بعدما كانت سنة 2017 فترة فراغ شبه شامل، تقاسمتها «حكومتان»، واحدة لتصريف الأعمال وأخرى للبحث عن المشروعية والمصداقية، تحلّ سنة 2018 مثقلة بالانتظارات والآمال.
المغرب، وبعد أكثر من عام من الجمود والفراغ على المستويات السياسية والاقتصادية، وفي ظل توالي الحركات الاحتجاجية في مدن وقرى الهامش، ينتظر في عامه الجديد أجوبة سياسية واقتصادية وتنموية توقف النزيف، وتعيد دفع عجلة التطوّر نحو الأمام.
الشهور التي قضتها الحكومة الحالية في المسؤولية، والمحطات الانتخابية الجزئية التي جرت في الأسابيع الماضية، أبانت عن إفلاس النخب والهيئات السياسية، وانسحابها من المشهد تاركة المجتمع وجها لوجه مع الأنوية الصلبة للدولة، من أجهزة أمنية وقضائية وسيادية.
في الأيام الأولى من 2018، يتواصل «بلوكاج» إداري مواز لـ«البلوكاج» السياسي الذي يهم الحكومة «الناقصة» بفعل إعفاء أربعة من وزرائها، حارما عدة مؤسسات استراتيجية من المسؤولين الذين يمكنهم تفعيل اختصاصاتها وأدوارها الحساسة.
فبعد شهور طويلة من دخول مؤسسات، مثل مجلس المنافسة والهيئة المركزية لمحاربة الرشوة، مرحلة شلل ناجم عن عدم تعيين رئيسين جديدين على رأس الهيئتين الدستوريتين المسؤولتين عن محاربة التلاعب بالأسعار والرشوة، دخلت مؤسسات استراتيجية جديدة خانة الافتقار إلى مسؤول أول.
أهم هذه المؤسسات الجديدة الملتحقة بلائحة المناصب الشاغرة، المكتب الوطني للماء والكهرباء، الذي أعفي مديره العام السابق، علي الفاسي الفهري، شهر أكتوبر الماضي، على خلفية اختلالات مشروع «الحسيمة منارة المتوسط»، والمكتب الوطني للتكوين المهني، الذي كان مديره العام السابق، العربي بن الشيخ، يشغل في الوقت نفسه منصب كاتب الدولة المكلف بالتكوين المهني.
ورغم انعقاد مؤتمره الوطني قبل أكثر من ثلاثة أسابيع، وخروج رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، من المشهد، ورفضه الاحتفاظ بأي مسؤولية في قيادة الحزب، مازال حزب العدالة والتنمية، المتصدّر نظريا المشهد السياسي، يبحث عن وصفة تمكّنه من تطبيع وضعيته التنظيمية والسياسية. جل المعطيات الآتية من داخل الحزب تؤكد غياب رؤية سياسية واضحة لدى الحزب بعد المؤتمر، وهو ما يحاول تجاوزه بتنظيم ما سمي بالحوار الوطني المرتقب انطلاقه في الأسابيع القليلة المقبلة.
إلى جانب «الزلزال السياسي» الذي تحدّث عنه الخطاب الملكي الأخير بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، وأثار نقاشات كبيرة، أعلن الملك محمد السادس، في المناسبة نفسها، أن «النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية».
ودعا الملك كلا من الحكومة والبرلمان، ومختلف المؤسسات والهيئات المعنية، إلى «إعادة النظر في نموذجنا التنموي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد»، ما يجعل 2018 سنة التطلّع نحو بوادر هذا النموذج الجديد الذي يحقق نمو الاقتصاد، ويسمح بتوزيع ثماره بشكل أقل تفاوتا.
سنة 2018 ستكون فترة مواجهة انتظارات اجتماعية ملحة وغير مسبوقة من حيث حجمها. كل التقارير الحديثة الصادرة عن مؤسسات رسمية، بدءا من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مرورا بالمندوبية السامية للتخطيط، وصولا إلى المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، تؤكد أن الهوة باتت سحيقة بين أغنياء المغرب وفقرائه.
