ماذا بعد توحش "داعش"؟

11 أبريل 2018 - 08:01

متى ينتهي الإرهاب؟ تفيد الأجوبة، التي قدمها لفيف من الباحثين والخبراء والأمنيين خلال مؤتمر “ما بعد داعش” المنعقد بمدينة مراكش نهاية الأسبوع الماضي، أن هذه الظاهرة لن تنتهي في القريب العاجل، على الأقل. إذ ذهبت جل الافتراضات إلى القول إن جيلا إرهابيا ثالثا بصدد التشكل في الوقت الراهن بليبيا ومنطقتي الساحل والصحراء الكبرى، بعد ما بات من المؤكد أن تنظيم الدولة الإسلامية قد اندحر في الجبهتين السورية والعراقية في الآونة الأخيرة.

في هذا السياق، حاولت أشغال المؤتمر، الذي عقدته مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” ومعهد “غرناطة للبحوث والدراسات العليا” يومي الجمعة والسبت الماضيين بأحد فنادق مراكش، استشراف “ما بعد داعش والتحديات المستقبلية في مواجهة التطرف والتطرف العنيف”. إذ لامست المداخلات عدة مداخل للتحولات الممكنة في الظاهرة الإرهابية مستقبلا، منها على سبيل المثال خطورة الإرهابيين العائدين من جبهات القتال، وكذا الذئاب المنفردة على استقرار بلدانهم الأصلية، وتأسيس تنظيمات إرهابية جديدة بتسميات مختلفة وتوجهات إيديولوجية مغايرة، وخلق بؤر توتر في أكثر من مكان (ليبيا، مالي، النيجر، نيجيريا، الصومال، أفغانستان، إلخ)، وعقد تحالفات مع تنظيمات انفصالية ومافيات التهريب والمخدرات..

مواقع جديدة وقيادة مغايرة

إذا كان محمد العاني، المدير العام للمؤسسة، قد أكد أن التطرف والإرهاب مازالا عصيين على الفهم، لأنهما مازالا قادرين على التجديد فكريا وعمليا وإلحاق الضرر بالشرق والغرب، فإن حبوب الشرقاوي، عضو المكتب المركزي للأبحاث القضائية، قد أكد هذا القول، وهو يكشف أن تنظيم الدولة الإسلامية قد نجح في نقل مركز قيادته وإدارته من سورية إلى ليبيا، وفي نسج علاقات جديدة مع شبكات الاتجار في المخدرات ومنظمات الهجرة السرية ومافيا الدعارة وبعض الحركات الانفصالية، خصوصا في منطقة الساحل والصحراء الكبرى وغرب إفريقيا. إذ باتت منطقة شاسعة، تمتد من جنوب الجزائر، مرورا بليبيا ودول الساحل والصحراء الكبرى، حتى بوركينافاسو وكوت ديفوار، منطقة نفوذ للعديد من الحركات الإرهابية، منها القاعدة في بلاد الغرب الإسلامية، داعش، بوكو حرام، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، أنصار الدين، المرابطون، حركة الوحدة والجهاد، إمارة الصحراء، لواء عقبة بن نافع، إلخ.

هكذا، تحول اندحار داعش في سوريا والعراق إلى وثيقة ميلاد له في مناطق أخرى من العالم، وخاصة في البلدان التي تعاني فراغا مهولا في الأجهزة السياسية والأمنية، مثل ليبيا ونيجيريا ومالي، إلخ. إذ يقف العالم اليوم على مشارف ظهور مشروع تخريبي جديد يتبنى مقولات ثقافية وفكرية وسلوكية مغايرة عما ألفته خطابات التنظيمات السابقة مثل القاعدة وداعش، حسب ما قاله الباحث المغربي محمد المعزوز، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط. غير أن هذا الأخير لا يتفق مع ما ذهب إليه العاني والشرقاوي، وإن كان يفترض هو الآخر أن ما بعد داعش سيكون أخطر لا محالة، على أن هذا الاستشراف مبني أساسا على وجود معضلة فكرية حقيقية في قراءة الظاهرة الجهادية المنتشرة عبر العالم كله. ذلك أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة جذور الظاهرة وأسبابها وتمظهراتها.

