عائلات المعتقلين.. الوجه الآخر لمعاناة "ثورة العطش"

01 نوفمبر 2017 - 23:03

فاطمة ذات السبعين سنة، تجلس في مدخل باب المنزل، تراقب المارة، تغلبها دموعها تارة وتحبسها تارة أخرى، تفكيرها شارد، تفكر في ذلك الغائب الذي ترك أربعة من أشقائه دون معيل بعدما توفي والداهم عقب حادثة سير في منعرجات “تشكا” قبل أربع سنوات، “حفيدي لم يخرج يوم الأحد الأسود، كان في المنزل، هو نفسه منع إخوته من الخروج خوفا عليهم، لكن في اليوم الموالي، جاءت الشرطة وأخذته من أمام أعيننا، دون شفقة ولا رحمة، لم يعبئوا لصراخنا ولا لدموعنا، ولا لتوسلاتنا، أخذوا فلذة كبدي وهو بريء”، هكذا تستهل الجدة حديثها.
حكاية حفيد فاطمة الذي يبلغ من العمر 25 سنة، تشبه حكايات أغلب عائلات المعتقلين، فهنا في مدينة زاكورة الألم واحد والقهر واحد، كل ما يختلفون فيه هو بعض التفاصيل.
عن ظروف القبض عليه، تحكي الجدة أن حفيدها خرج ليبحث عن شقيقه لتناول الغذاء، تاركا الباب مفتوحا والأضواء مشتعلة، لكنه لم يكن يتوقع أن يكون لقمة سهلة في يد رجال الأمن، الذين كان يبحثون عنه بدورهم، “قبل أن يذهب للزقاق المقابل، ألقوا القبض عليه دون أن يهمسوا ببنت شفة، أو حتى أن يفسروا لنا السبب، أو أن يخبرونا أين سيأخذونه، كان يصرخ ويقول إنه بريء ولم يرتكب أي جرم، لكن الشرطة لا ترحم”.
في البيت الذي كبر فيه محمد، جدرانه تحكي لوحدها الفقر الذي تقبع فيه الأسرة، إذ كانت حالة البؤس بادية، المنزل يتكون من غرفتين، الأولى للمعيشة والثانية للجلوس والنوم، أثاثه قديم متهرئ. أشقاء محمد يجلسون في صمت، ينظرون لجدتهم، نظرات تحي بأنها أملهم في هذه الحياة بعدما أخذت الشرطة شقيقهم، الذي كان بمثابة الأب والأم، “لماذا أخذوه لوحده، كان الأجدر بهم أن يأخذونا جميعنا”، هكذا يعلق أحد أشقاء هذا الأخير بعد صمت جدته.
التهم الموجهة لمحمد الذي يعمل في الضيعات الفلاحية، كافية لأن تغيبه عن أسرته لسنوات، إذ إن هذا الأخير من أفراد مجموعة ورزازات، الذين يتابعون بغرفة الجنايات في محكمة الاستئناف، والتهم الموجه لهم، عقوبتها تتراوح ما بين سنتين وخمس سنوات، ورغم أن أسرته تؤكد أنه لم يخرج ذلك المساء ولم يشارك في المسيرة لانشغاله بمسؤولياته داخل البيت، لكن المتابعة ثابتة في حقه، والنيابة العامة أكدت من خلال المحاضر، أنه كان من بين المحتجين الذين شاركوا في أعمال العنف.
الطريقة نفسها تم اعتقال بها شاب آخر من الحي ذاته، حيث لخصت جدته مشهد اعتقاله “العشوائي” من أمام المنزل، بأن أفراد الشرطة “أخذوه مثلما يتم التقاط الخرفان من الضيعة”، تضيف ودموعها تغلبها: “حفيدي اليتيم بريء، وتم اعتقاله يوما بعد مظاهرة الأحد، أنا لا أستطيع أن أعيله، لقد تجاوزت الثمانين، لا حيلة لي، حتى إني لم أستطع أن أزوره في السجن، قلبي يعتصره الألم، ظلمونا، ونحن أناس مسالمون، أطلب من الحكومة وجلالة الملك أن ينصفني وحفيدي، هو الذي كان يعليني وبقيت وحيدة بعده”.
