العزماني: محاكمة قادة الرأي تسيء لسمعة المغرب وتبخس دور القانون

05/03/2018 - 01:02
العزماني: محاكمة قادة الرأي تسيء لسمعة المغرب وتبخس دور القانون

اعتبر عز الدين العزماني باحث مغربي مقيم في أمريكا، أن محاكمة توفيق بوعشرين مدير نشر « أخبار اليوم » و »اليوم24″، هي سياسية وأخلاقية سابقة لعمل القضاء وللتحقيق القضائي.

كيف قرأت مسار اعتقال واتهام بوعشرين؟

للأسف الشديد لا أحد يتمنى أن تصل بلدنا إلى مثل هذا الوضع السيئ في التعامل مع قادة الرأي وأهل النظر. فالمنهجية الأمنية التّرهيبية التي تعاملت بها السلطات مع الأستاذ بوعشرين تسيء إلى سُمعة المغرب، وتعمق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، وتُبخّس من دور القانون ومؤسساته. ومن خلال متابعة دقيقة لأطوار هذه النّازلة، نجد أنّنا أمام محاكمة سياسية وأخلاقية سابقة لعمل القضاء وللتحقيق القضائي، وهو ما يظهر سواء في طريقة اقتحام مقرّ جريدة «أخبار اليوم» التي لم تتوفّر فيها أدنى شروط التعامل مع مؤسسة محترمة لإنتاج الرأي ونشر المعلومة، أو في بلاغات النّيابة العامة التي سارعت إلى توزيع الاتهامات ونشرها على نطاق واسع بلغة الإدانة وتمييع عمل القانون أو غيرها من المعطيات المتصلة بالقضية منذ بدايتها. ولا شك عندي أنه عندما يتم جمع المعطيات كلها وتركيبها وتحليلها في تقارير حقوق الإنسان الوطنية والدّولية سيجد هؤلاء الذين ينوبون عن القضاء في توزيع الاتهامات وإصدار الأحكام أنفسهم أمام مهزلة، هم أنفسهم سيتمنّون لو لم يكونوا طرفا فيها. ومازلت آمل بصدق أن يتدخل القضاء ليرجع الأمور إلى نصابها ويصحّح هذه الأوضاع ويعيد الاعتبار لدور القانون وأخلاقياته.

هناك سعي إلى فصل قضية بوعشرين عن مهنة الصحافة، هل هذا ممكن؟

بلاغات النّيابة العامة تضع الدولة أمام مسؤولية أخلاقية فيما يتعلّق بالتّشهير واتهام الناس في أعراضهم قبل أن يقول القضاء كلمته، والواضح أن الذين أرادوا ويريدون توجيه وتأطير عمل القضاء يستهدفون بالأساس خلق قضية رأي عام تتلبس بلبوس أخلاقي، وذلك لخلط الأوراق وخنق المدافعين عن الأستاذ بوعشرين في دائرة أصحاب نظرية المؤامرة، أو باعتبارهم أناسا عديمي الضّمير لا يهتمون بقضايا المرأة. ومثل هذا اللّف والدّوران يرجع إلى حالة الغموض التي يُراد لها أن تطبع الملفّ من بدايته. والحقيقة أن الأمر يتعلّق بصحافي من قادة الرأي ببلادنا، ولذلك لا يمكن لهذه القضية أن تكون خارج نطاق مهنة الصّحافة، ثم إن تلفيق التُّهم لخدمة أغراض جهات معيّنة أمر جدّ وارد، وهو ما أتمنى أن يتعامل معه القاضي بجدّية.

سبق لـ»أخبار اليوم» أن تعرضت لعدة محاكمات بسبب قضايا النشر، هل توافق على القول بأن الخط التحريري للجريدة أصبح مزعجا؟

أظنّ أن «أخبار اليوم» قد اكتسبت نجاحها من خلال وفائها لتحيّز في قراءة الأحداث يسعى دائما إلى التنبيه إلى الأعطاب بغرض إصلاحها وممارسة رسالة نقدية تساهم في إنضاج النقاش العمومي، سواء تعلّق الأمر بأعطاب الممارسة الدّيمقراطية، أو أعطاب النموذج التّنموي أو أعطاب الممارسة السياسية عموما. ولذلك، يبدو أن شخصيات مُعيّنة أريد لها أن تلعب دورا رئيسا في المرحلة المقبلة قد ضاقت ذرعا من الحقائق التي تنشرها «أخبار اليوم» فيما يتعلّق بهذه القضايا الكُبرى، وهذه الجهات لا ترى في صحافة نقدية حرة ومستقلة شرطا للممارسة السّياسية، وتميل إلى نموذج الصحافة الدّعائية الاستهلاكية التي تكتفي بعرض مُنجزات الزعيم السيّاسي والتّصفيق له، ولذلك فهي لا تتردّد في وضع الصّحافة النقدية في منطقة العدو الذي وجب القضاء عليه باستعمال كل الطّرق الممكنة.

هل ترى أن حرية الصحافة في المغرب أصبحت مهددة؟

الحقيقة أن التهديد لا يطال الصّحافة فقط، وإنّما يستهدف النموذج الإصلاحي الذي بشّرت به الدّولة منذ 2011، والذي يشمل مجالات السّياسة والصحافة والتعامل مع الاحتجاجات. ويبدو أن مساحات الفرص في هذه المجالات تضيق يوما عن يوم ممّا يُنذر بأفق مسدود. وأظنّ أن السّبب وراء هذه التراجعات الخطيرة، بالإضافة إلى قراءة متأثرة سلبا بالسّياق الدّولي والإقليمي، وسعي إلى الحسم المبكّر في الخيارات السياسية المقبلة، يرجع إلى تخوّف القوى السياسية والحزبية التي تم الدّفع بها لتصّدر المشهد السياسي والعمومي من الفشل في تدبير المرحلة القادمة رغم كلّ الدّعم الذي رُصد لها كما حصل مع تجارب سابقة. والنموذج الكارثي الذي نراه يتهيكل بوضوح أمامنا، هو ممارسة سياسية سُلطوية تستسهل دور الوساطة السياسية في العلاقة بين الدولة والمجتمع، سواء تعلّق الأمر بدور الأحزاب، أو الصّحافة أو المجتمع المدني. قد يتصوّر أصحاب هذا النموذج، متوهمين، أنهم بذلك يعيدون للدولة هيبتها التي فقدتها عندما بادرت إلى فتح مساحات لفرص سياسية جديدة، لكنهم في الواقع يعمقون من جدار القطيعة بين الدّولة والمجتمع.

شارك المقال