رحيل الحسن الثاني.. اسبانيا حزينة لوفاة ملك "داهية"

26/07/2017 - 19:40
رحيل الحسن الثاني.. اسبانيا حزينة لوفاة ملك "داهية"

فجأة، توفي الملك الحسن الثاني ظهيرة يوم الجمعة 23 يوليوز1999، كان الخبر مدويا في أصقاع الدنيا، لقد كسر حدث الرحيل الركود الذي يطبع عادة وسائل الإعلام خلال فصل الصيف، وتحولت أنظار العالم إلى المغرب الذي صار عاصمة دبلوماسية عالمية حجت إليها أشهر وأثقل الشخصيات السياسية العالمية، كان الجميع يعلم بمرض الحسن الثاني منذ عودته من رحلة نيويورك الاستشفائية عام 1995، لكن لا أحد توقع أن توافيه المنية في ذلك اليوم بالذات، فلم يمض على حضوره العيد الوطني بفرنسا غير بضعة أيام.

« مايستور » اللعبة

كان للخبر وقع مدوي أيضا في مدريد، فهي وفاة شخصية سياسية غير عادية لبلد مجاور لإسبانيا، ولها معه مشاكل كثيرة، كان خبر الوفاة إعلانا عن نهاية مرحلة بأكملها، فالحسن الثاني لم يكن ملكا يسود ولا يحكم مثلما الشأن بالنسبة لصديقه الملك خوان كارلوس، بل كان »المايسترو » الذي يتحكم في خيوط اللعبة بالمغرب، وطبع بأسلوبه و رؤيته السياستين  الداخلية والخارجية للبلاد، وكانت أبلغ صورة تلك التي وظفتها الصحيفة الأمريكية  » International Herald Tribune  » عقب وفاة الحسن الثاني، إذ وصفته بالسياسي اللاعب بالكرات والذي ظل يجيد رميها في الهواء والتقاطها طيلة عقود طويلة، قبل أن ينتهي المقال بسؤال مخيف، ماذا لو توقف اللاعب فجأة عن اللعب؟.

لم يكن  الملك الحسن الثاني شخصية عادية بالنسبة للطبقة السياسة الإسبانية بمختلف تلاوينها، لقد كان  شخصية تتمتع بالدهاء السياسي وتمتلك رؤية ثاقبة للعلاقات الدولية، فقد خرج في عهده  الجيش الإسباني صاغرا من الصحراء بعدما خطط  هو بنفسه ونظم المسيرة الخضراء التي أنهت الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء عام 1975، كان الظرف دقيقا وقتها، وإسبانيا في مفترق الطرق، وكان  الملك الحسن الثاني على دراية بالشؤون السياسية الداخلية الإسبانية، ومثل قناص ماهر، أطلق السهم، فأصاب الجيران في مقتل.

تكوين  الملك الحسن الثاني الفرانكوفوني جعله ينظر إلى إسبانيا دائما كأنها دولة من العالم الثالث كل ما يربطها بأوروبا هو الجغرافيا، كانت نظرته تتجه دائما إلى باريس، عاصمة الأنوار، التي خبر دهاليزها السياسية لعقود طويلة، و تبحر في ثقافتها  وفلسفتها، لكن رجلين صنعا الانتقال الديموقراطي في إسبانيا سيكون لهما دور بالغ

في جعل الجارة الشمالية بلدا صديقا للمغرب خلال العقدين الأخيرين من  حكم الحسن الثاني، هما فليبي غونزاليث الذي نفخ في اليسار الإسباني روحا جديدة معتدلة و الملك خوان كارلوس الذي تنازل عن سلطه بموجب دستور عام 1978 حتى يبقى العرش الإسباني قائما، ظل الحسن الثاني ينادي خوان كارلوس ب »الأخ » وفليبي غونزاليث ب »الصديق »، كانت المشاكل تعكر صفو العلاقات الثنائية بين الفينة والأخرى، وازدادت مع الوقت بظهور مشاكل جديدة مثل الهجرة السرية وتقلبات ملف الصحراء، و تفاعلات ملف سبتة ومليلية الذي كان يطمح الحسن الثاني إلى حله بعدما فشل السلاطين المغاربة قبله في بلوغ هذه الغاية. »

علاقة مميزة

وتحكي الملكة صوفيا في مذكراتها، في محاورة مطولة مع الصحافية بيلار أوربانو، عن علاقة خوان كارلوس بالحسن الثاني بالقول » الواقع إنهما كانا يقدران ويحترمان بعضهما، بل كانا يحبان بعضهما، وكانا دائما ينتهيان بحل المشاكل العالقة بينهما بطريقة ودية، ولم تكن تلك المشاكل قليلة مثل  الهجرة  والصيد والفوسفاط  والقوارب غير الشرعية  ومشكلة الصحراء، وأحيانا كانا يكلمان بعضهما فجرا عبر الهاتف، و ينتهي الموضوع الخلافي بينهما ».

