العثماني فقد أعصابه

23 ديسمبر 2017 - 18:00

لو سألتم رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، عن عدوه رقم واحد هذه الأيام، سيقول لكم إنه كاتب هذه السطور. أما الفقر الذي يمس ثلث الساكنة، أو الأمية التي تمس ربع سكان المغرب، أو البطالة التي تدمر 30% من الشباب المتعلم، أو البرد الذي يقتل المهمشين في الشارع، أو التعديل الحكومي الذي تأخر أكثر من اللزوم، فهذه مشاكل ومعضلات تأتي في مرتب متأخرة من اهتمامات الطبيب النفسي، الذي فقد التحكم في أعصابه، وانهال بالتقريع على صحافي لا يملك إلا قلمه، في تجمع للشباب في بوزنيقة نهاية الأسبوع الماضي، متهما إياه «بالكذب»، ومدعيا أنني شخصيا طلبت لقاءه فرفض، ومختتما تعريضه بشخصي المتواضع بالقول إن بعض أعضاء الحزب، للأسف، يصدقون ما أكتبه، «وهذا بيت القصيد».
للسيد العثماني أقول إنك لست أول رئيس حكومة يشتكي قلمي، قبلك فعلها بنكيران أكثر من مرة، حتى إنه قال لي مرة: «أنت أكثر قلم يقسو علي»، وذلك عندما كتبت في 2012 أن «بنكيران لاعب كرة جيد، ويمتع جمهوره، ويراوغ بمهارة، لكنه، للأسف، لا يسجل الأهداف، والجمهور سيمل بعد مدة قصيرة، وأنه أدخل الدستور إلى سوق البازار، وبدأ يبيعه بالتقسيط لشراء بطاقات التطبيع مع الدولة»، لكنه عندما اتخذ قرارات شجاعة، في المقاصة والتقاعد والإضراب ومساعدة الأرامل والزيادة في منح الطلبة قيمة وعددا، صفقنا له، وقبل بنكيران كان عباس الفاسي يؤاخذني بما يعتبره تحاملا على حكومته، عندما كتبت أنها أضعف حكومة في تاريخ المغرب، وفي عهدها تأسس البام تحت نظر عباس، الذي كان يقول عن حركة لكل الديمقراطيين إنها مجرد نادٍ للتفكير، في حين أن الزعيم، علال الفاسي، لم يتردد في الخروج من الحكومة سنة 63، بعدما شرع اكديرة في تأسيس بام تلك الأيام، والمقصود «جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية»، أما إدريس جطو فقد طلب مني، أكثر من مرة، حذف لقب «التقنوقراطي» عن اسمه، والكف عن تسمية حكومته بحكومة «الخروج عن المنهجية الديمقراطية»، وحتى عندما أعطانا حوارا جريئا دام سبع ساعات، رجع وطلب عدم نشره فاستجبنا له، أما عبد الرحمان اليوسفي، فلم يكن فمه يخرج «العار» في حق الصحافيين، لكن رفاقه في الاتحاد اعتبروا هذا العبد لله واحدا من «عصابة» الصحافيين الذين «هلكوا الاتحاد»، ونشروا غسيله على رؤوس الأشهاد خدمة لأجندة خفية.
مرة جئت إلى محمد البريني، ذكره الله بخير -وكان مدير جريدة «الأحداث المغربية» التي بدأت فيها مهنة «البحث عن المتاعب»- لأشتكي وزيرا اتحاديا هاجمني في ندوة صحافية، على تقرير إخباري كتبته عن «ديوان سعادته»، فقال لي البريني: «لا تلتفت إلى كلامه، بعد أربع سنوات لن يبقى هو وزيرا، أما أنت فستبقى صحافيا».
