شباط.. "اللغم" الذي استشعر بنكيران خطورته

16/06/2017 - 00:00
شباط.. "اللغم" الذي استشعر بنكيران خطورته

كشفت سنة 2013 عن نفسها منذ البداية باعتبارها سنة الألغام بامتياز. لكن أول تلك الألغام كان مبكرا، في أبريل 2012، ومصدره الجارة الشرقية للمغرب، الجزائر، حين زارها بنكيران ممثلا المغرب لحضور جنازة رئيسها السابق، أحمد بنبلة. « مع الأسف كان حادثا سيئا جدا. كل ما وقع هو أن الوفد المغربي لما دخل لأداء صلاة الجنازة على الراحل بنبلة، كان البوليساريو هناك. وجد الوفد المغربي نفسه أمام الأمر الواقع، وظهر بنكيران بشكل فوري في نقل مباشر لأطوار الجنازة وهو يقف إلى جانب قادة الجبهة الانفصالية، قبل أن تأتي الاتصالات بسرعة من المغرب، وأعلن المستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري أن على الوفد المغربي أن ينسحب »، يقول مصدر مطلع، معلقا على الموقف بكونه كان كارثيا (c’était catastrophique)، لكون المشهد صور وتم بثه على نطاق واسع، وهو ما أثار غضبا شديدا في القصر الملكي هنا بالرباط، ترجم فورا إلى أوامر للمستشار الملكي ورئيس الحكومة بمغادرة المكان والعودة إلى المغرب. « كان يوما مؤسفا بكل صراحة، لأن حضور قادة البوليساريو كان أمرا واردا، وكان على المغرب أن يحسم خياره من البداية، إما الذهاب والاكتفاء بتقديم العزاء ثم المغادرة دون حضور الجنازة، وإما اتخاذ قرار واع بالحضور والمشاركة رغم وجود الانفصاليين لأن الحدث إنساني وليس سياسيا.

هذه الواقعة لم تخرج عن صنف الحوادث العرضية التي تحدث في الحكم والسياسة بشكل دائم. وما سيعيشه بنكيران وحزبه في نهاية تلك السنة والقسم الأكبر من السنة الموالية، أي 2013، فكان سلسلة ألغام مدبّرة نصبت بإحكام. أكبر تلك الألغام وأكثر تأثيرا في مسار حكومة بنكيران، كان الأمين العام الجديد حينها لحزب الاستقلال، حميد شباط. فالحرب التي اندلعت فور صعوده إلى زعامة حزب الميزان ضد العدالة والتنمية، طبخت على مهل شديد. ظهرت في البداية رغبة متبادلة في التفاوض وانتزاع التنازلات، وبدا أن كلا من شباط وبنكيران لا يريدان الذهاب إلى حد إسقاط الحكومة واللجوء إلى حلول سياسية ودستورية بديلة. ودليل ذلك أن أيا من الطرفين لم يذهب إلى أبعد الحدود في موقفه. بل إن شباط قدّم مهلة ثلاثة أشهر لتلقي جواب تحالف الأغلبية على مذكرة حزبه، وسرعان ما تطوّع نبيل بنعبدالله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، للتوسط ومحاولة تقريب وجهتي النظر. كما أن بنكيران حين طرح معه حميد شباط قضية التعديل الحكومي في أولى اجتماعات رؤساء أحزاب الأغلبية بعد انتخاب شباط أمينا عاما لحزب الاستقلال، طالبه بعرض ذلك من خلال مذكرة رسمية، وهو ما يعني ربح بعض الوقت وليس الرفض المطلق.

« شعر بنكيران منذ إعلان شباط أمينا عاما لحزب الاستقلال بتطوّر سلبي يحذق بالأغلبية الحكومية، فصعوده كان يعني حينها انتصار توجّه معين داخل الدولة لا يكنّ ودا كثيرا لبنكيران وإخوانه »، يقول مصدر مطلع. انطلق التجاذب والتطاحن داخل حكومة عبدالإله بنكيران، وأدى ذلك إلى تجميد الإصلاحات الكبيرة المنتظرة من خلال ما يعرف بـ »تنزيل الدستور »، وبدا أن البلاد مقبلة على خطوة كبيرة، تراوح تقديرها حينها بين سقوط الحكومة بملتمس رقابة في حال التحاق الاستقلال بالمعارضة، أو إقالة الملك للحكومة وحله البرلمان، أو استقالة عبدالإله بنكيران. « هذا الأخير رفض دائما فكرة المبادرة بالاستقالة، رغم يقينه أن مواقفه واختياراته قد تطيح به في أية لحظة »، يقول مصدر موثوق.

في هذا السياق تأتي خرجة رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران في إحدى منصاته الخطابية، حيث تحدّث فيها عن وجود معركة خفية تتجاوز الجزء الظاهر والمتمثل في الحرب التي يشنّها حزب الاستقلال تحت قيادته الجديدة. ثم خرج رئيس الفريق البرلماني لحزب المصباح، ليقول إن جهات تريد أن تُفسد العلاقة بين كل من الحكومة التي يقودها حزبه حاليا، والمؤسسة الملكية. ثم رفض رئيسا فريقي الاستقلال في البرلمان حضور لقاء دعا إليه بنكيران بمبرر أن ميثاق الأغلبية لم ينص على أية آلية يحضرها رؤساء الفرق دون الأمناء العامين. وأخذت جلّ الأوراش الكبرى للحكومة تجمّد وتؤجّل، بما فيها المخطط التشريعي الذي كانت قد وعدت به.

