بروفايل/ سعد الدين العثماني.. قائد المنحدرات

12 ديسمبر 2017 - 22:02

ملامح فرحة طفولية اعتلت أساريره لحظة إعلان حصوله على 52% من أصوات المؤتمرين، وابتسامة عريضة خالطها ترديد حماسي لأنشودة الحزب. سعد الدين العثماني ينتخب أمينا عاما لحزب المصباح من جديد، والمعنى الوحيد لهذا التنصيب، هو تحصيل الحد الأدنى من الشرعية الضرورية للاحتفاظ بالتكليف الملكي على رأس الحكومة.

الكلمة الأخيرة التي أدلى بها الرجل لحظة النقاش قبل التصويت الذي حسم السباق بينه وبين أحد وجوه الصف الثاني من قيادة الحزب السابق، عمدة فاس إدريس الأزمي، كانت فاصلة في مصيره، وفي استقباله تلك المكالمة الخاصة التي تلقاها بعيد انتخابه، وجعلته يشير للمحيطين به بسبابته نحو الأعلى، في إشارة إلى مصدر المكالمة. كلمة ربط فيها العثماني بين توليه الأمانة العامة وبين استمرار الحكومة، أي إنه جعل المؤتمرين في موقع من يسقط الحكومة في حال التصويت ضده.

إن خسرتموني خسرتم الحكومة

العثماني وقف أمام المؤتمرين، وحذّرهم من أن المضي في الاتجاه الذي برز قويا حينها نحو انتخاب الأزمي، معاتبا أعضاء الحزب بقوة لكونهم زكوه رئيسا للحكومة واختاروا معه الوزراء، بينما يريد بعضهم التخلي عنه. كلمة الحسم في الموقع الجديد للعثماني كانت ربطه المباشر بين إسقاطه في التصويت الأخير، والخروج من الحكومة، فيما تفجّرت عقب هذا التصويت، عبارات الغضب في صفوف أعضاء وقادة الحزب، من خرق قاعدة “لا نولي هذا الأمر من طلبه”.

لحظة لا بد أنها أعادت إلى ذهن العثماني لحظة أخرى عاشها في مؤتمر الحزب الذي انعقد في أبريل 2004. يومها لم يستطع مقاومة دموعه، حيث تم إعلان فوزه في انتخابات الأمانة العامة. الفارق الوحيد هو أنه يومها فاز بـ 1268 صوتا من أصل 1595، أي قرابة 80% من الأصوات، عكس مؤتمر أول أمس، حيث نال 1006 أصوات من أصل 1918. الأمين العام السابق، عبدالإله بنكيران، حرص في كلمته الافتتاحية للمؤتمر على الاعتراف بأن إعفاءه من تشكيل الحكومة شهر مارس الماضي كان ضربة قاسية للحزب، لكن طريقة تشكيل الحكومة شكل ضربة أخرى للحزب، يقول بنكيران “لأنه وقع فيه ما رفضناه، وهو دخول الاتحاد الاشتراكي للحكومة”، معتبرا أن “هذه ضربة أخرى إضافية”، بعد ضربة إعفاء رئيس الحكومة، مؤكدا أن “المجتمع المغربي لم يقبل هذا”.

بنكيران قال إنه لم يتوقع أن يتم فرض الاتحاد الاشتراكي على الحزب، وحمّل المسؤولية في ذلك للعثماني، حين قال: “الدكتور سعد الدين، قام به بما قام به، حسب المصلحة التي رجحت لديه، ونحن اعتبرنا أن كلام الدكتور ملزم للحزب وقررنا التفاعل معه وتجاوز المرحلة رغم صعوبتها”. وشدد على أنه “منذ تلك اللحظة كل ما وقع نتحمّل فيه المسؤولية جماعة”.