أبرز تجليات هذه الهوة هو نسبة البطالة التي تضرب رسميا أكثر من 10 في المائة من مجموع المغاربة القادرين على الشغل. آخر دراسة نشرتها المندوبية السامية للتخطيط، حول هذا الأمر، تقول إن ثمار النمو تؤول إلى الأغنياء ومالكي رأس المال، مقابل انسداد قنوات توزيع فائض القيمة المضافة، عن طريق تقلّص وتيرة التشغيل بالأساس.
وبالأرقام، تقول الدراسة إن مجموع عدد فرص الشغل التي كان الاقتصاد المغربي يخلقها سنويا، في الفترة ما بين 2001 و2008، كان يصل إلى أكثر من 186 ألف وظيفة، لينخفض هذا الرقم، في الفترة المتراوحة بين 2008 و2015، إلى 70 ألف وظيفة جديدة كمتوسط سنوي.
2018 تستقبل مغربا ينزف عبر جروح اجتماعية غائرة، أكبرها جرح الحسيمة الذي تحوّل من حراك اجتماعي سلمي ومشروع، إلى هجوم شامل من جانب السلطات لاعتقال العشرات من الشبان واليافعين. بعد الحسيمة، أصبحت الاضطرابات الاجتماعية أحداثا متواترة، حيث سرعان ما أعقبتها احتجاجات زاكورة بسبب شح المياه، ثم حاليا احتجاجات مدينة جرادة المتنامية بفعل الخصاص الاقتصادي والاجتماعي الذي عرّته وفاة مأساوية لشابين كانا يبحثان عن الفحم في مناجم عشوائية. اضطرابات اجتماعية لا تبدو السياسات الرسمية الحالية قادرة على تخفيفها، حيث تشرع الحكومة هذا العام في رفع الدعم الموجه لمادة السكر، في ظل غياب أي دعم مباشر للفقراء. الحكومة أقدمت، في أول اجتماع لها في السنة الجديدة، على اعتماد مشروع قانون إطار يفتح الباب أمام نهاية مجانية التعليم في المستويين الإعدادي والثانوي، باعتبارهما ليسا إلزاميين في نظر الدولة.
إجراء يناقض ما خلص إليه تقرير «أين الثروة» الذي أنجزه المجلس الاقتصادي والاجتماعي بشراكة مع بنك المغرب، والذي خلص إلى أن أهم أسباب ضعف الرأسمال غير المادي المغربي، هو ضعف المستوى التعليمي، والذي يجعل المغرب يصنف في مراتب متخلفة مقارنة بدول لها المستوى التنموي نفسه.
في مرحلة العبور الزمني من سنة 2017 إلى العام الجديد، أعادت جبهة البوليساريو الانفصالية أجواء الحرب إلى معبر الكركرات الحدودي بين المغرب وموريتانيا، بعدما كان مجلس الأمن الدولي قد وضع حدا للتوتّر الذي عرفته هذه المنطقة منذ أواخر 2016. البوليساريو، وبعد تحركاتها الاستفزازية الجديدة داخل المنطقة العازلة، وتنظيمها مناورات عسكرية فيها الأسبوع الماضي، عادت هذا الأسبوع لتقدم على أول اختراق عسكري لمنطقة الكركرات، حيث أغلقت المعبر في وجه مشاركين في سباق للسيارات يربط بين الصحراء المغربية وموريتانيا.
شهر أبريل المقبل سيكون موعد أول اجتماع سنوي لمجلس الأمن الدولي حول الصحراء، في ظل تركيبة مؤسساتية مكتملة داخل أروقة الأمم المتحدة في علاقة بهذا الملف، بعدما كان اجتماع السنة الماضية انتقاليا. تحديات ترتبط بالخيوط الخارجية لهذا الملف السيادي، حيث تتواصل معارك المغرب الدبلوماسية في الساحة الإفريقية، بعد فشل المملكة في الحصول على مقعد داخل منظمة «صيدياو» لدول غرب إفريقيا، مع ما يعنيه ذلك من صعوبات داخل الاتحاد الإفريقي، الحضن الأخير للجبهة الانفصالية.