ظل المغرب على مدى عقود يشكل مادة دسمة لانتقادات الصحافة الإسبانية، فقد نشرت كبريات الصحف مثلا أخبار عن وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، ووجود نشطاء اليسار في السجون وأبرزهم الناشط أبرهام السرفاتي، كان نشر هذه الأخبار من طرف الصحافة الإسبانية مثيرا للغضب في الرباط، ومشوشا على العلاقات الثنائية.

ورغم فترات الود التي تخللت العلاقات بين البلدين خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني نتيجة صداقته المتينة بفليبي غونزاليث والملك خوان كارلوس، لكن المشاكل السياسية لم تكن لتنتهي أبدا بين البلدين، ففي الوقت الذي كانت تشتد فيه الأزمات مع مدريد يقترب أكثر من باريس وواشنطن.

الموضوعان المزعجان

كان موضوعا الصحراء وسبتة ومليلية، هما الموضوعان الأكثر ازعاجا للبلدين الموقعين على اتفاقية الصداقة وحسن الجوار عام 1991، تعمقت هذه المشاكل بخروج فليبي غونزاليث من قصر المونكلوا في منتصف التسعينيات،  وصعود  اليمين لأول مرة إلى السلطة بقيادة خوسي ماريا أثنار الذي كان تكوينه وأسلوبه السياسيين  يختلفان كثيرا عن غونزاليث، وهكذا غابت مشاعر الود منذ اللقاء الأول بين أثنار والملك الراحل الحسن الثاني والذي تم في أواخر عهد الاشتراكيين، فأثنار كان يمثل شخصية يمينية قحة امتزجت فيها الوطنية الإسبانية بمفهومها القديم مع مشاعر التعالي التي يكنها للجار الجنوبي لإسبانيا، فهو سليل عائلة إعلامية ودبلوماسية لعبت أدوارا محورية خلال الأربعة عقود التي حكم فيها الجنرال فرانكو شبه الجزيرة الإيبيرية بسياسة الحديد والنار.

وأسر الملك الراحل الحسن الثاني لصديقة القيادي الاشتراكي عبد الواحد الراضي، في نهاية التسعينيات، بموقفه من أثنار الذي كان يرى فيه شخصية متعجرفة، ويؤكد الراضي في لقاء بالمؤلف أن الحسن الثاني أخبره أن « حبل الود بينهما منقطع، وهو غير متفائل بالعلاقات مع إسبانيا في ظل حكم أثنار »، ويسترسل الراضي أن الملك خوان كارلوس أسر إليه بدوره أن « أثنار رجل مزاجي وحاد الطباع، لكنه يلتزم بكلمته ويفي بوعوده، عكس بعض السياسيين الناعمين في كلامهم والذين لايلتزمون بالوعود  التي يقطعونها ».

ظل اليمين الإسباني بثوبه الجديد يحمل الكثير من عقد الماضي التاريخية تجاه الجار الجنوبي للمملكة الإسبانية، وساد الاعتقاد في أوساطه بضرورة نهج سياسة الشدة مع المغرب، وفق ما كان يعتقده الخط الأثناري- نسبة إلى أثنار- داخل الحزب الشعبي اليميني وقتها- لكن هذا لم يمنع أثنار نفسه من الاعتراف بما يميز شخصية الملك الحسن الثاني في  كتاب مذكراته « وجوه وبروفيلات »: من فراغا إلى بوش »، الصادر عام 2005، وفي إحدى صفحاته يقول أثنار: « كان الحسن الثاني يتمتع بتجربة دولية واسعة وعميقة، كان يعرف كيف يلعب أوراقه، مدركا حد الإتقان قواعد اللعبة، وكان يعرف جيدا الحدود التي يمكنه الانتهاء عندها ».  ويشير أثنار في مذكراته  إلى أن » الحسن الثاني لم يكن مخاطبا سهلا، ولا يمكن القول إنه كان صديقا لإسبانيا، ولكنه كان رجلا ذكيا يتمتع بتجربة، وواعيا كل الوعي بنتائج أعماله، في الكثير من المناسبات خلال السنوات الأخيرة، كنت أتذكره ».

