هل يشغل زعيم «الحمامة» مكانة «البام» في المشهد السياسي؟

05/02/2018 - 03:00
هل يشغل زعيم «الحمامة» مكانة «البام» في المشهد السياسي؟

كشفت الانتخابات الجزئية الأخيرة، التي شهدتها بعض المناطق، تضعضع حزب الأصالة والمعاصرة، وتراجعه لصالح نفوذ أخنوش وفريقه، ولعل الهجرة المستمرة لكبار أركان «البام» ورجال أعماله إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، خير دليل على ذلك، ذلك أن «الحمامة» استطاعت، بعد فترة وجيزة من بعثها، اقتحام قلاع العماري التقليدية، وكسر شوكة حزبه فيها، وانتخابات جهة سوس-ماسة شاهدة على هذا التحول التلقائي الذي تجلى في تغيير محمد الولاف، كبير رجال أعمال البام في مدينة أكادير، سابقا، جلده، وارتمائه في حضن «الحمامة»، وانتزاعه مقعد الدائرة باسمها. أحد مظاهر هذا التغول، أيضا، اختراق معاقل «البام» بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وإقناع أخنوش عددا من كبار ممولي حزب العماري بالجهة، بعد مفاوضتهم، بالالتحاق بحزبه، ما أثار حفيظة قيادات الأصالة والمعاصرة بالجهة، وعلى رأسهم أمينهم العام، وباعد الشقة بينهم وبين التجمع الوطني للأحرار.

المعطي منجب، المؤرخ والمحلل السياسي، يرى أن حزب التجمع الوطني للأحرار أصبح يزاحم بشكل كبير حزب الأصالة والمعاصرة في أداء مهمة رأس حربة ضد العدالة والتنمية منذ 2016، وذلك لأسباب عدة، منها الأخطاء والانتكاسات الكبرى التي ارتكبها أو واجهها البام، ومن ذلك الفضيحة المدوية الموسومة بمسيرة ولد زروال، وكذلك فشله الانتخابي النسبي سنتي 2015 و2016، رغم الأموال الطائلة التي ضُخت بكل الطرق في صناديقه، والتي وظفت في الإعلام والانتخابات. ورغم ذلك، يستدرك منجب، «فإنني لن أقول إن الأحرار سيعوض في النهاية «البام»، فهناك عدة أسباب لا تجعلني أرجح هذا، ومن ذلك أن الدولة غالبا ما تريد طمأنة الأعيان وكل المقاولين السياسيين الذين يعملون لصالحها (اللي كيگاجيو معها). فإذا تخلت عنهم بهذه السرعة، فإن ذلك قد يجعل هذه الفئة من المواطنين، أعني الذين يقايضون دعمهم للنظام بخدمة هذا الأخير مصالحهم الشخصية والفئوية، تفقد ثقتها في النظام، وهذا لن يشجع الآخرين على التعامل مع حزب جديد قد يُتخلى عنه هو الآخر بسرعة».

لذلك، يؤكد الباحث أن النظام يحبذ نوعا من الاستقرار والتدرج في قضية مثل هذه، ويوضح أن الأحرار علامة تجارية مستهلكة، لأنه ظهر منذ أربعين سنة، واستعمله النظام كما يريد في كل التشكيلات الحكومية، وفي كل أنواع المعارضات كذلك، لذلك، فمن الصعب رتق بكارته والخروج به للناس على أنه الحل السحري لمشاكل المغرب الاقتصادية والسياسية. اعتقد أن النظام سيدفع باتجاه خلق نوع من التعايش وتقاسم الأدوار بين البام والأحرار. فلما يكون مثلا هذا في الحكومة، يخرج ذاك إلى المعارضة والعكس بالعكس، لأن النظام يحتاج إلى أن يحكم عبر حزبه المفضل، كما يحتاج إلى ملء المعارضة عبر حزب آخر».

المحلل السياسي، رشيد لزرق، وضع الظاهرة في سياق زلزال سياسي قال إن المجال السياسي المغربي يعيشه، وطرح التساؤل: هل يكون لحظة ولوج منعطف جديد، في ظل عجز الأحزاب التقليدية عن خلق التوازن السياسي اللازم لتحقيق التداول حول السلطة؟ هل يمكن أن يحقق التجمع الوطني للأحرار هذه النقلة عبر السير في اتجاه تبني المشروع الماكروني في المغرب، في ظل تراجع الاتحاد الاشتراكي عن خطه السياسي وأدبياته الكلاسيكية، وبروز كيانات سياسية تظهر بالملموس أن التعددية المغربية تعرف أزمة أفكار وتنامي القيادات الشعبوية، حيث باتت الأحزاب التقليدية عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى، بل هناك انفلات عن الخط السياسي، وترديد مقولات خارج السياق السياسي للمزايدة دون قدرة على ترجمتها إلى واقع عملي.

فالتجمع الوطني للأحرار، كحزب وسطي من خارج الأحزاب التقليدية، حسب لزرق، يمكن أن يؤسس قاطرة التوازن السياسي، عبر تبنيه مشروع «المغرب يتقدم»، ويمكن أن يملأ الفراغ السياسي، ويعيد هيكلة الحقل السياسي، عبر الاتجاه إلى أن يحل حزب الأحرار، ويطلق حركة المغرب يتقدم. يمكن أن يسمح بخلق «حالة سياسية» لتحقيق اختراق شعبي بطريقة سريعة تجذب الشباب، الذي يفقد الثقة في النخب السياسية الحالية، ويتجه إلى طرح حلول اقتصادية تؤمن بالملموس وثقافة الإنجاز، من خلال الحقائب التي يدبرها في الحكومة، واستهداف شريحة الشباب الذين يرفضون الطرح الذي يقدمه العدالة والتنمية، ولا يثقون في الأحزاب التقليدية. ويمكن أن يلعب الأحرار، باعتباره يخلط بين اليمين واليسار في آن، دور الوسطية، وأن يكون مشروعه الاقتصادي توليفة من الليبرالية الاجتماعية على الطريقة الماكرونية. لكن يظل السؤال: هل هناك خيط ناظم يجعل من هذا المشروع جوابا فاعلًا وناجعًا لخيبة الأمل في العدالة والتنمية المفتقر أصلا إلى المشروع؟ فقد برهن العدالة والتنمية على أنه يفتقر إلى مشروعية الإنجاز، حيث شهد بروز القيادات الشعبوية الفاقدة للثقة والمصداقية، والتطاحن الداخلي، وغياب رؤية مستقبلية تقوم على مشروع وليس على شخص، كما أثبتت الانتخابات الجزئية أن شعبيته تشهدا انحدارا بشكل غير مسبوق.

بعث أخنوش لـ«الحمامة» من جديد راجع، حسب لزرق، إلى أن كبير التجمعيين صاحب مسيرة ناجحة لرجل مال وأعمال، ووزير ناجح في حكومة عبد الإله بنكيران، في وقت يعرف المشروع الاشتراكي ارتدادا، وهو في الوقت نفسه رجل ثقة يمكنه في هذا السياق أن يطلق حركية تعمل على تجاوز مزايدات الطبقة السياسية التقليدية، التي لم تعد قادرة على الفعل، وتمتهن المزايدة للتغطية على فشلها، ولم تعد قادرة على الحديث باسم الطبقة التي كانت تتحدث باسمها. وعمومًا يظلّ السؤال الأهم منصبا حول قدرة أخنوش على خلق حركة لتغيير المشهد السياسي، وأن يكون محفز الأحزاب التقليدية على إعادة بناء نفسها واستعادة المبادرة.

شارك المقال