السيد العثماني يعرف، كما يعرف أصدقاؤه في الأمانة العامة للحزب، أن جريدة «أخبار اليوم» تفصل بين الأخبار وبين التعاليق، بين التقارير وبين أعمدة الرأي، ويعرف أن المصداقية التي لها اليوم جاءت بفضل احترامها أخلاقيات المهنة، وبسبب صمودها أمام الضغوط والإغراءات، أمام العصا والجزرة، وأن الناس يصدقونها لأنهم جربوها على مدى عشر سنوات، أو كما تقول الحكمة: «يمكن أن تكذب على الناس بعض الوقت، لكن لا يمكنك أن تكذب على الناس طوال الوقت»، وأتحدى رئيس الحكومة أن يقدم الدليل على كذبة واحدة نشرناها، أو بعث لنا تصحيحا حولها ولم ننشره. الحقيقة أن العثماني، وبعد ثمانية أشهر في الحكومة، بدأ يتعب، وبدأ يفقد توازنه من شدة الضغوط حوله، ومن شدة نزول أسهم الحكومة في بورصة الرأي العام. وعوض أن يرى نفسه في مرآة الصحافة، بدأ يرمي الحجر عليها دون تبين، ودون أن يفرق بين من ينتقده لإصلاح أخطائه، وبين من يطبل له ليدفعه إلى الهاوية. العثماني لديه مشكل مع رأي تعبر عنه هذه الافتتاحية، ويعتبر أن مجيئه في ظرف «سيئ» إلى رئاسة الحكومة، وبعد نجاح البلوكاج، جعل مهمته شبه مستحيلة، زد على هذا أن أسلوبه في إدارة المفاوضات مع الدولة أفقده كل الأوراق الرابحة التي مده بها صندوق الاقتراع. هذا رأي قطاع واسع من المدافعين عن التحول الديمقراطي في البلد، وقد سمع رئيس الحكومة أسوأ منه في مؤتمر حزبه، حيث وصف مناضلون في الحزب حكومة العثماني بـ«حكومة الإهانة»، وهذا ما لم نجرؤ نحن على قوله، إذن، لا داعي إلى «التدليس» وخلط الأوراق. يمكن أن تختلف مع هذا الرأي، وأن ترد عليه، وقد طلب منك مدير مكتب الجريدة بالرباط، الزميل عبد الحق بلشكر، أكثر من مرة، استجوابا لعرض وجهة نظرك، كما نفعل مع الجميع، لكنك رفضت.
أما حكاية أنني طلبت لقاءك وأنت رفضت، فهذا كذب في كذب. لم يسبق لي أن طلبت لقاءك أبدا، لا مباشرة ولا عبر وسيط، وإذا كان لديك دليل فانشره… ثم أن يرفض رئيس حكومة لقاء صحافي، على افتراض أنني طلبته، أمر ليست فيه بطولة أبدا، وهو أمر يعيبك ولا يعيبني في شيء، يا سعادة الطبيب النفسي.
أما قولك، السيد رئيس الحكومة، إن بعض شباب الحزب يصدق ما أكتبه، فهذا أمر أفتخر به، وأنت نفسك كنت تثني على ما أكتبه، وتمدح خط تحرير الجريدة في بقائها على الحياد في حرب داحس والغبراء، التي تجند فيها إعلام السلطة لمهاجمة حكومة بنكيران وحزب العدالة والتنمية، حيث استعملوا سلاح الإشاعات والكذب والافتراء، والدخول إلى غرف نوم بعض أعضاء الحزب، من أجل شيطنة مغاربة لهم اختيارهم ولهم حزبهم ولهم برنامجهم، وآخر مرة التقينا فيها، كانت بدعوتك إياي إلى منزلك في سلا حول مائدة العشاء، حيث تحدثنا في السياسة والفكر والفقه والإعلام، بحضور ضيوف آخرين مازالوا أحياء، ألم أكن آنذاك صحافيا يحترف «الكذب»؟ فقط الآن أصبت بهذا الفيروس؟ أنا لم أتغير يا سيادة رئيس الحكومة، أنت من تغيرت معاييرك، وتبدلت نظرتك، وأنا لا ألومك، فقط أطلب منك شيئا من لباقة أهلنا في سوس، وكياسة الفقهاء، وتجرد الأطباء.
وظيفة الصحافي أن «يزعج» وأن يدق الأجراس، وأن يتحدث بلسان النقد، لا أن يداهن أو يطبل أو يعظ بأجر أو بأمر.
دعني أحكي لك نكتة طريفة من لبنان تقول: «إن وزيرا جاء يشتكي إلى رئيس الحكومة نشر الكذب عنه في الصحافة، فابتسم رئيس الحكومة وقال بحكمة المجرب لوزيره: ‘‘هون عليك، واحمد الله أنهم يكتبون عنك الأكاذيب ولا يكتبون عنك الحقائق، لأن حقائقك أسوأ من أكاذيبهم’’».