رغم الطابع البارد و »الممل » غير المعتاد في جلسات المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة أمام البرلمان، لم تخل الجلسة الشهرية لمساءلة بنكيران في مجلس النواب والتي انعقدت مساء 27 يناير 2013، من إشارات سياسية. بنكيران تحدّث عن النموذج المغربي الذي منع وقوع أحداث مماثلة لما كانت تعرفه مصر حينها من اضطرابات. نموذج قال إنه قائم على تفاعل الملك و »حكمة » الأمن و »شجاعة » أحزاب تجمع بين المطالبة بالإصلاح والحفاظ على الاستقرار. وربط بنكيران بين دوام هذا الاستقرار وبين توقّف ما قال بوانو في تلك الجلسة إنه تهديد للأمن المؤسساتي للحكومة. وفي اليوم الموالي، حضر بنكيران الجلسة الافتتاحية للمنتدى الثاني للحكومة الإلكترونية، وتحدّث بنبرة غير المتأكد من استمرار حكومته، حيث قال مخاطبا وزراءه: « لا تنتظروا نهاية المرحلة والولاية، أو التكليف، لأنه لا ندري إن كنا سنبقى إلى نهاية الولاية أو لا نبقى، أنا شخصيا … يا السي بنعبدالله هذه أقدار الله وهي جارية.. اللي بغاو يقولوه على خاطرهم، هما يقولو وأنا نقول ».

بعد تجميد خطته لربط إصلاح المقاصة بتقديم دعم مالي مباشر للفقراء، لاحظ بنكيران كيف أن خطواته تواجه بعمليات عرقلة استغربها وهاجم بسببها الإدارة بشكل متكرر. ففي مقابل كل ما حاول تقديمه لمجال المال والاستثمارات، توالت شكاوى رجال الأعمال من استمرار السلطات الضريبية في الحجز على الحسابات البنكية للمدينين تجاهها، واستخلاصها للأموال المستحقة عليهم بشكل مفاجئ. إجراء واجهه وزير العدل والحريات المصطفى الرميد، في إحدى جلساته الخاصة بالحوار الوطني لإصلاح العدالة شهر فبراير 2013، وقال بغضب كبير إن رئيس الحكومة أصدر أمرا بالكف عن القيام بهذه العملية. وحين ردّ عليه أحد الحاضرين بالقول إن الأمر يفتقر إلى نصّ قانوني يمكّن من تطبيق القرار، قال الرميد إن القرار صدر عن رئيس الحكومة حتى وإن لم يكن مكتوبا، « ومن العار أن تستمرّ الإدارة المعنية في الحجز على الحسابات لاستخلاص الديون حتى وإن كان القانون مازال يبيح ذلك ».

لجنة الاستثمارات التي كان يرأسها عبدالإله بنكيران شخصيا، قامت في تلك الفترة باتخاذ قرارات باستعادة مجموعة من الأراضي التي كان مستثمرون خواص قد حصلوا عليها، بعد عدم التزامهم بتنفيذ المشاريع التي تقدّموا بها. « كان ذلك حرصا على تنزيل ما تم الالتزام به من مشاريع وتعهدات، حيث تتدخل الحكومة كلما تبيّن وجود إخلال وتوقف الاتفاقيات وتسترجع الامتيازات، لهذا ألغت اللجنة عدة اتفاقات واسترجعت عدة امتيازات عقارية كانت قد وُضعت رهن إشارة بعض المستثمرين، ولولا ذلك لتحوّلت هذه الأراضي إلى ريع عقاري عوض الدخول في الدورة الاقتصادية »، يقول مصدر موثوق، فيما كان بنكيران قد أشرف على إطلاق مشاريع استثمارية خاصة بقيمة تصل إلى 46 مليار درهم. ويتعلّق الأمر باستثمارات لا تقل قيمة الواحد منها 200 مليون درهم، حيث يعود الاختصاص في إطلاقها إلى لجنة الاستثمارات.

رغم شخصيته التي توصف بالعنيدة، كان بنكيران يزاوج بين الكر والفر، وخرج مع اقتراب الذكرى السنوية الثانية لخروج حركة 20 فبراير، ليقول إن حكومته قررت مراجعة تصورها الأولي حول إصلاح صندوق المقاصة بعدما تبين لها أنه يثير ردود فعل رافضة، « لكون الطريقة ربما ليست هي الأفضل ». وقال رئيس الحكومة إنه لن يقرر أية زيادة جديدة في الأسعار إلا بعد التشاور والوصول إلى توافق حول طريقة إنجاز الإصلاح. لكنّ الأجندة السياسية التي ستنتهي صيف تلك السنة بأزمة غير مسبوقة، أفرزها انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة، كانت ماضية في طريقها. ولم ينته شهر مارس من تلك السنة إلا وقد تأسس رسميا محور شباط-لشكر في مواجهة بنكيران. الزعيمان حضرا ندوة في إحدى الجامعات الخاصة بالرباط أواخر مارس 2013، راكبين السيارة نفسها، وسرعان ما تحول اللقاء إلى قاعدة لإطلاق صواريخ مشتركة الصنع نحو حكومة عبدالإله بنكيران وحزبه. « بدا حينها أن التوجّس الذي أبداه بنكيران من صعود شباط مُبرّرٌ، وأن الألغام الخطيرة التي قد تواجه المسؤول السياسي ليست هي التي تقع بشكل عرضي كما وقع في الجزائر، بل الخطر في الألغام التي يتم تدبيرها وإحكام نصبها »، يقول مصدر عارف بتفاصيل تلك المرحلة.

شارك المقال