عظم الله أجركم...

15 ديسمبر 2017 - 18:00

للباحث الفرنسي الراحل كلود بلزولي كتاب قيم، رصد فيه، قبل 46 سنة، حكاية الموت البطيء للأحزاب السياسية المغربية المنحدرة من الحركة الوطنية، من خلال رصد مسلسلات انشقاقاتها وانقساماتها، والتي لم تنفع معها «كتلة وطنية» ولا «كتلة ديمقراطية»، وأحيانا القدير حتى أصبحنا ليس فقط أمام الموت البطيء للأحزاب النازلة من شجرة الوطنية، بل صرنا أمام الموت السريع للأحزاب الجديدة، إسلامية وإدارية وسلطوية، لترك الحقل السياسي فارغا إلا من جماعة العدل والإحسان، وشباب الشارع الذي يخرج وقتما أراد وكيفما أراد دون سابق إشعار، كما حصل في الربيع المغربي قبل ست سنوات وكما حدث أخيرا في الريف وزاكورة، وغيرها من بؤر التوتر الاجتماعي.
تيار الاستوزار في حزب العدالة والتنمية استيقظ مسرورا يوم الاثنين بانتصاره على بنكيران وصحبه، وذهب العثماني إلى القصر الملكي بالدار البيضاء مزهوا «بقتل الزعيم»، ولو بنسبة 1,8% التي فاز بها على غريمه الأزمي، بعدما هدد الطبيب النفسي أعضاء حزبه بالاستقالة من الحكومة إذا لم يعطه المناضلون أصواتهم. العثماني يشبه لاعب كرة قدم يسجل ضد مرماه، وعوض أن يتأسف على النيران الصديقة هذه، راح يلوح بشارة النصر، دون أن ينتبه إلى أن فريقه هو الخاسر، وأن تسجيل الأهداف كان يجب أن يكون في مرمى الخصم لا في مرمى الصديق.
الاتحاد الاشتراكي لم يعد أحد يتحدث عنه، لا بالخير ولا بالشر، لأنه ببساطة خرج من المعادلة، وأصبح مجرد «طفيلي» في موائد الأعراس الانتخابية، يحضر دون دعوة وينصرف دون سلام. حزب الاستقلال عاد إلى ثلاجة «التيار التقليدي» في الحزب ومع بركة وولد الرشيد. لن يعود لحزب الاستقلال مجده القديم، ولن يجد مجدا جديدا، سيكون مثل العجين في يد الخباز سيصنع به ما يشاء في خريطة سياسية وحزبية تنزل من الأعلى، وتطلب من الجميع أن يتأقلم معها جبرا أو اختيارا. البام الذي كان «فلتة» العهد الجديد، مات قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، أصابه بنكيران في مقتل بعدما ألصق به وصف التحكم، وأصابه أصحابه باللعنة عندما سلموا مفاتيحه إلى الأخ «جبلووون»، فأخرجوه من الحقل السياسي إلى حقل الفكاهة والتندر، أما التقدم والاشتراكية فإنه سيضع كل ما ربحه مع بنكيران من مكاسب في شباك الزلزال السياسي الذي عصف بأمينه العام، وحوله من زعيم سياسي إلى مشتبه فيه بالتقصير في إنزال منارة المتوسط من السماء إلى الأرض، كما لو كان موظفا في السلك الإداري. أما أحرار أخنوش وحركة العنصر ودستوري ساجد فإنها أصفار على الشمال، أفضل ما يمكن أن تقوم به أن تكون عجلات احتياط لعربة معطلة، أما أن تقود هذه الأحزاب المشهد السياسي وهي غائبة عن القاعدة الاجتماعية فهذا ضرب من الخيال، وادعاء لا يقول به حتى أصحاب هذه الدكاكين السياسية لأنهم غرقى، ولا يتشبث غريق بغريق.
ماذا بقي من قوى سياسية يمكن أن تلعب دور الزعامة والتأطير والوساطة والاقتراح، وامتصاص ارتدادات الاصطدام بشارع فقير وغاضب ويائس، يمكن أن يميل مع أي صوت يبشره بالخبز والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، في بلاد توزع الندرة ولا توزع الوفرة في كل شيء.
اليوم حق لجماعة العدل والإحسان أن تدق الدفوف، وأن تنشد الأناشيد، لأن الأطروحة التي رفعها عبد الإله بنكيران وحزبه تذوب تحت أشعة فصل الخريف. إنها نهاية أطروحة «التغيير من الداخل، والإصلاح عن طريق التوافق، ومصالحة الناس مع السياسة تحت سقف الاستقرار»، وهلم شعارات صاغها بنكيران وباها تحت تأثير أحلام البدايات، والآن تحولت إلى عبء على كاهل الطبيب النفسي الذي تخلص من كل أنصار بنكيران في الأمانة العامة وكأنه صعد بـ99%، ويريد أن يهدي الحزب على طبق من ذهب إلى السلطة التي ضاقت ذرعا بشعبية المصباح وكاريزمية بنكيران، فجاءت بالعثماني «سانديك سياسي» ليصفي هذه التركة، ويدخل الحزب إلى بيت الحكومة الضيق، وإذا بقي منه شيء خارج هذا الصندوق، فأرض الله واسعة.
المرشح الأوفر حظا لاستغلال هذا الفراغ السياسي الحاصل اليوم، بعد انتهاء فصل تجريف الأحزاب السياسية وقطع أشجارها… تياران؛ الإسلام السياسي والغضب الشعبي، والذي يقول خلاف ذلك فإما أنه يسقط رغباته على الواقع، وإما أنه يبيع الوهم لمن يريد أن يصدقه.
كانت أحزاب الحركة الوطنية تتصارع مع القصر من أجل تقليص سلطات واختصاصات الجالس على العرش في الدستور والواقع، واليوم تتصارع الأحزاب السياسية مع الدولة لاسترجاع بعض من استقلاليتها الداخلية وبعض اختصاصات وصلاحيات زعمائها. لو عاش الحكيم بلزولي إلى اليوم ربما غير من عنوان كتابه من الموت البطيء إلى الموت السريع… عظم الله الأجر في السياسة والديمقراطية والإصلاح، والله يبدل «الفقصة» بالصبر.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ahmed biya منذ 3 سنوات

السيد توفيق يعبر بحق عن تيار ديمقراطي اصيل في المغرب والعالم العربي وهو من القلائل الذين يضعون اصابعهم على جوهر الاشياء ولا ينخدعون بالمضاهر و المساطر والقوانين الداخلية و الخارجية لذالك لم يتزحزح قيد انملة عن قناعاته الديمقراطية الجذرية . وهذا ما يتجلى في افتتاحياته وكتاباته عموما انا شخصيا اشاطره نفس القناعات إلا اني اختلف معه حول قراءته لدور بن كيران . السيد توفيق يراهن كثيرا على بن كيران لقيادة المرحلة نظرا لما يتمتع به من كاريزما و شعبية مكنت الحزب من تبوؤ مكانة في المشهد السياسي في المغرب غير مسبوقة .وانا ارى ان هذا رهان خاسر للاسباب التالية : السيد بن كيران يفتقر الى رؤيا استراتيجية ناتجة عن قراءة غير موفقة للوضع السياسي بالمغرب و للحديث بقية .

حي ضمير منذ 3 سنوات

العثماني يشبه لاعب كرة قدم يسجل ضد مرماه، وعوض أن يتأسف على النيران الصديقة هذه، راح يلوح بشارة النصر، دون أن ينتبه إلى أن فريقه هو الخاسر، وأن تسجيل الأهداف كان يجب أن يكون في مرمى الخصم لا في مرمى الصديق.

عبد المولى رأس العين منذ 3 سنوات

"اليوم حق لجماعة العدل والإحسان أن تدق الدفوف، وأن تنشد الأناشيد" ماأظن أن العدل والإحسان بالتي تتغنى وتفرح وتشمت ب"الخصوم". حيث أن من شعاراتها أنها ليست من هواة سياسة الكارثة. ولا تركب على مآسي الآخرين لتحقيق المكاسب فهي كانت وماتزال وستظل تطالب بوحدة الكلمة ووحدة الصف في مواجهة الاستبداد والفساد الحقيقي. وهي التي لا تستحيي ولا تتوانى في التأكيد على أن الوضع في المغرب أكبر وأصعب من أن يتصدى له طرف واحد كيفما كانت قوته وشعبيته.

ع الجوهري منذ 3 سنوات

لو عرفتوا السيد العثماني عن قرب لما قلتم هذا الكلام عنه وما تجهلونه كذلك أن لا فرق في الجوهر بين السيد بنكيران والعثماني فقط بنكيران كمن يصلي جهرا والعثماني يصلي سرا فالإثنان من المصلين فجزاكم الله خيرا لا تشوشو عليهم

محمد احيد منذ 3 سنوات

الشعب المغربي فقد الثقة في الاحزاب اخرهم حزب المصباح..

Mahdi منذ 3 سنوات

اذا كانت الفلسفة هي ام العلوم فالسياسة هي ام الفنون . بنكيران لم يكن فنانا . بنكيران جمع بين الجد و الهزل و لذلك اعتبره ساذجا . و هو قد لاقى جزاء سنمار في اعتقادي و اظن انه يشعر بانه قد لاقى جزاء سنمار . ليس لدي اي مشكل مع بنكيران فانا لا اكره بنكيران و لا احبه في نفسالوقت .

Mahdi منذ 3 سنوات

ان التغيير او الاصلاح من الداخل هذا يقوم به من هو في الداخل اما حزب العدالة و التنمية فكان و سيظل على الهامش . فالوصول الى الحكومة لا يعني الوصول الى الحكم . ان عبد الاله بنكيران رئيس الوزراء السابق لم يكن يرى الملك الا على شاشة التلفزيون و عندما كان يحظى بلقاءالملك كان يخبر بها القاصي و الداني .

محمد.ك منذ 3 سنوات

ان العثماني ومن معه اختاروا موقفهم اما خوفا اوطمعا ولاشيء غير ذلك. ويا له من موقف بئيس.

احمد اولاد عيسى منذ 3 سنوات

سلم يراعك وفتح الله عليك السي توفيق.مقال أجده أكثر من رائع..

الفاتحي منذ 3 سنوات

احسن ما يمكنني ان اقول بيتين شعريين الاول للاستاذ المحترم عبد الاله بنكيران والثاني لابن عرفة العثماني : وظلم ذو القربى اشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند اما الثاني: علت المزابل والقصور تهدمت ورنا الى العلياء من لا يشرف

Mimoune Jalti منذ 3 سنوات

لقد أصاب سعد الدين العثماني عندما اختار أعضاء أمانته العامة بالغربال، هذا هو الأصح وحسنا فعل، فهذا ما يليق مع من أرادوا أن يتنكروا للديمقراطية والدستور، واختاروا أن يكونوا مريدون للشيخ وعبيد للسيد الزعيم

التالي