الشابان هما حالتان من بين 23 متابعا في قضية “ثورة العطش”، إذ يواجه المعتقلون تهما ثقيلة، فحسب أحد أعضاء هيئة الدفاع عن معتقلي زاكورة، فـ 7 من المعتقلين تمت إحالتهم على محكمة الاستئناف بورزازات، بتهمة إضرام النار في ممتلكات الدولة، والتجمهر غير المرخص له، بالإضافة إلى إهانة موظف عمومي أثناء أداء مهامه، حيث تم تقديمهم أمام الوكيل العام الذي أحالهم على جلسة الـ16 من الشهر الجاري.
المجموعة الثانية من المعتقلين، والتي تضم ثمانية شباب تتراوح أعمارهم بين 19 و24 سنة، تم عرضها على النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية من أجل تهم تتعلق بـ”إهانة موظف أثناء مزاولته لعمله، وتعييب أشياء ذات منفعة عمومية، والمشاركة في مظاهرة غير مرخصة”، حيث رفضت المحكمة الابتدائية طلب هيئة الدفاع لمتابعة المعتقلين في حالة سراح، وأمرت بإيداعهم السجن المحلي بالمدينة، فيما ستتم متابعة 8 قاصرين في حالة سراح، في انتظار بدء محاكمتهم اليوم الثلاثاء 31 من الشهر الجاري.
اعتقالات عشوائية!
“يجمع ساكنة زاكورة على أن الاعتقالات كانت عشوائية، وأن الذين قاموا بحرق حاويات الأزبال لازالوا أحرارا، ويعشون حياة طبيعية دون أن يمسسهم سوء”، يقول سائق سيارة الأجرة داخل المدينة في حديثه لـ”أخبار اليوم”، “الشباب الذين تم اعتقالهم بالفعل خرجوا للوقفة، لكنهم لم يقوموا بأعمال الشغب، هناك شخص اسمه رضوان، ظهر بعد انتهاء الوقفة حوالي الثامنة مساء، هو من أضرم النار في الحاويات، وكان معه عدد من الشباب ملثمين”، ويضيف: “أنا أيضا خرجت للمطالبة بالماء رفقة أسرتي، وكان عدد من ساكنة الحي، أيضا، خرجوا، لكن شباب الحي الذين اعتقلوا كانوا بالقرب مني رفعوا الشعارات واحتجوا بسلمية، وعدنا مع بعضنا للحي دون أن يتورطوا في أي أعمال الشغب”.
نفس الشيء تؤكده عائلات المعتقلين الذين التقيناهم، فالغريب في أغلب الاعتقالات حسب هؤلاء، أن رجال الأمن باشروا عملية الاعتقالات حتى اليوم الموالي للوقفة، وهو ما يثير الاستغراب، حول مدى حقيقة تورط هؤلاء الشباب في أعمال العنف. جار أحد المعتقلين علق على الأمر بأن” الأمن كان عليه أن يعتقل عددا من الأشخاص حفاظا على ماء وجهه، وحتى يثير الرعب في قلوب الأهل والساكنة”، وأضاف “يظنون أن زاكورة ستكون حسيمة ثانية، لكنهم مخطئون، فطبيعة الساكنة هنا تختلف كثيرا عن ساكنة الريف، هنا الناس مسالمون”.
سعيدة لغريسي، منسقة التنسيقية الوطنية للدفاع عن الخدمات الاجتماعية، قالت في حديثها لـ”أخبار اليوم”، إنهم من خلال تواصلهم مع الساكنة وعائلات المعتقلين، والاطلاع على الملف وحيثياته، “تبين أن أغلب الاعتقالات كانت عشوائية، ولم تستهدف الأشخاص الذين تسببوا في الشغب”، وأضافت “نحن ندين الشغب، لكن مطالب الساكنة عادلة، ووضعية التهميش التي يعيشونها هي التي دفعتهم للخروج للاحتجاج”.
معاناة بين ردهات السجون
الحياة في مدينة زاكورة أشبه بالحياة في قرية صغيرة تتسم بالهدوء والبساطة، الكل يعرف الكل، يعم جو من التضامن والتآخي بين الساكنة، الألم والفرح مشترك، الساكنة مسالمة لدرجة كبيرة، لكن ما أسفرت عنه “أزمة العطش” من اعتقالات، قلب حياة زاكورة رأسا على عقب، وتحول الهدوء إلى صخب وصداع، والرضا إلى قنط، الأهالي الذين كانوا يختبئون في منازلهم من الحر والطبيعة الصعبة للمنطقة، أصبحوا يقضون أيامهم يطرقون أبواب السجون ومديريات الأمن للاطمئنان على أبنائهم.