ويحكي أثنار عن أول زيارة له إلى المغرب كرئيس للحكومة الإسبانية، قائلا: « عملا بالعادة السياسية التي تم إرساؤها، فالبلد الأجنبي الذي زرته بمجرد وصولي إلى رئاسة الحكومة كان هو المغرب، فهذه العادة تؤكد على الصداقة التي يجب أن تطغى في العلاقات بين بلدين صديقين تقاسما تاريخا طويلا وعلاقة تتوطد مع مرور الوقت، ومحكوم عليهما بالتعاون في عدد من القضايا التي يشتركان فيها »..

وبعد إعلان وفاة الملك الحسن الثاني في ذلك اليوم الصيفي، قرر خوسي ماريا أثنار عدم التخلف عن الركب و انضم إلى قافلة رؤساء الدول و الحكومات الذين حجوا إلى الرباط من أجل تشييع جنازة الحسن الثاني، ويصف  لحظات الجنازة في الكتاب نفسه بقوله  » لقد حضرت مراسيم دفن الملك الحسن الثاني، فالأهمية الدولية التي كان يحظى بها كانت جلية في الحضور المكثف لزعماء الدول، لقد كان على  طائرتنا الانتظار لمدة معينة لكي تحط بسبب كثافة الحركة الجوية.. شخصية الحسن الثاني كانت حاسمة في الحياة السياسية المغربية وظهرت في المشاعر الجياشة، فالولاء الذي كان يكن له بدا واضحا في الجموع الغفيرة التي امتلأت بها شوارع الرباط في فوضى لم أشهد لها مثيلا، وكانت لحظات حرجة. »

علاقة قديمة

لم تكن علاقة أثنار بالملك الحسن الثاني وليدة تزعمه للمعارضة الإسبانية أو تقلده لمهام رئيس الحكومة الإسبانية، بل هي علاقة تعود بجذورها إلى جده مانويل أثنار الذي  كان سفيرا لإسبانيا في المغرب في السنوات الأولى من ستينيات القرن الماضي، مثلما أنه غطى حرب إسبانيا بالمغرب في عشرينيات القرن الماضي،  وكانت العلاقة أيضا ثمرة لحكايات الجد السفير مانويل لحفيده خوسي ماريا.

الملك الإسباني خوان كارلوس حج بدوره إلى الرباط من أجل توديع صديق قديم، كان خوان كارلوس وعقيلته ضمن الحضور، وهو ما تصفه الملكة في مذكراتها بقولها : » كان زوجي رئيس الدولة الأجنبية الوحيد الذي حضر إلى احتفالات عيد ميلاده، لقد حضرنا معا، و كنا فرحين جدا بذهابنا إلى هناك، لأننا شاهدنا الحسن الثاني سعيدا…لقد مات بعد ذلك بأسبوعين » .

دموع خوان كارلوس

جمعت  بين العاهلين المغربي والإسباني الكثير من الذكريات، لذلك لم يتمالك خوان كارلوس نفسه، وهو يقدم التعازي لملك المغرب الجديد قبيل تنظيم مراسيم الجنازة، وطفرت الدموع من عينيه، وجراء ذلك أثار منظر بكاء الملك القشتالي انتقادات صحافة بلاده التي استغربت غزارة الدموع الملكية لخوان كارلوس.

و في هذا السياق، يورد خوسي ماريا أثنار، في الجزء الثاني من مذكراته  » التزام السلطة »:  » أنه هو من أعطى الملك خوان كارلوس المنديل الأبيض الذي ظهر في جميع الصور ليجفف به دموعه، وخلال اللقاء تذكر الملك خوان كارلوس علاقته الحميمية مع الملك الحسن الثاني الذي كان ينعته ب »الأخ الأكبر » وقال للملك محمد السادس بتأثر : « الآن، الأخ الأكبر هو أنا ».

الواقع أن هذا الحدث خلف مشاعر حزن لدى جزء من النخبة الإسبانية التي عرفت الرجل عن قرب أو تابعت سياسته عن بعد، هذا الإحساس بالحزن شعر به حتى بعض خصوم  المغرب الذين ظلوا يتذكرون بمرارة الطريقة « المهينة » التي رافقت الخروج شبه القسري لإسبانيا من الصحراء، كما أن مواقف الملك الراحل الحسن الثاني الحازمة التي اتخذها إزاء قضيتي سبتة ومليلية كانت مزعجة كثيرا بالنسبة للنخبة الإسبانية المتعصبة للوحدة الوطنية، خصوصا بعد اقتراحه خلق خلية للتفكير في مستقبل المدينتين عام 1987، وهو ما قرئ في الضفة الشمالية لمضيق جبل طارق على أنه إشارة لتنظيم مسيرة خضراء أخرى لتحرير المدينتين.

إعداد: إسماعيل السبتي

 

شارك المقال