أكوتي: مصير مجلس المنافسة مثال كاف على الإصلاحات التي تتحول إلى شعارات جوفاء

26 فبراير 2018 - 01:03

في ظل الحديث عن أعطابا لنموذج التنموي المغربي، يستحضر مصطفى أكوتي، الأستاذ الباحث المبرز في الاقتصاد، أن مصير مجلس المنافسة، مثال كاف على الإصلاحات التي تتحول إلى شعارات جوفاء، داعيا، في هذا الحوار، إلى رؤية واضحة للإصلاح تستند إلى مقاربة نقدية للتجارب السابقة، بغية تسليط الضوء على أسباب الإخفاق.

1- أقر الملك محمد السادس في خطب متتالية مؤخرا بفشل النموذج التنموي الوطني، ما دلالات هذا الاعتراف من أعلى سلطة في البلاد؟  

بالفعل، لقد سبق للملك محمد السادس أن طرح السؤال المشهور: أين الثروة؟ كما أنه سبق وأن وجّه سهام النقد إلى كثير من القضايا والفاعلين في الواقع المغربي. ويستشف من هذه المواقف الكثير من الدلالات، من بينها أن الملكية بالمغرب تريد أن تعطي صورة عنها باعتبارها قائدة للتغيير من حيث التعبير المتكرر عن عدم الرضا عما هو موجود، وهي بذلك تتماهى مع الآراء التي يتقاسمها الجمهور العريض من المغاربة. أي إننا إزاء استراتيجية تسويقية واعية للتموقع السياسي، هدفها تجديد الشرعية. وفي الوقت نفسه تعبر هذه المواقف عن وعي حقيقي بضرورة التغيير لأن كل ما انتهجه المغرب من إصلاحات منذ ثمانينيات القرن الماضي لم يُسفر عن النتائج المرجوة. فمعدل النمو المحقق طيلة ما يناهز 40 سنة من الإصلاحات بقي دون المستوى المطلوب، وهو الذي بإمكانه أن يؤدي إلى تحسين الرفاه الاجتماعي للمغاربة.

2- ما هي العوامل الرئيسة في فشل هذا النموذج؟

عندما يفشل أي مشروع، فإن السبب قد يعود إلى وجود خلل في الرؤية أو إلى ارتكاس على مستوى التنفيذ أو إليهما معا. عندما أفضى برنامج التقويم الهيكلي إلى نتائج مخيبة، اعتبر صندوق النقد الدولي أن السبب لا يرجع إلى الرؤية التي تركز على أهمية السوق ولكن إلى عدم استحضار أهمية البعد المؤسساتي. وقد طوّر انطلاقا من ذلك ما عرف فيما بعد بمفهوم الحكامة، باعتباره شعارا للإصلاح. ورغم أن الوقائع بيّنت محدودية البرامج الإصلاحية التي ترفع هذا الشعار منذ مطلع الألفية، فقد استمر التغني به حتى الآن.

إذا ما أسقطنا هذا التحليل على الواقع المغربي لجاز القول إننا إزاء خلل في الرؤية وارتكاس في التنفيذ. ذلك لأننا إزاء ممارسة لم تستطع أن تبلور رؤية ذاتية للإصلاح، بل كانت تردد دونما تمحيص الشعارات التي ترفعها المؤسسات الدولية. وكانت على المستوى التطبيقي تستنسخ مؤسسات يتناقض منطق اشتغالها مع الواقع. ويكمن السبب الحقيقي لهذا الإخفاق في أن الدولة كانت تريد تحقيق الإصلاح الاقتصادي دون اتخاذ الإجراءات الضرورية الموازية لذلك على المستوى السياسي. ولبيان ذلك تجدر الإشارة إلى وجود لوبيات قادرة على إعاقة الإصلاح.

انظر مثلا إلى المفارقة الكامنة في أن النموذج الذي تبناه المغرب منذ بداية الثمانينيات يقدس السوق، لكن قانون المنافسة لم يصدر سوى في سنة 2001، كما أن تأسيس مجلس المنافسة لم يتم حتى سنة 2008، ولم تجدد تشكيلته الأولى منذ سنة 2013. وهذا المثال يكشف كيف تُفرغ الإصلاحات بقدرة قادر من مضمونها وتُحوّل إلى شعارات جوفاء.

3- ما الشروط المطلوبة لبناء نموذج جديد؟

هناك شروط ثابتة. أولا، لا بد من رؤية واضحة للإصلاح تستند إلى مقاربة نقدية للتجارب السابقة، بغية تسليط الضوء على أسباب الإخفاق، كما يجب أن تستند هذه الرؤية إلى قراءة متمعنة وواعية للتجارب الناجحة في مختلف بقاع العالم.

ثانيا، لا بد من وضع الآليات المؤسساتية واللوجستيكية لمتابعة تنفيذ هذه الإصلاحات، تقويما وتعديلا. ويبدو هذا الأمر حاليا إذا ما لاحظنا غيابا شبه تام لتقارير ودراسات، موضوعها تقييم آثار المخططات والمشاريع الكبرى للدولة في مختلف المجالات.

ثالثا، أن يكون الإصلاح شاملا، أي أن يدمج في بوتقة واحدة تهُمُّ المؤسسات الفاعلة الثلاث: الدولة/الإدارة، السوق، والمجتمع المدني. ذلك أننا نحتاج إلى السوق بغرض الاستفادة من المنافسة، باعتبارها آلية للتحفيز على النجاعة والإبداع، لكن هذه المنافسة تتطلب وجود إطار مؤسساتي مناسب يضمن الحقوق ويحد من التعسف. ولا يتحقق ذلك إلا بوجود دولة تسهر على بلورة الصالح العام والدفاع عنه ضد النزوعات الانتهازية للقوى الاقتصادية المتنفذة سياسيا.

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.