كان ضد إلزام الملك بالأمين العام

النقاش العاصف الذي جرى بالقاعة المغطاة للمركب الرياضي مولاي عبدالله بالرباط مساء أول أمس، تخلّلته مرافعات قانونية أبرزها تلك التي قام بها القاضي السابق جعفر حسون. هذا الأخير ذكّر كيف أن حزب العدالة والتنمية، كان بعد انتخابات 25 نونبر 2011، وراء فكرة تعيين الأمين العام رئيسا للحكومة، وليس عضوا آخر من الحزب. فكرة تفترض حسب الذين دافعوا عن العثماني، ضرورة جعله أمينا عاما للحزب حتى يبقى المصباح منسجما مع فكرته في هذا الشأن. لكن المثير في الأمر، أن العثماني كان ضد هذه الفكرة لحظة صدورها عقب انتخابات ما بعد الربيع العربي.

فعندما ظهرت نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر 2011، كان هناك ترقب كبير حول من الذي سيتم تعيينه رئيسا للحكومة، هل الأمين العام بنكيران، أم رئيس المجلس الوطني سعد الدين العثماني؟ “الدستور واضح، وهو يتحدث عن تعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول وليس بالضرورة قائده”، يقول مصدر عاش تفاصيل تلك اللحظات، مضيفا أن لقاء لقيادة الحزب انعقد مساء يوم السبت 26 نونبر 2011، “فكان موقف الرميد حاسما، حيث بادر إلى القول إنه إذا تم تعيين بنكيران، فالأمر طبيعي ولا يحتاج إلى أي إجراء، أما إذا عين شخص آخر فينبغي عقد اجتماع للأمانة العامة ثم المجلس الوطني للنظر في الموضوع. ولما خرج بنكيران ليعقد ندوة صحافية، قال هذا الموقف بشكل واضح، فجاء الاتصال مباشرة بعدها من القصر يدعو بنكيران إلى الالتحاق بميدلت ليتم تعيينه رئيسا للحكومة”.

هذه “الفتوى” التي قدمها الرميد حول كيفية التعاطي مع التعيين الملكي لرئيس الحكومة، لم تكن موضوع إجماع، “فرئيس المجلس الوطني سعد الدين العثماني، عاد ليزور بنكيران في بيته، وكان رفقة مصور إحدى الصحف اليومية، وقال له إنه يفضّل عدم التصريح بفكرة عقد اجتماع في حال تعيين شخص غير الأمين العام، لأنها قد تكون إشارة سلبية”.

الرجل الذي يقف خلف بنكيران

في العام الماضي، وفي الساعات الأولى لانطلاق مشاورات عبدالإله بنكيران لتشكيل حكومته الثانية بعد فوزه بانتخابات 7 أكتوبر 2016، ظهر سعد الدين العثماني بابتسامته جنبا إلى جنب مع رئيس الحكومة المعيّن. لم يكن أي منهما يعرف حينها أن الأدوار ستنقلب بعد خمسة أشهر، ليصبح العثماني في موقع المكلّف بتشكيل الحكومة، تحت النظرة الفاحصة لأمينه العام عبدالإله بنكيران.

كان هو الرجل الثاني في حزب المصباح، كرئيس للمجلس الوطني، ومن موقعه التنظيمي هذا، كان العثماني يخرج ليدافع عن زميله بنكيران. فبعد أقل من شهرين من انطلاق المشاورات، وفي وقت تأكد فيه “بلوكاج” ممنهج ومقصود، حضر العثماني إلى المنتدى الوطني لشبيبة الحزب، مواجها سيلا من التساؤلات حول الجهة المسؤولة عن “البلوكاج”، الذي تعرفه عملية تشكيل الحكومة وكيفية التعامل معه. “صحيح اليوم أن الخيارات تتقلص، لكننا لسنا في أزمة سياسية، شعوريا قد يحس البعض بالأزمة، لكن مؤسساتيا وسياسيا ليست هناك أزمة، وعلينا أن نجد الحلول للمأزق الحالي”، يقول العثماني أواسط دجنبر الماضي، مضيفا أنه من الأفضل أن يكون حلا وسطا، “والحلول في السياسة تكون بناء على محصلات تدافع الفاعلين بما وراءهم من مراكز القوى”.