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ابن عرفة ضفاف الرقراق منذ 3 سنوات

ما شدني في المقال هي أخلاق توفيق العالية لا تجد ولو كلمة فيها تحط من إنسانية وشخص العثماني او النه في عرصدضه وتاريخه المقال يدافع فيه توفيق عن نفسه من معلومة وصلته تفيد بأنه طلب لقاءه فكان في قمة التادب والاحترام للرجل الا ان شخصيته الاعتبارية كرئيس للحكومة فلا تعفي توفيق من التصدي لها اذا رأى انه زاغ عن الطريق او عن واعد به ناخبيه

mourad essaket منذ 3 سنوات

إنه الطبيب الصح في المكان الخطأ

بلقاسم محماد منذ 3 سنوات

عفوا جدا

بلقاسم محماد منذ 3 سنوات

صحيح،صحيح ثم صحيح جيدا، واصل يا استاذ وفقك الله

ca منذ 3 سنوات

اشرح لي سي بوعشرين لاصفق معك مادا في مشروع التقاعد و المقاصة ؟ mn

مواطن منذ 3 سنوات

لماذا إنتخابات سابقة ﻷوانها؟ ما ضر العثماني إذا بقى رئيسا شرفيا لحكومة أخنوش؟ لربما، إذا أعتبرنا "البلوكاج" الجديد (تأخير تعويض الوزراء المقالين)، تكون "القابلة" التي تكلفت بوﻻدة هذه الحكومة على المقاس، تهيئ "ختان".

ع الجوهري منذ 3 سنوات

لو كنت السيد توفيق رئيس الحكومة في ضل هذا النظام ما كنت كتبت هذا الكلام ولا حققت ما تطلبه من السيد العثماني فالجمهور ليس كمن في الملعب

kamal منذ 3 سنوات

a3tih l3asir

salahaddine منذ 3 سنوات

صلاح لك جزيل الشكر من كل مناضلي حزب العدالة والتنمية الاحرار ولا انتهازيين والمواطنين الدمقراطيين اصحاب المباذئ لا المصالح كلانقلابيين على الشرعية ؛امثال الرميد والرباح ويتيم ومن ولاهم ؛وعلى زعيمهم الرجل الفد والمحترم السيد بن كيران الذي اوصلهم إلى المواقع التي هم فريحون بها.وما يدوم حال.

طارق منذ 3 سنوات

ليس لي ما أقوله فيما يحدث في حزب العدالة والتنمية الذي خيب آمال كل الذين وثقوا في صدقيته ووفائه لمبادئه وأعطوه صوتهم وثقتهم ،إلا ماقالوا الرائع محمود درويش :سقط القناع ،سقط القناع عن القناع لا إخوة لك يا أخي لا أصدقاء قط القناع.. عن القناع.. عن القناع.. سقط القناع .. لا إخوة لك يا أخي،,,لاأصدقاء ! يا صديقي،,,لا قلاع ! لا الماء عندك،لا الدواء , لا السماء, ولا الدماء .. ولا الشراع ولاالأمام ولا الوراء.. حاصر حصارك .. .لا مفرُّ !

Mahdi منذ 3 سنوات

يشارك الشخص بكتابة تعليق لغاية ابداء رأيه فيما جاء في المقال من اجل إثراء النقاش و ليس من اجل الاقتصار على الثناء و المدح لكاتب المقال . كاتب المقال على الرأس من فوق و اهم من الثناء عليه التعبير عن رأيك في الموضوع .

عبدالعزيز العبودي منذ 3 سنوات

الوزير الاول الحقيقي هو اخنوش وأما السيد العثماني غير ديكور. انتخابات سابقة لأوانها وسيدق المسمار الأخير في نعش العدالة والتنمية.

عبدالإله الهار وش منذ 3 سنوات

يا جبل ما يهزك ريح..تحياتي أستاد توفيق بوعشرين

said ifni منذ 3 سنوات

كنت دائما الصحفي الذي نحبه ونثق في مصداقيه تابع في مسارك التحريري ولا تلتفت للانبطاح فبضاعتهم فاسدة

mohamed منذ 3 سنوات

bravo cher bouachrine notre journaliste préferé avec mehdaoui ,mais le reste c'est que de la merde

Hamid Elamarti منذ 3 سنوات

very taugh and very hard, I don't think he deseve all this

سفيان منذ 3 سنوات

للأسف الشديد خرجت حكومة العثماني في ظروف غامضة.وتعمل في ظروف غامضة.لم يعد يهتم لها أحد أصلا بعد ذهاب ابن كيران

Hassan منذ 3 سنوات

شكرا سيد توفيق اشاطرك الرأي تماما بن عرفة العدالة و التنمية و انقلابيوه سيعضون اصابعهم من شدة الندم على وساخة لعبهم مع الشعب عامة و مع من وثق فيهم خاصة بمن فيهم كبير الانقلابيين الرميد

Yahya oujdi منذ 3 سنوات

Tu reste le meilleur bonne fin ,chapeau monsieur toufik

التالي