معاناة البعض مضاعفة، خصوصا الذين نُقل أبناؤهم إلى مدينة ورزازات التي تبعد بقرابة 200 كلم عن زاكورة، وتحتاج ساعتين إلى ثلاث ساعات للوصول إليها. رحلة الذهاب والإياب تحولت لجمرة من جهنم، بالإضافة إلى التعب، فأغلب الأسر فقيرة، ولا تمتلك المال للتنقل المستمر إلى مدينة “الأفلام الهوليودية”، واقتناء الحاجيات الضرورية لفلذات كبدهم، الذين يقبعون في سجن مدينة غريبة عنهم.
“لولا مساعدات بعض الجيران لما تمكنت من زيارة ابني في السجن، لم أره منذ يوم اعتقاله، لم يخبرون أن ابني اعتقل، أمضيت ليلة الأحد/الاثنين أبحث عنه في شوارع المدينة وعند أصدقائه، حتى اكتشفت في اليوم الموالي أن ابني من بين المعتقلين، وأنه سيتم ترحيله إلى مدينة ورزازات، لم يتركون أراه، وقالوا لي الزيارة ستكون في ورزازات”، هكذا استهلت زهرة، والدة أحد المعتقلين، معاناتها التي ابتدأت بين ردهات السجون.
محمد من مواليد 1998 لم يكمل بعد سن الرشد ولازال تلميذا، تحكي والدته أنه كان رفقة أصدقائه في الوقفة التي نظمتها الساكنة للاحتجاج على العطش، لكن بعد الوقفة لم يعد إلى البيت بل التقفته أيادي أفراد الأمن، واقتادوه إلى مخفر الشرطة، وبعدها إلى ورزازات، لتبدأ معاناة أسرة بأكملها، “لا أستطيع الذهاب بشكل مستمر إلى ورزازات، لا أتوفر على الإمكانيات المادية وحالتي الصحية متدهورة، لكن قلبي يتقطع على فلذة كبدي وليس بيدي حيلة، كل ما أستطيع فعله هو الدعاء”، تصمت برهة لتمسح دموعها: “نحن في زاكورة مسالمون، لا نمس أحدا بسوء، اعتقال أبنائنا جرم في حقنا، نحن لم نطالب بأي شيء فقط الماء وهو حقنا، كل ما أطلب الرحمة من العذاب الذي أصبحنا نتكبده ونعانيه، لا نستحق ما نعيشه”، تتلعثم في الكلام ثم تغالبها الدموع.
اتهامات بتعنيف المعتقلين
والد الشاب حميد السميعي، الذي يعمل إطارا بنكيا في البنك الشعبي، قال إن ابنه تعرض للضرب والتعنيف عقب توقيفه، “خلال زيارتي له بالسجن المحلي بورزازات، كانت هناك آثار للتعذيب على مستوى وجهه وباقي جسده، وكان الدم يسيل من فمه”، وعندما سألته أكد لي أنه تعرض للضرب رفقة معتقلين آخرين من طرف رجال الشرطة في زاكورة وورزازات”.
والد السميعي ليس وحده الذي يتهم رجال الأمن بتعنيف المعتقلين، بل حسب لغريسي، فهناك عدد من الأسر التي قالت إنها وجدت آثار الضرب على أجساد أبنائها، غير أن النيابة العامة، تقول هذه الأخيرة، تنفي تعرضهم للضرب، حيث جاء في المحاضر أنه تم سؤال المعتقلين عما إذا كانوا تعرضوا للضرب من طرف الأمن، غير أنهم نفوا ذلك.
إصرار النيابة العامة على دحض اتهامات العائلات بتعرض أبنائهم للضرب، جعل الأسر تدعو إلى إجراء فحص طبي لأبنائها، حتى تستطيع أن تثبت تعرضهم للضرب، خصوصا وأن آثار الضرب لازالت بادية على جسد المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب، وفق ما قاله السميعي، غير أن المحكمة لم تستجب لحدود الساعة لطلب الأسر.
