قراقي: البيجيدي بات يدرك أن النجاح في الانتخابات لا يعني ممارسة السلطة

19/02/2018 - 03:04
قراقي: البيجيدي بات يدرك أن النجاح في الانتخابات لا يعني ممارسة السلطة

عبد العزيز قراقي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، أن حزب العدالة والتنمية بات يدرك أن النجاح في الانتخابات لا يعني ممارسة السلطة.

ما رأيك فيتجربة البيجيدي في الحكومةبعد حراك 20 فبراير، وهل توافق على ان الاسلامين وصلوا للحكومة لكنهم لم يصلوا للحكم؟

لكي يكون كلامنا موضوعيا من الضروري مقارنة تواجد حزب العدالة والتنمية في الحكومة اليوم، مع الماضي أي عقب نتائج انتخابات 2011، لقد كان الحزب يبدو حاملا لمشروع سياسي تحكم الكثير من مضامينه قضايا يطرحها الاختيار الديمقراطي، وتفاعلت معه الكثير من الفئات الاجتماعية لبلورته لخطاب يغري من خلال تمركزه حول محاربة الفساد، وانتظر الناس كثيرا لوائح المأذونيات التي نشرتها الحكومة، واعتقد الجميع أن عهد الشفافية قد حل، وقبلوا أحيانا ببعض القرارات المؤلمة، ما دام أن زعيم الحزب آنذاك استطاع أن يقنع الناس بأن ذلك من أجل مصلحة مغرب جديد بشر به الدستور، وفرضت بعض الاختيارات التي لم يكن الجميع متفقا حولها من قبيل اشتراط المباريات كآلية وحيدة لولوج مناصب الوظيفة العمومية، وإصلاح التقاعد، الذي فرض بصيغة أخرى اقتطاعات قلصت من الأجور، وقدمت نمودجا لحساب معاشات التقاعد فيه نوع من التراجع عن مكتسبات النظام القديم، وعادت للسياسة حرارتها المعتادة وبلورت الحكومة في البداية خطابا سياسيا قويا مبنيا على الصراحة، ومقاربة مؤسساتية جديدة، وقد ساعد في كل ذلك تواجد زعيم سياسي ابتدع لنفسه طريقة متفردة في التواصل السياسي، جعلت الكثيرين يقبلون على تتبع خطاباته و تحولت لحظات خروجه الإعلامي إلى لحظات تحظى بالتتبع الواسع، وبالرغم من أن تلك الحكومة كانت تضم أطرافا أخرى فلا أحد من القيادات السياسية استطاع أن يتصدر المشهد مثلما فعل السيد ابن كيران.

أما تواجد الحزب اليوم في الحكومة فهو نتيجة مسار تحول فيه الحزب من قوة سياسية بوأها الناخبون المرتبة الأولى إلى حزب مسؤول في شخص زعيمه السابق عن عرقلة تأسيس الحكومة، وبقدرة قادر تحول الحزب إلى وضعية شبيهة بتلك التي يكون فيها البطل منتشيا بانتصاره وقد حطم رقما قياسيا وبعد أن ينهي الجولة الشرفية والجماهير تصفق لإنجازه، إذا به يسمع صوتا مذيع يقول إن الرقم المسجل غير صحيح لأن العداد تعطل قبل خط الوصول.

صحيح إن حزب العدالة والتنمية يقود الحكومة في شخص السيد سعد الدين العثماني، ولكن هل يستطيع أن ينسي الناس أنه جيء به بطريقة تشبه العملية القيصرية ليعوض شخصا قاد الحزب واستطاع أن يحقق معه ما لم يسبقه إليه أحد من الزعماء، إن فتح الحكومة أمام الحزب اليوم في السياق الذي تم فيه أمر جعل الحزب لا يبدو وكأنه هو القوة الحزبية الأولى بالمغرب، بل تحول إلى حزب عادي كسائر الأحزاب التي تدرك في نهاية المطاف أن النجاح في الانتخابات لا يعني ممارسة السلطة. وأظن أنه حتى مكونات الحكومة تدرك جيدا أكثر من غيرها أن من  » يسخن الأكتاف في الرباط » ــ نستعير هذا القول البليغ من إحدى الفعاليات الحكومية ـــ هو شخص آخر ويدركون أيضا أنه ضمن الفريق الحكومي يوجد مركز قوة تفوق قوته قوة رئيس الحكومة.

إن قبول الحزب بالوضعية الحالية معناه أنه قبل في نهاية المطاف أن يكون مثل الكثير من الأحزاب السياسية التي سبقته إلى الشعبية الواسعة أي أن لا يكون هو من يصنع مصيره.

ماذا ربح المغرب وماذا خسر بوصول البيجيدي للحكومة؟

يفرض منطق السؤال التمييز بين الفترات التي وصل فيها حزب العدالة والتنمية للحكومة، ففي سنة 2011 كانت الأحزاب الكبرى التي تصدرت المشهد السياسي لسنوات طويلة، قد دخلت منعطفات جديدة في تاريخها، أنهك البعض منها العمل الحكومي، وغابت عن البعض الآخر استراتيجية إعادة بناء قوة الحزب، فأصبحت الأزمات تعمق الضعف، وصعب تدبير الاختلاف.

لقد كان المغرب في حاجة إلى حزب يستطيع أن يجيب على أسئلة المرحلة، وبمواصفات خاصة من بينها:أن لا يكون قد شارك في الحكومة من قبل، وبالتالي لا مسؤولية مباشرة له فيما أدى إلى خروج حركة 20 فبراير إلى الشارع؛ له خطاب يحظى بقبول واسع يستطيع أن يضمن نوعا من الإلتقائية السياسية إن صح التعبير.

