يخصص عبدالرحمان اليوسفي في الجزء الأول من مذكراته المعنونة بـ »أحاديث في ما جرى »، بداية الفصل الأول، للحديث عن أسرته الصغيرة، يتقدّمها والده أحمد اليوسفي. هذا الأخير ينحدر من قرية « دار زهيرو » الواقعة بمنطقة الفحص القريبة من طنجة، « وقد نزح في شبابه بحثا عن العمل، ليستقر به المقام في الأخير بجبل طارق، حيث عمل بإحدى القنصليات الأجنبية هناك، وهو ما أكسبه صفة المهاجر التي سيشترك فيها مع أحد أعمامي الذي انتقل بدوره إلى فرنسا »، يقول عبدالرحمان اليوسفي.
والد هذا الأخير كان يتمتع بقدرات عالية في اللغات الأجنبية، إلى جانب معرفته الكبيرة بمبادئ الشريعة الإسلامية، ما أهله « إلى أن يعمل وكيلا معترفا به لدى السلطات المحلية، حيث كان يتولى بالأخص، الدفاع عمن يلتجئون إلى خدماته كوكيل عنهم أمام القضاء، في النزاعات المدنية وغيرها ». ممارسة أهلت أحمد اليوسفي ليصبح « مقدما » يلجأ إليه المتخاصمون لفض النزاعات فيما بينهم، « وهي الوظيفة التي كانت تتيح له تقديم تقارير يومية إلى المندوب العام، الذي كان يعتبر آنذاك بمثابة خليفة السلطان بمدينة طنجة ».
كان والد عبدالرحمان اليوسفي يرافق في بعض الأحيان المندوب، الحاج محمد بن عبدالكريم التازي، أو خليفته لأداء صلاة الجمعة، والتي كانت تجري من خلال طقوس مخزنية تقليدية، « تشد فضول العديد من السياح وتشد انتباه مواطني طنجة ». وفي هذا الصدد يقول عبدالرحمان اليوسفي في مذكراته، إنه كان يجد نفسه مأخوذا بدوره بتلك الأجواء، والتي كان ينخرط فيها والده، « وهو يرتدي لباس الحاجب الذي كان يميز الطنجاويين كعلامة تفاخر في ما بينهم. ولقد أهّله عمله ومكانته ومثابرته، لأن يعتبر ضمن البورجوازية الصغيرة لمدينة طنجة. « وبقي كرب أسرة مكونة من زوجين، محافظا على تقاليد الحياة الاجتماعية، وكان بيتنا في عيد الأضحى مثلا، يشهد طقوس اقتناء كبشين، وحتى بعد انفصاله عن الزوجة الثانية، ظلّت تلك العادة سارية ».
الريفي والسوسي.. « أعمام » اليوسفي
كانت علاقات الصداقة التي ارتبط بها والد عبدالرحمان اليوسفي في مدينة طنجة، ذات أثر خاص على حياة الأسرة. فوالدة الوزير الأول السابق، الحاجة فاطمة الفحصي، كانت تنحدر بدورها من المنطقة القروية نفسها التي ينحدر منها والده، « وعند زواجهما تركت حياة البادية، لتنخرط في أجواء وعادات أهل طنجة، مستفيدة من اتصالها بجيرانها، وخاصة زوجات أصدقاء والدي، الذين كنا نعتبرهم كأعمام لنا ».
هؤلاء الأعمام يجسّدهم عبدالرحمان اليوسفي في شخصيات، أبرزها « عمي الريفي، الذي ينحدر من الريف، كان أقرب أصدقاء والدي أثناء اشتغالهما في الشركة الجزائرية ». ثم يتذكّر عبد الرحمان اليوسفي « عما » آخر، وهو رجل منحدر من منطقة سوس، « متزوج بسيدة يهودية ارتبطت بعلاقة صداقة متينة مع أمي. كان عمي السوسي هذا المنحدر من مدينة تافراوت، يحترف مهنة صرّاف التي كان ينفرد بمزاولتها اليهود المغاربة، فتشكل استثناء ». ومن خلال علاقة الأسرة بالـ »عم » السوسي، تعايشت أسرة اليوسفي مع طقوس الأعياد اليهودية، « وشاركناهم احتفالهم بها ».