به من المسؤولية، خصوصا طريقة تدبيره المفاوضات. بيد أنه يمكن القول إن الأمر كذلك ولكن فقط بصفة مباشرة، إن لم نقل في جوانبه المرئية. إنها ورطة تنطلق من كونها ورطة كل الفاعلين السياسيين لنستكين إلى أنها فوق كل ذلك متعددة الأبعاد. فمن دون شك أن مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية، التي تبدو وكأنها استنفدت مهامها، توجد في قلب هذه الأبعاد. بالفعل إن هذه المراهنة تطورت -سابقا- إلى أن أصبحت أداة طيعة موجهة أساسا لمقاومة نفوذ أحزاب الحركة الوطنية، وتحجيم قوتها إلى أن آلت إلى ما نعرفه الآن، ولم يبق منها إلا شعلة الأمل كما انبعثت من أجنحة اليسار الاشتراكي الموحد. بيد أنها -أقصد مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية- أصبحت تبدو وكأنها ستصبح عصية على التطويع في مواجهة نتائج الآلة الانتخابية التي أضحى يمثلها حزب العدالة والتنمية، إذ يشكل جناحه الدعوي، المتمثل في حركة التوحيد والإصلاح، الوجه الآخر لها. هذا الحزب الذي لم ينهكه امتداد مشاركته في الانتخابات -التي ابتدأت بصفة محتشمة إبان التسعينات لتتأكد مع الألفية الثالثة- إلى الحكومة، انطلاقا من رئاستها، أو ردود الفعل إزاء السياسة التي نهجها وهو في الموقع الحكومي، حيث أصبحت «نبوءة» التصويت العقابي في مهب الريح.
هل نحن، إذن، أمام انسداد آفاق المراهنة على الأغلبية النسبية كما توختها الملكية، حيث سلوك التطويع كان يؤتي أكله -ولو بعد صراعات مريرة- في مواجهة واقع متعدد المكونات، والمتمثل في أحزاب الحركة الوطنية؟ هل تبقى مواجهة الواقع متعدد المكونات أرحم من مكون واحد يؤهله موقعه لجني ثمار نضال غريب عنه دام عدة عقود من أجل إقرار النزاهة الانتخابية، حتى وإن كانت لا ترتقي حاليا إلى أن تكون مطلقة؟
قد نضع هذه الأسئلة جانبا على أساس أن الكل -أقصد كل الفاعلين السياسيين بما فيهم الملكية- يتساوى في مراهنته على الأغلبية النسبية. وقد نعتبر أن الورطة الناجمة عن الانسداد الذي يعرفه تشكيل الحكومة -بصرف النظر عن أبعادها السياسية- لها امتدادات دستورية، أو هي دستورية بالأساس، لأنها تجد أساسها في النص الدستوري الذي عكف على وضع بدائل في حال فشل رئيس الحكومة في عقد التحالفات الضرورية لتشكيل الحكومة. مما لا شك فيه أن تضمين مقترحات كالتي احتوتها مذكرة حزب الاستقلال كان من الممكن أن يملأ الفراغ، وكان وضع مشروع الدستور سيتأخر إلى أن تتم مناقشة جدوى تلك المقترحات، ومن ضمنها: «عدم تمكن الوزير الأول المكلف من تشكيل الحكومة في أجل أقصاه شهر يفسح المجال لتعيين آخر من الحزب الذي يليه (…)»
بيد أنه مهما كان من أمر كل التخمينات وجدواها، وحتى ولو عرفت الانتخابات فوز حزب آخر كالأصالة والمعاصرة، فربما كانت الإشكالات التي تطرحها مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية ستتراجع، لكن هذا التراجع لا يعني أنها لن تظل قائمة. إنها ستظل كذلك ولو بصيغة أخرى، وربما أن الأجوبة عن هذه التساؤلات يستلزم فتح نقاش مع العدالة والتنمية حول دلالات انخراطه في الخط الانتخابي. قد يتأتى ذلك بعد نهاية هذه «الزوبعة» الصامتة.