الأمراني: لهذه الأسباب ركز ملف "موروكو 2026" على مقولة الإرث

03 أبريل 2018 - 11:20

تحدث علاء الأمراني، متخصص في مجال التدبير والاقتصاد الرياضي وباحث في مركز قانون واقتصاد الرياضة التابع لجامعة ليموج الفرنسية، عضو الجمعية الدولية لاقتصاديي الرياضة، عن خصوصيات الملف المغربي، في حواره مع “اليوم24”.

وخاض الأمراني في موضوع منافسة المغرب للملف الثلاثي لأمريكا والمكسيك، وكندا، ومواضيع ذات صلة تكتشفونها في الحوار التالي :

قدم المغرب ملف الترشح لاحتضان كأس العالم بناء على خمسة أسس، أبرزها التنمية المستدامة والإرث الذي سيبقى له ولإفريقيا بعد التنظيم. لماذا في تقديرك كان التركيز على هاتين النقطتين بالذات؟ ثم ما قيمتهما لدى فيفا؟

يعد كأس العالم من أضخم التظاهرات العالمية على الإطلاق، فعلى غرار الألعاب الأولمبية، ونظرا للتدفق البشري والمالي الهائل المترتب عنها، يجعلها هذا مؤثرة بشكل كاف في المجال الترابي الذي يحتضنها، ممكنة هذا الأخير من الاستفادة بصفة مستدامة، وما الدعم العمومي لصالحها إلا برهان للآثار المتعددة الأبعاد لهاته التظاهرات، وبالأخص على الميدان الاقتصادي وصورة البلد والانعكاسات السياسية والاجتماعية المترتبة، أو بصيغة أخرى الإرث المترتب عن تنظيم التظاهرة.

وهذا ما حاولت لجنة الترشيح المغرب 2026 التركيز عليه، أولا للاستجابة لمعايير التقييم الموضوعة من طرف الفيفا على مستوى دليل الترشيح، بحيث إلى جانب الشق التقني المتعلق بمتطلبات التنظيم من بنية تحتية رياضية وغير رياضية وخدمات، وما إلى ذلك من متطلبات تقنية، يأتي تدبير الإرث، ليظهر باعتباره من بين أهم معايير التقييم التي تبرز الرؤية الإستراتيجية للبلد المترشح لاحتضان التظاهرة. حيث أصبح هذا المفهوم من بين هواجس الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية في ما يتعلق باحتضان التظاهرات العالمية الكبرى، على غرار الألعاب الأولمبية وكأس العالم لكرة القدم، بحكم التجارب الفاشلة السابقة لعديد من الدول، حتى المتقدمة منها، في تدبير مرحلة ما بعد الحدث، وما خلفته لها تلك التجارب من عجز وأزمات ومشاكل سوسيو – اقتصادية.

هل لك أن توضح أكثر في ما يخص هذا النقطة بالذات، سيما أنها مستحدثة، وتحتاج فهما أكبر؟

ما يجب معرفته في هذا الباب، هو أن هذا النوع من التظاهرات له ميزات خاصة، ومكونات يمكن حصرها في ستة، والتي تشكل إرث التظاهرة المادي واللامادي: ونقصد بها البنية التحتية بما فيها الرياضية وغير الرياضية، والمعرفة، والسياسة، وصورة البلد، والأحاسيس، والثقافة.

فأثناء التظاهرة، كل هاته المكونات تكون حاضرة، لكن بعد انتهائ المنافسات، هناك ما يبقى حاضرا وهناك ما يختفي. فالمكونات الباقية تؤثر بشكل إيجابي أو سلبي على ظروف العيش بالبلد المستضيف. وهنا يكمن التحدي الموضوع أمام المترشحين، متمثلا في إبراز الإستراتيجية المتبناة للتدبير المحكم للإرث المذكور، وتقليص الانعكاسات السلبية المترتبة ما أمكن، والتي من المستحيل تفاديها، مهما كانت التدابير المتبعة، نظرا لوجود العديد من الأطراف المتداخلة.

