لم يكن اتهام نشطاء الحراك بالانفصال «الخطأ الوحيد للسلطة» في تدبيرها الحراك الشعبي المستمر منذ 7 أشهر، يقول نبيل الأندلسي، برلماني العدالة والتنمية بالإقليم، بل «يمكن الحديث عن ثلاثة أخطاء قاتلة» على الأقل.
حصل الخطأ الأول «عندما تدخلت قوات الأمن بالقوة لتفكيك اعتصام لنشطاء الحراك وسط ساحة محمد السادس»، يوم 5 يناير الماضي.
لجأ النشطاء إلى الاعتصام في ساحة محمد السادس ردّا على معرض للصناعة التقليدية رخصت له السلطة المحلية، واستمر ثلاثة أشهر، فيما كان يُقام خلال سنوات ماضية في ساحة أخرى، وخلال فصل الصيف، وليس في فصل الشتاء.
اجتمع، حسب مرتضى إعمراشا، حوالي 300 شخص من النشطاء، وقرروا تنظيم اعتصام، وفي أول ليلة لهم بساحة محمد السادس، وقع تدخل أمني لفك الاعتصام حوالي الساعة الـ12 ليلا، وتم الاعتداء على المحتجين دون أن يُعتقل أي واحد منهم.
الأندلسي أكد أن «التدخل الأمني حدث قبل أن تستكمل الإنذارات الثلاثة التي يوجهها رئيس الدائرة الأمنية المعنية بهذا الإجراء، وفي الوقت الذي بدأ المعتصمون في الانصراف. لقد كنت شاهدا يومها على ملاحقتهم في الشوارع والأزقة، وسبّهم وشتمهم، وضرب بعضهم دون الحاجة إلى كل ذلك».
كانت الاحتجاجات قد تراجعت، وبدأت الأوضاع تعود إلى طبيعتها، لكن «بسبب ذلك التدخل الأمني، استعاد الاحتجاج زخمه السابق الذي تميّز به قبل أربعينية محسن فكري»، يقول إعمراشا.
الخطأ الثاني، في رأي الأندلسي، وقع خلال مباراة شباب الحسيمة والوداد البيضاوي في مارس الماضي. من خلال معطيات خاصة حصلت عليها «أخبار اليوم»، حج إلى الحسيمة يومها نحو 5 آلاف من مشجعي فريق الوداد، وقام بعضهم باقتحام محلات تجارية، ما أدى إلى تشنجات انفجرت لاحقا بعد انتهاء المباراة.
وقع الخطأ -يقول الأندلسي- عندما «سمحت قوات الأمن لمشجعي الفريقين بالانسحاب في وقت متزامن، فيما المعمول به كان يقتضي أن يظل مشجعو الوداد داخل ملعب المباراة حوالي ساعة إلى ساعة ونصف، أي إلى حين أن ينصرف مشجعو فريق الحسيمة تماما من محيط الملعب، ثم تخصص حراسة أمنية كافية تصحب مشجعي فريق الوداد إلى خارج المدينة».
نتيجة التجاوزات التي تسبب فيها بعض مشجعي الوداد، والتي انتشرت بين مشجعي فريق شباب الحسيمة بسرعة لافتة، علاوة على الاحتجاجات التي تعرفها المدينة منذ وفاة محسن فكري، انفجرت مواجهات عنيفة، أصيب خلالها نحو 60 شخصا من الجانبين. وقد أسهمت بدورها في مزيد من الاحتقان، لأن جهات روّجت أن بعض الجهات أرادت أن تنتقم من نشطاء الحسيمة بطريقتها الخاصة.
أما الخطأ الثالث فقد حدث في إمزورن، حيث حدث تدخل أمني عنيف لتفريق تظاهرة تلاميذية، خرجت في ذكرى 23 مارس 1965، وهو التدخل الذي أدى إلى مواجهات عنيفة، أحرقت خلالها سيارات الأمن، علاوة على إقامة لرجال الأمن.
يرى الأندلسي أن هذه الأخطاء تستدعي «فتح تحقيق نزيه ومستقل لمعرفة هل كانت أخطاء إدارية عادية، أم كانت مقصودة بغاية تأجيج الاحتجاجات».
أدت التدخلات الأمنية إلى منح الاحتجاجات زخما أكبر، ودفعت المحتجين في الحسيمة إلى الخروج نحو البلدات المجاورة بهدف توسيع فعاليات الحراك نحو آفاق جديدة. وفي هذا السياق، ظهرت تنسيقيات محلية، مثل تنسيقية تماسينت.
من جهتها، أدركت السلطة متأخرة أن الوضع يتطلب تقييما مختلفا، فتتالت زيارات متواصلة للمسؤولين مركزيا في وزارة الداخلية، منهم وزير الداخلية السابق، محمد حصاد، الذي زار الحسيمة مرتين؛ الأولى لتعزية عائلة فكري ووالديه، والثانية من أجل تهدئة الوضع المحتقن، فيما قام الشرقي الضريس، الوزير المنتدب سابقا، بثلاث زيارات، وقام عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية الحالي، بزيارة واحدة، حتى الآن، مباشرة بعد تعيينه الملكي وقبل تنصيب الحكومة برلمانيا.
رفضت السلطات المحلية الحوار مع لجنة الإعلام والتواصل، التي تتزعم الحراك الشعبي في الريف، بحجة أنها لا تريد أن تمنحها شرعية تفتقر إليها، واختارت الحوار مع الأحزاب والنقابات والجمعيات القريبة من السلطة.
لكن هذا المنطق لم تعمل به السلطة خارج مدينة الحسيمة، إذ أقدم والي الجهة، محمد اليعقوبي، الذي بات مقيما في الحسيمة منذ نحو شهرين، على محاورة لجان محلية أخرى، مثل لجنة الحراك بالجماعة القروية تماسينت، في الوقت الذي يرفض الحوار مع الزفزافي ورفاقه داخل مدينة الحسيمة.
لكن ذلك لا يُفسّر من قبل الزفزافي ورفاقه بأن السلطة تنهج خيارات ومقاربات مختلفة تجاه الاحتجاجات في الإقليم حسب الوضع في منطقة، بل يعد دليلا على «الارتباك داخل السلطة، نتيجة خلافات توجد في مواقع أعلى في السلطة». ففي كلمته خلال مسيرة يوم الخميس، قال إن «الريف يدفع ثمن الخلاف بين الكبار».
علي الإدريسي، أستاذ باحث في التاريخ المغربي المعاصر، يقرأ تصلب السلطة، من جهة، وتصلب النشطاء، من جهة ثانية، أنه نتيجة «لمنطق في التدبير، تنظر بموجبه السلطة، منذ الاستقلال، إلى الشعب على أنه مجموعة من الرعايا، وليسوا مواطنين».