فقيه سوسي

في كنف عائلة أمازيغية عريقة وصفها المختار السوسي بأنها عائلة تسلسل فيها العلم لما يزيد عن ألف سنة، ازداد سعد الدين العثماني مستهل سنة 1956، أي مع “بزوغ فجر الاستقلال”، بإنزكان، حوالي 600 كلم جنوب العاصمة الرباط. مسافة لم تثبط من عزيمته وهو القابع في عمق المغرب غير النافع، حيث راح يعد العدة لاختزال طول تلك الكيلومترات ومزاحمة رموز “النضال” لما قبل الاستقلال وما بعده. فكان في طفولته يدخر ما استطاع طوال السنة لشراء الكتب، لتبدأ علاقته بالحركة الإسلامية بداية السبعينيات وهو بعد تلميذ بثانوية عبدالله بن ياسين، وذلك من خلال اطلاعه على مؤلفات سيد قطب ورسائل حسن البنا، والتي أثارت انتباهه إلى ضرورة المشاركة في عمل إسلامي دعوي منظم. فقام رفقة صديقه عبدالله باها بإنشاء “جمعية الشبان المسلمين”، قبل أن يحصل على الباكالوريا في شعبة العلوم التجريبية سنة 1976. هذه المزاوجة بين الاهتمام العلمي والهم الديني ستظل سمة مرافقة للعثماني طوال حياته.

مباشرة بعد حصوله على شهادة الباكالوريا، وخلال دراسته الطب في مدينة الدار البيضاء، انخرط سعد الدين العثماني في جماعة التبليغ. ليلتحق سنة 1978 بجمعية الشبيبة الإسلامية التي كان يتزعمها عبدالكريم مطيع. لكن مباشرة بعد الأزمة التي عرفها هذا التنظيم لاتهامه باغتيال المناضل اليساري عمر بنجلون، تبرأ العثماني رفقة أصدقائه من شبيبة مطيع الإسلامية، ليعلنوا تأسيس “الجماعة الإسلامية” سنة 1981، السنة التي تعرضوا فيها للاعتقال مدة شهرين. هناك من داخل السجن، أعلنوا (على لسان عبدالإله بنكيران) تبرؤهم الواضح من تجربة الشبيبة، ليصبح نبذ العنف أهم رسائل “ميثاق الجماعة”، إلى أن غيرت اسمها سنة 1991 لتصبح “حركة الإصلاح والتجديد” في وعي مبكر بما لصفة “الإسلامي” من وقع سيئ لدى باقي الفاعلين السياسيين الداخليين والخارجيين. قبل أن يصبح العثماني عضوا مؤسسا لحزب “التجديد الوطني” سنة 1992، والذي امتنعت السلطات عن الاعتراف به.

كان إلى جانب سلفه في رئاسة الحكومة، عبدالإله بنكيران، من مهندسي الانتقال الهادئ بجزء من الحركة الإسلامية من العمل الدعوي إلى العمل السياسي المباشر، حيث كان ممن قادوا المفاوضات مع الدكتور عبدالكريم الخطيب، الذي قبل أن يقوم حزبه (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية) باحتضان جزء من الحركة الإسلامية. وعندما عقد المؤتمر الاستثنائي للحزب سنة 1996، اختير العثماني عضوا في الأمانة العامة. فاشتغل على التأصيل الشرعي للمشاركة السياسية، حيث أصدر عشية انتخابات 1997 كتابا موسوما بـ “فقه المشاركة السياسية عند شيخ الإسلام ابن تيمية”، إضافة إلى مجموعة من المقالات حول الفقه السياسي والفقه الدعوي. تقليد سيكرّسه العثماني شهر يونيو الماضي، حيث أصدر كتابا جديدا بُعيد تعيينه رئيسا للحكومة، حرص على إهدائه إلى الملك في واحدة من نسخه الأولية التي سبقت نشره. وفيما عنون العثماني كتابه الجديد بـ”التصرفات النبوية السياسية”، برّر إهداءه للملك قبل صدوره بالقول: “لقد فعلت ذلك حتى لا يفاجأ الملك بإصدار رئيس حكومته لكتاب بدون علم جلالته”.