وهكذا، فما هو إيجابي لبعض منها يمكن أن يكون سلبيا للآخر والعكس صحيح. نفس الشيء بالنسبة للشق المتعلق بالتنمية المستدامة وما يتضمنه من حماية للبيئة، خاصة على المستوى الطاقي، وفي ما يتعلق بالتدبير المستدام للمرافق والبنيات التحتية المنشأة للحدث، كذا ما يتصل بتقييم الآثار السلبية المحتملة والمترتبة عن تنظيم المنافسة على حقوق الإنسان والتوجه المتبع لحمايتها.

من جانب آخر يأتي تركيز لجنة الترشيح على هذين المكونين، لإبراز التوجه العام للمملكة في ما يخص الاستراتيجية الوطنية للتنمية، والدور الريادي للمغرب على المستوى الإفريقي كقاطرة للتنمية في مجالات عدة، حيث أن التصور الموضوع للملف جاء تماشيا مع هاته الاستراتيجية، وما الهدف من احتضان المنافسة إلا وسيلة لتسريع عجلة التنمية في البلاد وفي القارة الإفريقية على حد سواء.

أوضحت اللجنة المكلفة بالملف أن المغرب سيركز على الملاعب المركبة، او القابلة للتفكيك. ماذا يعني ذلك بالنسبة إليك؟ وهل هذا النوع من الملاعب يمكنه أن ينافس ما قدمه الملف الثلاثي؟

بالنسبة لي يجب تفادي المقارنات في الشق المتعلق بالبنية التحتية الرياضية مع الملف المنافس، أغلبية المتتبعين والرأي العام يسيرون في هذا السياق، فلا أحد ينكر أن العملاق الشمال الأمريكي يمكنه احتضان المنافسة في غضون الشهور المقبلة، ذلك أن التصور الموضوع لتدبير إرث الملاعب بعد التظاهرة يمكن أن يشكل نقطة قوة في الملف المغربي؛ سواء في ما يتعلق بقابليتها للتفكيك واستعمالات العناصر المفككة في تطوير بنيات تحتية رياضية أخرى، وكذا استعمالاتها البعدية خارج الإطار الرياضي، حيث إن هذا النموذج المقترح يمكن أن يتحول إلى إطار يصلح اتباعه في تسيير المنشآت في بعض الدول، خاصة النامية أو السائرة في طريق النمو، وأخص بالذكر الدول الإفريقية التي تود احتضان بعض التظاهرات القارية أو العالمية، وغالبا ما تعاني منشآتها الرياضية من الضياع، مع ما يشكله ذلك من عبء على ميزانية هاته الدول. ولنا في أنغولا خير مثال بعد احتضانها لكأس إفريقيا للأمم سنة 2010، والحالة المزرية التي وصلت إليها ملاعبها التي لم تستعمل منذ نهاية الدورة.

جاء في الملف المغربي أنه بيئيا متقدم جدا، بحيث سيكون انبعاث ثاني أوكسيد الكربون، في حال إسناد تنظيم المونديال للمغرب، قليلا جدا بالقياس لمونديالي جنوب إفريقيا والبرازيل. إلى أي حد هي مهمة هذه النقطة؟

كما ذكرنا سالفا، يكتسي الجانب البيئي حيزا كبيرا من الأهمية في تقييم الملفات، كما نص على ذلك دليل الترشيح للفيفا. كذلك يجب أن لا ننسى أن المغرب احتضن أواخر سنة 2016 قمة المناخ كوب 22، وكان من أبرز الدول التي أمضت على بروتوكول تقليص انبعاثات الغازات السامة، بما فيها ثاني أوكسيد الكربون، وما قدمه المغرب في ملف الترشيح إلا تأكيد على التزامه بالإتفاقيات الدولية المبرمة في المجال البيئي، ونقطة قوة بارزة بالمقارنة مع المنافس.

