في تحديات قضية الصحراء وفريضة الوقت

05/04/2018 - 14:37
في تحديات قضية الصحراء وفريضة الوقت

 

لا شك أن نزاع الصحراء دخل اليوم منعطفا خطيرا، ليس بالمعنى الذي يفيد بأن المغرب لم يعرف من قبل تحديات  مماثلة، فقد سبق له أن حذر الأمم المتحدة من تحركات البوليساريو في المنطقة العازلة، وحملها مسؤولية الحفاظ على وضعيتها، وذلك منذ سنة 2007، وما فعلته جبهة البوليساريو السنة الماضية من استهداف لطريق الكركرات، ليس إلا جزءا من هذا  السيناريو.

لكن هذه المرة، تأخذ هذه التحديات بعدا خاصا، إذ جاءت عقب حرب دبلوماسية قادتها الجزائر ضد المغرب، من أجل إضعاف موقفه والتشكيك في المبادرة التي يقترحها لحل النزاع.

تحرك المغرب القوي والصارم، ولهجة تحذيره غير المسبوقة للأمم المتحدة بشأن أدوار بعثة المينورسو وحيادها في المنطقة العازلة، يشير إلى أن المغرب بصدد مواجهة سيناريو شبيه بسيناريو « اكديم ازيك »، الذي تفجر سنة 2010. سيناريو بدأت حلقاته الأولى بتغيير التكتيك، من اللعب بورقة حقوق الإنسان، إلى اللعب بورقة الثروات، ومحاولة الضغط على الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي لخلق بؤر توتر مع المغرب في العلاقات التجارية، والتقدير أن الوجه الآخر لهذا التكتيك، هو محاولة خلق واقع آخر على الأرض في المنطقة العازلة لتنفيذ بقية  السيناريو.

لحد الآن، ليست هناك معطيات دقيقة حول طبيعة هذا السيناريو، لكن التحركات الدبلوماسية التي تقوم بها الجزائر، وإقدامها قبيل رسالة المغرب القوية للأمين العام الأممي على دعم رسمي لملف المغرب لتنظيم المونديال 2026، على غير ما هو مألوف في السياسة الخارجية الجزائرية تجاه المغرب، تؤشر على أنها، ربما، تريد أن تخلق الحدث إعلاميا بهذا الموقف « العربي التضامني » لتلمع صورتها وتغطي على حقيقة دورها في السيناريو الذي لم تكشف بعد جميع حلقاته.

لا نملك معطيات دقيقة في الموضوع سوى هذه المؤشرات، وما قدمته الرواية الرسمية، بالإضافة إلى درجة القلق العسكري من مخاطر مناورات الخصوم. أما نفي الأمم المتحدة في ردها الأول لوجود تحركات عسكرية في المنطقة العازلة، فلا ينفي وجود تحركات أخرى بها ذات طبيعة مدنية، كما أن ردها الثاني، الذي تذرع بشساعة المنطقة فيه إقرار ضمني بإمكانية وجود تحركات عسكرية « لم تصل » بعثة المينورسو « ليتم التبليغ عنها »!

نعم، لا نملك معطيات دقيقة حول الموضوع، كما لا نملك ما يكفي من المعطيات حول مضمون المحادثات التي أجراها المغرب مع المبعوث الأممي في لشبونة، ولا ما تخطط له الجزائر، ولا ما تسعى إليه الإرادات الدولية في هذه اللحظة الحساسة، وبشكل خاص، موقف الولايات المتحدة الأمريكية، والتواطؤات التي يمكن أن تحصل لإضعاف الموقف المغربي.

في مثل هذ الحالات، وفي مختلف القضايا ذات الطبيعة الاستراتيجية، وخصوصا تلك التي يديرها الملك بصفة شخصية، لا خيار أمام الأحزاب السياسية والتشكيلات المدنية ومختلف شرائح الشعب سوى إسناد الإدارة الملكية للملف، والرفع من مستوى التعبئة ورصد الجبهة الداخلية لدعم موقف  المغرب أمام خصومه وتأجيل العتب إلى أوانه.

أجل، هناك كلام حول مقومات ربح القضية المصيرية، والشروط التي تقوي الجبهة الداخلية وتجعل التعبئة الوطنية حول قضية الوحدة الترابية في أعلى مستوياتها، وصحيح، أيضا، أن المغرب لا يملك رأسمالا أقوى لربح قضيته الوطنية من المضي في المسار الديمقراطي وتوسيع مجال الحريات والتوزيع العادل للثروة وإقرار العدالة المجالية، لكن، هذا الكلام الصحيح وذو المصداقية ليس هذا زمانه اليوم. اللحظة ليست لحظة عتاب، وإنما هي لحظة التفاف حول قضية مصيرية للدولة والمجتمع، لا ينفع معها المماحكة حول بعض القضايا حتى ولو كانت جدية وعادلة.

صحيح أن المغرب يعيش اليوم لحظة تراجع ديمقراطي، ويعيش أيضا لحظة تضييق على الحريات. لكن هذا التوصيف السياسي للراهن الحالي لا يمنع من مناصرة الدولة ودعم الإدارة الملكية لملف الصحراء لإبطال مناورات خصوم الوحدة الترابية، وتأجيل العتب إلى أوانه، والنأي بالنفس عن أي منطق لاستثمار لحظة الضيق للضغط على الدولة أو التقاطع بدون وعي مع خصومها.

وكما أن اللحظة تقتضي تجنب العتاب من جانب المجتمع وقواه الحية، فهي بالمقابل، تقتضي من الدولة أن تنأى بنفسها عن أي مواقف  تعكس حالة الصراع بين مكونات الجبهة الداخلية. فتوجيه الاتهام لبعض هذه المكونات على خلفية هذا الحراك أو ذاك، لا يخدم هدف التعبئة الوطنية، فهذه المكونات – أردنا ذلك أم لم نرد- هي جزء من الجبهة الداخلية، مهما كان الموقف منها ومن سلوكها السياسي. فليس من الحكمة – في لحظة الإجماع – أن يصدر أي موقف من الدولة يعكس حالة التشظي داخل مكونات الصف الداخلي، حتى ولو كانت الدولة تعتبر أنهم من « المرقة الخوارج »!  وحتى ولو كانت تملك ما تبرر بها ادعاءاتها.

الحكمة والتعقل، يقتضيان من الدولة والمجتمع، تقدير فريضة الوقت، وما تتطلبه اللحظة من تعبئة داخلية لدعم الموقف المغربي، والمبادرة لإنتاج مواقف تعمق تماسك الصف الداخلي، وتدمج مختلف مكوناته في هذه المعركة المصيرية.

في مثل هذه اللحظات الحاسمة، بقدر ما يطلب من المجتمع التفكير بعقل استراتيجي يضع نصب عينيه دعم الدولة حتى بدون توفر معطيات أو حتى مع عدم تقاسمها شكل التعاطي مع قضايا الديمقراطية والحريات، يطلب من الدولة أن تُعمل منطق الإدماج الوطني، حتى ولو فشلت في مسار الإدماج السياسي لبعض المكونات، كما يطلب منها أن تبعث للداخل – بدون أن يطلب ذلك منها أحد – برسائل الطمأنة والثقة لضمان أعلى مستويات التعبئة لمواجهة التحديات التي تشكلها مناورات خصوم الوحدة الترابية.

 

 

 

 

 

 

شارك المقال