يتولى القيادة في المنحدرات

الفترة السابقة التي تحمل فيها العثماني مسؤولية قيادة الحزب عقب رحيل مؤسسه عبد الكريم الخطيب، شهدت تداعيات عمليات 16 ماي 2003 الإرهابية على الحزب، والتي تميزت بمحاولة حلّه. “إنها ساعة الحقيقة ونهاية زمن التساهل في مواجهة من يستغلون الديمقراطية للنيل من سلطة الدولة، أو من يروجون أفكارا تشكل تربة خصبة لزرع أشواك الانغلاق والتزمت والفتنة”، قال الملك محمد السادس في أعقاب أحداث 16 ماي 2003. ليسارع سعد الدين العثماني، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية آنذاك، وهو الحزب المعني بإشارات الخطاب الملكي، إلى الإعلان أن حزبه سيراجع استراتيجيته في الانتخابات المقبلة وأنه سيعيد تقليص حجم مشاركته في الانتخابات الجماعية التي كانت على الأبواب، لقطع الطريق على الجهات التي كانت تضغط باتجاه حل الحزب. ومع صعود العثماني إلى قمة الحزب الإسلامي، تزايد انحناء هذا الأخير أمام موجة الاتهام التي كادت تعصف به محملة إياه “المسؤولية المعنوية” عن تلك الأحداث الدامية.

عمل العثماني حينها على إظهار الوجه الرسمي والمتعقل للحزب تاركا الأدوار الأخرى لقادة آخرين، كما حاول فك لغز علاقات حزبه مع القوى الدولية. فهو إسلامي لا يحفظ القرآن ولا يؤمن بالرؤى ويعتبرها تمثلاث للاوعي الأشخاص، والحجاب بالنسبة إليه حرية شخصية و”لن نرغم أحدا على ارتدائه أو خلعه” رغم أنه اختار زوجة محتجبة من شعبة الدراسات الإسلامية، حيث تعرف عليها حين كان في سنته الأخيرة بكلية الطب، فبادر إلى الاتصال بها عن طريق رسالة فحصل التجاوب. لبق في ردوده على تساؤلات الصحافيين الحرجة، يأخذ كل وقته لصياغة الجواب الأكثر دبلوماسية، فيصبح كل شيء جميلا وكل شيء ممكنا، جاعلا فواصل كلامه ابتسامته الدائمة. يتقن لغة الدبلوماسية التي يلجأ إليها عند الحاجة قبل أن يصبح وزيرا للخارجية بعد الربيع العربي. هو حامل ملف الأمازيغية داخل حزب الإسلاميين، والصوت الذي خرج ليقدّم موقفا منفتحا باسمه أثناء الجدل الذي دار حول إصلاح القانون الجنائي في الفصول الخاصة بالإجهاض.

الملك يجعله مرتاحا

كان اسم سعد الدين العثماني من بين الشهادات والحوارات التي أنجزها الصحافي عمر بروكسي أثناء إعداده لكتاب “ابن صديقنا الملك”. وحكى العثماني قصة لقائه الأول بالملك محمد السادس: “التقيته في شتنبر من العام 2007 بصفتي الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وحدث ذلك بالقصر الملكي بالرباط غداة الانتخابات التشريعية لـ7 شتنبر من تلك السنة. دام اللقاء بيننا عشرين دقيقة، وأول انطباع تشكّل لدي هو أن الأمر يتعلق بشخص يعرف كيف يجعلك مرتاحا”. وعن أهم ما دار بينه وبين الملك محمد السادس في هذا اللقاء، قال العثماني إن الملك أراد معرفة ما إن كانت للحزب طلبات معينة، “فعبّرت له عن الأمل في أن يتعامل معنا الإعلام العمومي بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع باقي الأحزاب. وبينما كنت أتحدث، كان ينصت بإمعان ويسجل رؤوس أقلام في بعض الأحيان”.

 

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي

عاجل

تسجيل 9428 إصابة جديدة بكورونا و1766 حالة شفاء و27 وفاة خلال الـ24 ساعة الماضية X