له أطر تستطيع التأقلم مع الممارسة السياسية الجديدة، ولهذا كان هذا الحزب هو الجواب لمرحلة متميزة من تاريخ المغرب، فهو على مستوى تداول النخب قدم نخبا جديدة مكونة بشكل جيد من الناحية الأكاديمية، لها قدرة كبيرة على التواصل و الإقناع، ومواجهة مختلف التحديات بما فيها تفعيل برنامج الحزب الانتخابي، وعلى مستوى حقوق الإنسان أحدث الحزب مقاربة جديدة تمثلت في التخطيط الاستراتيجي في هذا المجال واعتماد السياسة العمومية كآلية أساسية على مستوى التفعيل، وأذكر في هذا الصدد على سبيل المثال الخطة إكرام التي قدمت مقاربة جديدة تعتمد لأول مرة في مجال حقوق المرأة ونفس الأمر بالنسبة للطفولة والمعاقين، وقد كانت الانتخابات المحلية والجهوية هي الامتحان الحقيقي للحزب، والذي اجتازه الحزب بتفوق كبير.

أما المرحلة الثانية فبدأت مباشرة بعد ظهور نتائج الانتخابات، وفي هذه المرحلة أصبح الحزب يقلب عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات، فلا هي أفلحت في تسهيل مهمة تأسيس الحكومة ولا هي استطاعت أن تجعل الفرقاء السياسيين الذين اشتغلوا معه على مستوى الحكومة يقبلون بتكريسه كحزب تفوق على الجميع، بل سرعان ما سهل استقطابهم من جهات أخرى وتحول فرقاء الأمس إلى خصوم، حقيقيين لهم من القدرة على المناورة الشيء الكثير، وشرع الحزب في تقديم التنازلات التي لا يقبل بها المنطق الديمقراطي، أبرزها عندما تبنى موقف المتفرج في انتخابات رئاسة مجلس النواب، ربما كان من خلال ذلك يتوخى التعبير عن صدق النوايا من أجل أن تبادله الأطراف الأخرى ودا بود غير أن العكس هو الذي حصل حيث تم إنهاء مهام زعيمه دون وداع.

ففي الحالة الأولى ساهم حزب العدالة والتنمية في تحقيق عملية الانتقال الدستوري بالمغرب في مناخ إقليمي متأزم، مما أعطى للمسلسل السياسي بالمغرب مصداقية كبيرة على المستوى الدولي، وفي المحطة الثانية شارك في تكريس تفسير للدستور قد يصعب مستقبلا مهمة أي حزب يفوز في الانتخابات، ولكي نكون منصفين ساهم حزب العدالة والتنمية وهو في أوج عطائه مثلما سبق وأن فعلت أحزاب سياسية أخرى عندما كانت في نفس الوضعية، في تعزيز الاختيار الديمقراطي كاختيار سياسي وحيد.

ماذا ربح الحزب وماذا خسر؟ وإلى أين يتجه؟

استفاد الحزب على مستويات متعددة، ذلك أن حصوله على الأغلبية لولايتين متتاليتين مكنه إلى جانب الشعبية المتزايدة بشكل ملحوظ، من موارد مالية مهمة، ساعدته على تدبير شؤونه بشكل مريح جدا من الناحية المادية، واكتسبت أطره خبرة مهمة من خلال تدبير بعض القطاعات الحكومية، وكذلك بعض المجالس البلدية، وهي التجربة التي يمكن توظيفها على مستويات متعددة، وإذا نحن بحثنا في المدة الفاصلة بين مرحلة التأسيس ومرحلة الوصول إلى الحكومة نجدها قصيرة، إذا ما أردنا مقارنة ذلك مع الاتحاد الاشتراكي مثلا، وهذا ساعد الحزب كثيرا في تحقيق نوع من النسبية على مستوى الخطاب، والابتعاد عن المطلق، كما ربح الحزب انتقالا داخليا من نوع آخر تجسد في الابتعاد النسبي عن جناحه الدعوي دونما مشاكل، واكتسب الحزب سمعة تجاوزت الحدود ليصبح نموذجا لنجاح الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في الانتخابات دونما أن يثير ذلك أي تخوف أو مشاكل تذكر حول فرض اختيارات معينة على المجتمع.

أما إذا أردنا أن نبحث فيما خسره الحزب فأظن أنه يتمثل في كونه لم يضمن لزعيمه خروجا مشرفا وقبل بإخراجه من الباب الخلفي، غير أنه في جميع الأحوال لن يستطيع التخلص من حضوره، وسيبقى يشكل سلوكه السياسي مرجعية للقياس بالنسبة للحزب لمدة طويلة.

أما بالنسبة للمستقبل فإن الحزب عليه أولا أن يثبت قدرته على الفوز في الاستحقاقات المقبلة مرة أخرى ويؤكد أن كاريزماتية السيد ابن كيران كان حجم تأثيرها محدودا على مستوى نتائج الانتخابات، لقد تشكلت داخل حزب العدالة والتنمية نخبة سيتحكم سلوكها في مصير الحزب فبقدر ابتعادها عن الجماهير، بقدر ما سينعكس ذلك سلبا على قوة الحزب، وإن تواصل الأمر فأخشى أن يردد الناس يوما مقولة التاريخ يعيد نفسه.

شارك المقال