بشوارع برلين، فوجئت في العديد من المرات بهذه الأكشاك الصغيرة، وهي عبارة عن رفوف أو صناديق لهواتف عمومية قديمة قد تحولت إلى مكتبات صغيرة مليئة بالكتب. في البداية، لم أفهم كيف أتعامل مع هذه المسألة، وتساءلت عما إذا كان بمقدوري أن أشتري كتباً باللغتين الإنكليزية والعربية. ثم فجأةً شاهدت فتاة جاءت إلى نقطة القراءة تلك، ووضعت كتابين بداخل الخزانة وعادت لتركب سيارتها وتواصل طريقها.
في تلك اللحظة، أدركت أن هذا الكشك هو في الواقع عبارة عن مكتبة صغيرة، يقوم من خلالها الأشخاص بإقراض الكتب بعضهم لبعض دون مقابل، أي إنه ببساطة، مكان يستطيع فيه الأشخاص تسليم الكتب التي أنهوا قراءتها، بهدف منح الآخرين فرصة الاستمتاع بها أيضاً.
طوال حياتي، كنت دائماً أسمع شعارات مثل « القراءة للجميع »، ولكن فقط ومن خلال هذه المكتبات العمومية الموجودة في الشوارع، اقتنعت بأن هذا الشعار يمكن تطبيقه عملياً على أرض الواقع.
وفي يوم من الأيام، حين وقفت أشاهد الناس يدخلون إلى هذه المكتبة الصغيرة ويخرجون منها، تذكرت فجأةً الحنفيات العمومية الموجودة في الأحياء القديمة بدمشق. ففي أيام الحر الشديد، كنا نأتي إليها لشرب الماء، ويقوم كل شخص بعد الانتهاء من ذلك، بتعليق الكأس حتى يأتي شخص آخر ليروي عطشه.
في الحقيقة، مثّل مشهد هذه المكتبات فرصة جميلة لأتذكر وطني الأم، واسترجاع ذكرى تلك الحنفيات التي تعكس صورة جميلة وسط الدمار والحزن الذي يخيم على دمشق.
في الواقع، تربطنا -نحن العرب- علاقة خاصة بالقراءة شبيهة تماماً بعلاقة الأوروبيين برياضة التزلج على الجليد، وأعتقد أن هذا ليس سراً؛ إذ إننا ندرك تماماً أهمية القراءة، ولكننا لا نمارسها في الحقيقة. فهل تتذكر كم مرةً شاهدت فيها لاجئاً من دولة عربية يحمل كتاباً بين يديه؟ في القطارات والحافلات التي دائماً ما أستعملها، عادة ما أشاهد فقط الألمان والأوروبيين يغرقون في التهام الكتب.
المصدر : عربي تائه في المانيا