سيتعين على المغرب أن يستضيف 48 فريقا، بجماهيرها. ويعني ذلك أن البنيات السياحية، وفضاءات الاحتفال بالنسبة للجماهير، ينبغي أن تكون كبيرة ومريحة وآمنة، فهل ترى أن المغرب يمكنه الاستجابة هنا لمتطلبات فيفا؟

أولا في قراءة للمدن المختارة في ملف الترشيح، وأماكن الاحتفال “فان فيست”، فمرجعيتها التاريخية والمقومات السياحية التي تزخر بها معظم المدن، يجعلان منها حافزا للسياح الأجانب المرافقين لفرقهم، لاكتشاف تراث خصب وتجربة فريدة من نوعها لهم. والأهم من ذلك قرب المسافة ما بين أغلبها، الشيء الذي سيسهل المواصلات والتنقل بين مختلف مواقع المنافسة للفرق، وكذا الجماهير، خاصة وأنها مرتبطة في ما بينها بشبكة نقل حديثة، والتي تعد من أهم أوراش المملكة، بما فيها تحديث شبكة الطريق السيار والسكك الحديدية ومشروع القطار الفائق السرعة، ناهيك عن شبكة النقل الجوي الداخلي التي تمكن من ربط مدينة الدارالبيضاء مع أبعد مدينة محتضنة في أقل من ساعة. زد على ذلك، فتح المغرب حدوده لأكثر من 70 جنسية، الأمر الذي من شأنه تسهيل ولوج عدد كبير من الجماهير لأرض المملكة دون عائق التأشيرة.

لكن الشيء الأكيد هو وجود تباين في ما يتعلق بالطاقات الإستعابية لوحداتها الفندقية وبنياتها السياحية، لكن الاستثمارات المخصصة في هذا الباب والتي ستنجز في أغلبيتها من طرف الخواص، كفيلة بسد أي خصاص حاصل.

هنا نعود لنقطة تدبير الإرث، فبعد نهاية التظاهرة من المنطقي أن بعض المدن لن تكون في حاجة لكل الوحدات الفندقية والسياحية المحدثة، وعلى هذا الأساس قدم الملف المغربي محاكاة لطريقة تدبير إرث هاته المرافق، لترشيد استعمالها في مجالات أخرى أو التقليص منها..

هذا عن النظرة الخاصة، فكيف ينظر الأوروبيون إلى الملف المغربي؟ والفرنسيون منهم بالتحديد؟

في أوروبا، وخاصة في العالم الفرونكوفوني، يحظى الملف المغربي بصدى جيد، وتأييد من طرف أبرز المتخصصين في المجال، حيث بالرغم من تفادي المغرب الدخول في النقاشات السياسية، فالمتتبعون هناك يرون أن الملف المغربي أكثر توافقا مع التوجه العام للمملكة، على نقيض المنافس. وكلنا نعرف الأثر السلبي للسياسة الأمريكية، وما نتج عنه من تشنجات في العلاقات الدولية، حتى مع حلفائه في الترشيح.

من جانب آخر، فالقرب الجغرافي للمغرب مع هاته الدول الأوروبية سيمنكها لا محالة من الاستفادة من تنظيمنا للمونديال، نظرا للشراكات الإقتصادية التي تربطنا بها.

الملف المغربي قدم على أنه إفريقي. ما قراءتكم لهذه النقطة؟ وأي تأثير سيكون لها أثناء التنقيط، وفي التصويت؟

أرى أن تقديم الملف المغربي كترشيح لقارة إفريقيا يعد من نقط القوى التي تميز الملف المغربي، فما هذا إلا تأكيد للدور الريادي الذي يلعبه الآن المغرب على الصعيد الإفريقي، بحمله أمل القارة في احتضان هاته التظاهرة لثاني مرة في التاريخ، بعد نسخة جنوب إفريقيا سنة 2010. كما أنه يشكل عنصر بارزا في معيار التقييم المتعلق بالرؤية الإستراتيجية للبلد وحكومته، والذي كما ذكرنا سابقا يعد من أهم معايير الترشيح.

هذا المعطى سيستفيد منه المغرب أكثر إذا مررنا لمرحلة التصويت، حيث أن القارة الإفريقية لوحدها تتوفر على 54 صوتا؛ أي ما يعادل حوالي نصف عدد الأصوات اللازمة للفوز بالتنظيم والمحددة في 105 صوت.