أدلة الإدانة!
“ليست هناك أي أدلة حتى يحال الملف على جنايات ورزازات”، يقول السميعي الذي زرناه في بيته، ويضيف “على الأقل يجب أن تكون هناك خسائر مادية، لكن في هذه القضية لا توجد خسائر مادية، كل ما كان هو حرق أربع حاويات للأزبال، هل منطقي أن نتابع شبابا وننهي حياتهم ونعذب أهاليهم من أجل أربع حاويات؟ لو كانت هناك خسائر أو حرق منشأة حكومية، أو ضرب رجال الشرطة، كنت سأقدم ابني بيدي للعقاب لكن ليس هناك شيء من هذا”، يصمت للحظة ويحضن ابنه الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات ثم يقول: “أتحدى كل الجهات الأمنية أن يقدموا دليلا واحدا يورط أبناءنا في أعمال الشغب”.
يسترسل الإطار البنكي في الكلام، “أقسم بالله أن المعتقلين بسطاء، الدراري غاروا على البلاد وسكان زاكورة الذين يعانون العطش، خرجوا للاحتجاج دون نية إحداث الشغب أو المواجهة مع رجال الأمن”، ويضيف: “الملف تم تسييسه وتم ربطه بمخلفات أحداث الحسيمة، ليكون الضحية شباب زاكورة، الذين حرموا من متابعة دراستهم وأبعدوا عن عائلاتهم، الأمن اعتقد أن زاكورة مثل الحسيمة، وأراد تخويف الناس حتى لا يسقطوا في أحداث الريف”.
وحسب الآراء التي استقيناها من ساكنة مدينة زاكورة، لأحداث يوم “الأحد الأسود”، فبعد انتهاء الوقفة الاحتجاجية، كانت النساء اللواتي خرجن بكثافة للاحتجاج، يتواجدن من الشارع الرئيسي، فأخذ بعض رجال الأمن يتفوهون بكلمات بذيئة، ويشتمون النساء، وهو ما دفع بعض الشباب للدفاع عن أمهاتهم، حيث نشب جدال بين الطرفين تحول للشجار بالأيادي، وعمليات الكر والفر بين المحتجين والأمن، بعدها قام شاب يدعى رضوان رفقة شباب ملثمين بحرق أربع حاويات أزبال كانت في الشارع.

المحاكمات!

على غرار معتقلي الحسيمة، تطوع عدد من المحامين للدفاع عن معتقلي “ثورة العطش”، حيث أعلنت لجنة دعم معتقلي ثورة العطش المتكونة من عدد من الفعاليات الحقوقية والجمعوية بالمدينة، عن قبول عشرات من المحامين الترافع عن معتقلي “ثروة العطش”، من بينهم خمسة محامين من إقليم زاكورة، حيث إن أغلب مواعيد المحاكمات تم تأجيلها إلى أن يكتمل الملف.
أفراد عائلات القاصرين المتابعين في القضية، أكدوا في حديثهم لـ”أخبار اليوم”، أنه لم يتم استدعاؤهم لحضور استنطاق أبنائهم، وعند استدعائهم أجبروا على التوقيع على محاضر لم يطلعوا عليها. العائلات أيضا اشتكوا من عدم السماح لهم لحضور جلسات محاكمات أبنائهم، “لم يسمحوا لنا بحضور جلسات محاكمة أبنائنا، وتم وضع جدار من رجال الأمن أمام المحكمة حتى لا نتمكن من الدخول، ما وصلنا إليه أمر محزن جدا”، يقول والد أحد المعتقلين.
بدورها، لجنة دعم المعتقلين وصفت الاعتقالات بـ”التعسفية والعشوائية، حيث “حملت المسؤولية لعامل الإقليم والسلطات الأمنية في أحداث 8 أكتوبر الماضي”، وأضافت أن “الاعتقالات غير قانونية في حق شباب قاصرين لا ذنب لهم غير مرورهم في الشارع أو الأزقة، وتلفيق تهم ثقيلة وخطيرة، وإجبار بعضهم على توقيع محاضر جاهزة لأشخاص لا علاقة لهم بما حدث”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي