العثماني.. رجل يمشي فوق الألغام دون أن تنفجر

17 ديسمبر 2017 - 21:02

“جون أفريك: لنحلم قليلا، نحن في العام 2007، الانتخابات التشريعية جرت كما يجب وحققتم فيها انتصارا كبيرا… كل شيء يتم كما يجب والدكتور العثماني يصبح الوزير الأول للمملكة. ماذا ستفعل في المائة يوم الأولى في السلطة؟

العثماني: ليست هناك أي معجزة، لا أومن بهذه الأيام المائة التي تتحقق فيها المعجزات. الإصلاحات تحتاج إلى تحضير أكثر من القطائع، فهي تكون نتيجة مسار. المهم هو أن نحتفظ بأولوياتنا: تحسين الحكامة، محاربة الفساد، وإصلاح الإدارة”.

هذا الحوار يعود إلى فبراير 2006، أنجزه الصحافي المخضرم حميد برادة لحساب مجلة “جون أفريك” الفرنسية، في سياق كان يتسم بشبه إجماع حول توقع فوز حزب العدالة والتنمية بانتخابات 2007، وبالتالي، تعيين العثماني وزيرا أول. لكن ذلك لن يتم، حيث خرج الوزير القوي في الداخلية حينها، صديق الملك فؤاد عالي الهمة من الوزارة ليؤسس نواة حزب الجرار، فيما فاز حزب الاستقلال بالصدارة في تلك الانتخابات.

هذا الحوار دام حسب ما يرويه برادة بين 11 صباحا والخامسة مساء، لم يتخلله سوى وجبة سريعة، عبارة عن طبق من البايلا. والانطباع الذي خرج به الصحافي الذي خبر السياسة والسياسيين، يقول فيه واصفا العثماني: “يحرص على التأمل بعد كل سؤال، ويأخذ الوقت لصياغة الجواب، أو بالأحرى لتركيبه موظِّفا عبارات من العربية والفرنسية. يبذل جهدا كبيرا ليجد العبارات المناسبة، لكن أيضا لجعل الزوايا تصبح دائرية، وحذف الكلمات القاسية، والتقليل من التناقضات. عند سماعه، تخال أن الجميع جميل، طيب، لكنه رغم ذلك لا يطمئن”.

برادة يسجل كيف أنه وطيلة مدة الحوار، ظل سؤال واحد يتردد في ذهنه: “من هو حقا الدكتور سعد الدين العثماني؟ هل يخفي لعبته بشكل مقصود أم إن كل ما في الأمر أنه ليس له ما يقوله؟ أعتقد أنه لا بد هنا من استحضار مفهوم “التقية”، هذه الاستراتيجية الخاصة بالإخفاء، والتي تسمح للمؤمن عند المواجهة باللجوء إلى جميع الحيل، بما فيها اعتناق دين الخصم من أجل القضاء عليه”.
الحوار الذي نشرته المجلة في أبريل 2006، أرفقته بمقدمة تقول: “انتخاب الدكتور العثماني أمينا عاما، سمح بإزاحة كل من بنكيران والرميد، الثنائي الصلب. باختياره يتم إبعاد منافسين قويين وإظهار الحزب الإسلامي في أحسن صوره. فبوجود الدكتور العثماني على رأسه، يتوفر حزب العدالة والتنمية على كل ما يلزم لإثارة الإعجاب”.

هو رجل “الصفر مشاكل”، يعتبر أن السياسة، التي جاء لممارستها من داخل عباءة الفقيه، تعني كل شيء إلا الصراع والاصطدام مع الخصوم. المسار السياسي والأكاديمي الطويل الذي قطعه يجعل السؤال الذي ظل يتردد في ذهن حميد برادة أكثر من مشروع. كيف لمن درس الطب في شقيه العام والمتخصص، ونشأ في دار العلم والفقه، وزاوج بين تكوينه العلمي ودراساته الشرعية، أن يكون ما يقوله هو بالفعل كل ما يدور بذهنه؟

في كنف عائلة أمازيغية عريقة وصفها المختار السوسي بأنها عائلة تسلسل فيها العلم لما يزيد عن ألف سنة، ازداد سعد الدين العثماني مستهل سنة 1956 بإنزكان، حوالي 600 كيلومتر جنوب العاصمة الرباط. كان في طفولته يدخر ما استطاع طوال السنة لشراء الكتب، ما مكنه من الاطلاع على مؤلفات سيد قطب ورسائل حسن البنا، والتي أثارت انتباهه إلى ضرورة المشاركة في عمل إسلامي دعوي منظم. “… أنا أيضا أمازيغي، تربيت في أحضان الأمازيغية وأعتز بذلك، ولذلك فأنا لست منزوعا من أمازيغيتي”، يقول العثماني ذات ندوة جمعته بالناشط الأمازيغي أحمد عصيد، مخافة أن يكون هذا الأخير قد نسي أن “امحمد العثماني” والد سعد الدين العثماني، كان عضوا في جمعية البحث والتبادل الثقافي، التي تعتبر من بين أكبر وأقدم مكونات ما أصبح يعرف بالحركة الأمازيغية.

بروز إسلاميي العدالة والتنمية بقوة في الواجهة خلال السنوات القليلة الماضية، جعل الراحل عبدالله بها يرتبط في أذهان الجميع بصديقه ورفيق دربه السياسي عبدالإله بنكيران. لكن الشخص الأول الذي تعرف على “الحكيم” ودخل معه رحلة الدعوة والسياسة كان هو سعد الدين العثماني. هذه العلاقة سبب إقامتها هو الحظ العاثر الذي تسبّب في تكرار عبدالله بها سنة من التعليم الابتدائي رغم نجاحه فيها، حيث مر الموسم الدراسي 1971/1972 في جو مضطرب، إذ لم تتوقف الإضرابات التي كان ينظمها تلاميذ اليسار فكانت تلك السنة بيضاء واضطر عبدالله بَهَا إلى تكرارها، وهو ما سيؤدي إلى اجتماعه بالعثماني في قسم دراسي واحد.

توطّدت العلاقة بين الطفلين عبدالله وسعد الدين، خاصة أن هذا الأخير كان يتوفر على مكتبة دينية غنية تعود لوالده الفقيه محمد العثماني. وهي المكتبة التي أغرت عبدالله بَهَا وراح يتردد عليها أسبوعيا. فـ”تطور العمل بالنسبة إلينا، وفكرنا سعد الدين العثماني وأنا أن نؤسس جمعية الشبان المسلمين، وذلك في الموسم الدراسي 1972/1973″، يقول الراحل عبدالله بَهَا في أحد حواراته. كان اليافعان يكتشفان الفكر الإخواني، خاصة أن تلك الفترة شهدت انفراجا في علاقة الإخوان بالسلطة في مصر، مع وصول أنور السادات إلى الرئاسة.

سينتقل عبدالله بها رفقة العثماني إلى ثانوية يوسف بن تاشفين في السنة الموالية، وهناك وجدا مسجد المؤسسة مهجورا ومهملا، فقاما بإحيائه وجلبا إليه بعض الحصائر رغم المعارضة الشديدة التي واجهوها من طرف التلاميذ اليساريين، “ولكننا نجحنا في مبادرتنا لإحيائه، وتكونت مجموعة من التلاميذ متعاونة معنا في هذا الدور، فصرنا ننظم عملية الصيام كل اثنين وخميس، ونحضر الدروس في المسجد بشكل منظم”، يضيف الراحل بها. هذا البحث عن “الرفقة الدينية” والانتماء التنظيمي، كان سيوصل عبدالله بها إلى الانتماء إلى جماعة العدل والإحسان، لميله إلى التصوف وقراءته كتب عبدالسلام ياسين وقربه من الزاوية البوتشيشية. لكن صداقة سعد الدين العثماني، ستوصله إلى جماعة الدعوة والتبليغ، حيث كانا يترددان على مدينة الدار البيضاء، معقل هذه الجماعة الدعوية المسالمة والحريصة على الابتعاد عن السياسة.

كان سعد الدين العثماني، كثير التردد على مدينة الدار البيضاء في مرحلة الصبا. وكان يواظب على الذهاب كل يوم سبت إلى مسجد سوق الأحد بالحي الصناعي للمبيت فيه، “وفي صباح يوم الأحد يقبل الناس على المسجد، وكنا نتابع كل أنشطة التبليغ من دروس و”بيان” وما هو متعارف عليه عندهم من جولات وخروج داخلة المدينة، واستمر بنا العمل مع جماعة التبليغ طيلة الموسم الدراسي 1974/1975 وحضرنا في سنة 1975 تجمعين لإخوة التبليغ في البيضاء، وكان التجمع الأول في فصل الربيع والتجمع الثاني في فصل الصيف، وهو المؤتمر السنوي الذي عقدته الجماعة وحضره عدد كبير من الإخوة من مختلف مناطق المغرب”، يحكي الراحل بَهَا في أحد حواراته الموثقة. وفيما كانت صدمة بَهَا كبيرة لمشاهدته كيف يقوم بعض الطلبة بامتهان رغيف الخبز في مطعم الحي الجامعي، كان على سعد الدين العثماني أن يمارس دور المساعد النفسي بشكل مبكر، حيث راسله بَهَا كتابيا، ” أشكو إليه حال اغترابي وما شهدته في الرباط من أحوال، وكان مما قلته له أشعر أنني في لجة من اليم ولست أدري كيف أخرج منها”.

قطع العثماني جل مساره الدعوي والسياسي مزاوجا بين الحضور المستمر، والصمت شبه الدائم. عدم اتفاقه مع المنحى الذي يتخذه الحزب أو الجماعة لا يدفعه للابتعاد، بل ينزوي في ركن غير بعيد ويلوذ بالصمت في انتظار الوقت المناسب. لحظة تجسدت في فترة اشتداد الخلاف بين عبدالإله بنكيران وعُرّاب الحزب، الراحل عبدالكريم الخطيب، حيث شكل العثماني حلا يضمن السلم الداخلي. وتكرر اللجوء إليه بعد ضربات 2003 الإرهابي التي كادت تنهي وجود الحزب، حيث انتخب أمينا عاما. لكن ما يسجله خصومه عليه، أنه يحسن الانحناء، لكنه لا يجد طريقا سالكة لمعاودة الوقوف. فالحزب في العام 2007 كان في ذروة قوته، وخاض انتخابات تلك السنة في ظل هبوط سريع لحزب الاتحاد الاشتراكي، لكنه لم يحقق الإنجاز الذي انتظره الجميع بشبه يقين، أي تصدر الانتخابات.

“لا وجود لأي ضمانات قدمها الخطيب، لكنني أعتبر أن منطق الدولة المغربية لم يكن قط إقصائيا ضد شريحة معينة، بل عندها هامش يسمح باستثماره من طرف الحركات السياسية، وهذا يتجلى ليس في وجود العدالة والتنمية فقط، بل في أحزاب أخرى راديكالية وموجودة”، يقول العثماني لـ”أخبار اليوم” قبل سنتين، بمناسبة ذكرى رحيل عبدالكريم الخطيب. رجل الابتسامة الغامضة جرب بين الفينة والأخرى لغة التصعيد بشكل ملطف. ففي بدايات مرحلة “البلوكاج” التي واجهت بنكيران، خرج العثماني مستهل دجنبر 2016 ليقول إن خصوم حزبه دفعوا بكثير من السيناريوهات، من بينها حكومة وحدة وطنية يقودها تكنوقراطي، “لكن مادام الدستور واضحا فلا يمكن، والباحثون الذين اقترحوا أمورا غير دستورية رد عليهم باحثون آخرون. نعم، يمكن أن نلجأ إلى انتخابات سابقة لأوانها، لكن لا يمكن تعيين رئيس حكومة من خارج الحزب الأول”، يقول العثماني، الذي سيصبح رئيس الحكومة من الحزب الأول.

“كانت زيارتي الأولى للمغرب، وكنت أعرف الرجل شكلا دونما لقاء سابق.. ولفت نظري بساطته وقدرته على الاشتباك في الحديث والسير به في اتجاهات وقضايا يعز على السياسيين الخوض فيها.. تجاذبت وأحد الحضور حديثا جانبيا عن الأحوال ومستقبل المغرب، فإذا به يشير إليه قائلا: “عليك بسعد الدين العثماني، فهو رئيس وزراء المغرب القادم”. هذه النبوءة تعود إلى أكثر من عقد مضى، وهي من كتابة الصحافي المصري الراحل، حسام تمام، الذي كان قد زار المغرب في إطار تخصصه العلمي في الحركات الإسلامية. “قضيت أسبوعين بالمغرب في لقاءات وزيارات ومناقشات في الشارع وبين النخبة، وحين أردت عمل جرد أو حساب ختامي للرحلة كانت النتائج كلها تقول إنني قد أحتاج في الزيارة القادمة لموعد مسبق من مكتب رئاسة الوزراء قبل لقاء آخر مع سعد الدين العثماني الذي أكتب عنه الآن، ولم يزل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذات التوجهات الإسلامية”. لكن الأقدار لم تمهل الصحافي المصري إلى أن يشهد تلك اللحظة التي تأجلت عشر سنوات.

في حواره الشهير مع مجلة “جون أفريك” بداية 2006، واجه العثماني سؤالا يقول: “ما هي القرارات التي ستتخذونها كي يشعر المغاربة أن حزب العدالة والتنمية يوجد في الحكومة؟”، فكان جواب العثماني أن الأمر بسيط، إذ يكفي أن يبقى إخوان العدالة والتنمية على ما هم عليه “أي قرب الناس. كما كان الحال في الماضي، سوف نحافظ على حوار مثمر مع مواطنينا لمعرفة انشغالاتهم. وبما أننا سنكون كما تفترض في الحكومة، فإننا سنعمل على إخبارهم بحقيقة المشاكل”.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Mahdi منذ 3 سنوات

ان قيام العثماني بتشكيل الحكومة بعدما قدم جميع التنازلات يعتبر صفعة لبنكيران تضاف الى باقي الصفعات التي تلقاها بنكيران ما ظهر منها و ما بطن .

التالي