هل تعتقدون أن فيفا تحبذ ملفا لدولة صاعدة كي تساهم في تنميتها، أم أنها تفضل ملفا جاهزا من اللحظة لكسب المال؟

من المعروف أن كأس العالم يشكل مصدر الربح الرئيسي للفيفا، وما مشاكل الفساد التي رافقت تحديد محتضني النسخ السابقة إلا تأكيد على أن الشق المادي يشكل الهاجس الأساسي لهاته الهيئة. فبالرغم من التغييرات البنيوية المحدثة لتحديد الدول المنظمة، لا زالت بعض الأمور تبعث على بعض الشك حول مصداقية الفيفا.

وما إحداث هيئة “تاسك فورس” غير القانونية، لتأهيل الملفات لمرحلة التصويت، وإجراء تعديلات في المعايير التقنية، على بعد 24 ساعة من وضع الملفات، وإضافة البطاقة البيضاء في التصويت، ناهيك عن العودة للسماح للترشيحات المشتركة بالتقدم للتنظيم غداة إعلان الرفع من عدد المنتخبات ل 48 فريق، بعدما أفرزت التقريرات المعدة من طرف الفيفا نفسها، إثر تجربة كوريا واليابان، الكثير من المشاكل والصعوبات المترتبة عن التنظيم المشترك، إلا إشارات لما تتوخاه الفيفا.

العامل الزمني له أهمية خاصة بالنسبة لفيفا، وهو في صالح المغرب. لكن، هل ترون أن المعنيين بالملف قدموه بما يجعله بارزا بما يكفي فيفا والمصوتين؟

منذ انطلاق حملة الترشح ما فتئت اللجنة المكلفة؛ سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو على مستوى ملف الترشيح أو خلال الخرجات الإعلامية للمسؤولين، على التذكير بمزايا الموقع الجغرافي للمغرب ووجوده في نطاق زمني يمكن معظم دول العالم من متباعة أكبر عدد من المباريات يوميا، دون المساس بجودة اللعبة، حيث تطرقت بإسهاب لحجم إيرادات النقل التلفزيوني الناتجة عن هذا المعطى، وما تطرق الإعلام الأمريكي لهذا الموضوع بإبرازهم للذكاء والحكمة التي يتبعها الملف المغربي إلا دليل على تقديمه بالشيء المطلوب.

يعول المغاربة على تغيير كبير في البنيات التحتية لبلدهم، بناء على كل الوعود التي قدمت لهم في ملف موروكو 2026. هل ترون أن تلك الوعود يمكن تطبيقها حتى في حال فوز الملف الثلاثي، بالنظر الى المبالغ الكبيرة جدا المطلوبة للوفاء بالتعهدات؟

بالنظر لتركيبة الميزانية المعلنة، والمرصودة للبنية التحتية اللازمة لاحتضان كأس العالم، يتبين أن تلك المتعلقة بالنقل والصحة تدخل في إطار البرنامج التنموي المسطر من قبل، والذي من المرتقب إنجازه سواء نظمت كأس العالم أو لا.

فالفائدة الوحيدة لهاته الأخيرة هي تسريع إنجاز الاستثمارات المبرمجة سلفا في ما يخص البنية التحتية الرياضية، البالغ كلفتها حوالي 3 مليار دولار، فما عدى الملاعب والمرافق الجاري إنشاؤها، كمشروع تحديث ملعب طنجة وبناء الملعب الكبير للدار البيضاء، والذي من الواجب الإسراع في إنجازه، وكذا ملعبا وجدة وتطوان، والمراكز الجهوية للتكوين في كرة القدم، ومركز المنتخبات بالمعمورة، أرى أنه من الصعب الخوض في الاستثمارات المعلنة في ظل غياب مشاريع ككأس العالم كفيلة بتخفيف تكلفتها، وحتى إن أنجزت، فقد تتطلب سنوات عديدة، في ظل عدم مواكبة معظم الأندية الموجودة في المدن المرشحة لركب تطور كرة القدم، وعدم قدرتها على تحمل تكلفة منشآت من هذا الحجم.

 

 

 

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.