دعونا من التصنيفات التقليدية، هذا حزب إداري، وهذا غير ذلك. كلا، فالأشياء تتغير بطريقة سريعة حتى بالنسبة إلى أولئك الذين كانت وظيفتهم السياسية أن يحرصوا على ألا يتغيروا. حزب العدالة والتنمية، وبعد رحلة طويلة من المقاومة، والحساب العسير الذي كان يؤديه بشكل مستمر تبعا لذلك، يكاد لا يختلف الآن عما آل إليه حزب مثل الاتحاد الاشتراكي. الحكاية تتشابه، مثلما فعل الاتحاديون منذ أن تولوا أول حكومة تناوب، عندما مالوا إلى تقليد رواية السلطة، ها هو البيجيدي الآن، في طبعته الجديدة، يفعل الأمر نفسه.
في جرادة، لم يكن مهما بالنسبة إلى هذا الحزب، أن يخرج للاحتجاج الآلاف من الناس غير القادرين على الاستمرار في العيش وسط الحفر، لكن كان مهما لديه ألا يشق عصا وزارة الداخلية عندما نزلت على رؤوس المحتجين الذين كانوا، مدة شهرين متتاليين، أشخاصا مسالمين يمدحهم باستمرار وزراء هذا الحزب نفسه.
كانت الصورة غير واضحة، ففي ذلك الاجتماع الذي ضم سعد الدين العثماني بصفته أمينا عاما للبيجيدي، وقياديين محليين في البيجيدي من جرادة (وقد دعي إليه على عجل، وكان الظن أن العثماني يحاول احتواء أزمة جرادة لا أزمة في حزبه)، دخل العثماني وفي يده عصا شبيهة بتلك التي تلوح بها السلطات على وجوه المتظاهرين في جرادة. كان المسؤولون المحليون للبيجيدي في ذلك الاجتماع مثل جمع من المواطنين في مكتب باشا، يتلقون التهديد إن هم عزموا على الخروج إلى الشارع.
حكاية الاجتماع كما لخصها لاحقا، عبد الحق العربي، وهو عضو في الأمانة العامة للحزب، لم تكن تحمل سوى تحول العثماني إلى «فاكتور» لوزير الداخلية. أي نعم، إن لفتيت غاضب من هجران منتخبي البيجيدي اجتماعا مع عامل جرادة. كانت تلك خطيئة جسيمة بالنسبة إلى الداخلية، ويحق لها أن تفسر الأمور كما تشاء. العثماني، مسنودا بجمع وزراء حزبه، الذين لم يعودوا يلقون بالا لغير موقف السلطة، أبلغ «غضب» لفتيت إلى أعضاء حزبه، ثم وجه الأمر: «عليكم أن تحضروا اجتماعات السلطة». ولاحقا، كما نعرف جميعا، أدت الاجتماعات الموالية مع السلطات المحلية، إلى إصدار بيان وقع عليه البيجيدي أيضا، استعمل غطاء لمنع التظاهر، ثم لقمع المتظاهرين.
بات العثماني مشغولا بنقل رسائل السلطة منذ اعتلائه كرسي الحزب. لم يعد العثماني يمارس الحكم في أيام العمل، والمعارضة في نهايات الأسبوع، كما كان يُنتقد على فعل ذلك سلفه بنكيران. أصبحت أيام الله جميعا لا هي حكم ولا هي معارضة. مجرد صور مجالس حكومية دون أي أجندة سياسية، ثم حضور حفلات توقيع كتب، وافتتاح معارض اللوحات التشكيلية. لا يصبح العثماني رئيس حكومة «حقيقيا» إلا عندما يكون مطلوبا منه أن يطفئ حرائق أشعلها طرف من حزبه في غفلة منه. وفي كل ذلك، كانت تستعمل كلمة سحرية واحدة: المصلحة. فباسمها، أعلن البيجيدي أنه وقع على بيان السلطة، وباسمها، لم يتردد وزراؤه في تأييد طريقة السلطات في قمع المتظاهرين. وباسمها، لم يعد مسموحا الانتقاص من الخصوم السياسيين حتى وهم يوجهون الضربات إلى الحزب. وباسمها، لم يعد رئيس الحكومة رئيسا للحكومة.
كانت أحزاب السلطة، عادة، لا تعرف ما يعنيه مفهوم الاستقلالية. كانت الأوامر تأتيها من المكاتب التي تصدر القرار، وهي كان على عاتقها أن تنفذ، بكثير من اللغو، وبقليل من الجاذبية. الآن، تغير الحال.. بإمكان «حزب الشعب» أن يضع كل شيء على الجانب، وأن ينشغل بهواجس السلطة من حوله، وليست هناك مشكلة إن تحول إلى حزب سلطة.