لتجاوز هذه المعضلة، ما على الباحث المختص إلا أن ينظر في مجموعة من الأسئلة أهمها: كيف نجح تنظيم الدولة الإسلامية في السيطرة على آلاف الكيلومترات من الأرض، وفي استقطاب عشرات الآلاف من المقاتلين من العالم كله، وفي استمداد الأموال والأسلحة المتطورة؟ كيف نجح في بسط إيديولوجيته وفكرته الإرهابية؟ صحيح أن التنظيم كان، كما يقول المعزوز، يمتلك منهجية ومنظرين ومؤسسات وجهازا إعلاميا مؤثرا ونموذجا تعليميا قويا، إلا أن هذه الأدوات والمداخل لا تكفي لتحقيق سيطرة بحجم ما حققه داعش في سوريا والعراق. من هنا، لا بد من الانكباب على دراسته من جديد من أجل فهم كيفية نفاذها إلى العقول، حيث يرى المعزوز أن هذه الدراسة تقتضي التركيز على أربعة مداخل هي التي سمحت للتنظيم بتحقيق مبتغاه على ميدان المعركة؛ أولها تأويلات النص الديني، وثانيها انغلاق هذه التأويلات داخل الوعي واللاوعي، وثالثه استغلال المقدس وتوظيفه لتضخيم إحساس المظلومية لدى المجندين، وأخيرا خلق مسافة فكرية بين فكرة الحياة وفكرة التدين.

ثمة قضية أساسية أخرى تبين سبب ازدهار الفكرة الداعشية، مفادها حسب تصريح المعزوز أن القرن العشرين لم يشهد اجتهادا فكريا، مما قوى انتشار التأويلات الدينية. انطلاقا من هذا التصور، يتوقع المعزوز أن يظهر خطر إرهابي جديد، نظرا إلى وجود أرضية صالحة له وحواضن فكرية وإيديولوجية تعبد له الطريق. كما يتوقع أن تحمل الهجرة، بمختلف أشكالها، بوادر إرهاب خطير، مشيرا إلى أن انفتاح المغرب على إفريقيا، رغم أهميته السياسية، يحمل خطرا إرهابيا كبيرا، خاصة أن داعش انتقلت اليوم إلى دول الساحل والصحراء. وفي هذا الصدد يدعو المعزوز إلى ضرورة مراجعة استراتيجية هذا الانفتاح، على ألا تغلب الدولة المغربية الموقف السياسي من المسألة. ويخلص في الأخير إلى وجود حاجة ماسة إلى ترسانة سلوكية تلامس الوجدان والثقافية الجمعية، وتؤسس لسلوك جديد، مؤكدا أن على الدولة أن تكرم المثقفين والفنانين، نظرا إلى قدرتهم على تأطير هذا النوع من السلوك.

ما هو الوضع اليوم؟

خلافا للافتراضات القائلة بتجدد الظاهرة الإرهابية، يقيم الباحث الأمريكي ديفيد بولوك، الباحث بمعهد واشنطن، مواقف الرأي العام العربي والإسلامي من الحركات الإسلامية. إذ يرى أن شعبية مختلف الحركات الإسلامية في العالم العربي تراجعت بنسب مهمة، مشيرا على سبيل المثال إلى انخفاض نسبة الإعجاب بحركة الإخوان المسلمين. ويؤكد في هذا السياق أن “نسبة المتعاطفين مع الإخوان تراجعت خلال السنتين الماضيتين، وتبين للكثيرين أن الجماعة، وإن كانت تظهر بمظهر غير عنيف، إلا أنها غير متسامحة وليست معتدلة كما تبدو”. أم فيما يتعلق بداعش، فيشير الباحث الأمريكي إلى أن دعم هذا التنظيم تراجع إلى ما بين 2 و5 في المائة في معظم البلدان العربية، لكنه يوضح أن نسبة هذا الدعم تتراوح بين 15 و20 في المائة في بلدان الساحل والصحراء، حيث بلغت نسبة التعاطف مع تنظيم بوكو حرام، التي بايعت أبو بكر البغدادي، إلى أكثر من 20 في المائة في نيجيريا. هنا، خلص بولوك إلى أن الناس بدؤوا يفهمون جذور تأويلات النص الديني، وكذا التحريف الذي يحدث في هذا المستوى التأويلي.

ويفيد الواقع الراهن، حسب الباحث الفرنسي جون بول بريزار، عضو مركز تحليل الإرهاب بباربيس، أن التهديدات التي ستولدها حقبة ما بعد داعش ستكون أكبر من الحقبة السابقة، على اعتبار أن التنظيم تحول إلى العمل السري، واختار العمل بتكتيكات الخلايا النائمة والذئاب المنفردة، مشيرا إلى أن أنصار البغدادي نجحوا في استقطاب أكثر من 6000 شخص من جنسيات أوروبية مختلفة خلال السنوات القليلة الماضية. كما يرى أن خطر هؤلاء سيظهر على أرض الواقع الأوروبي عندما يشرعون في العودة إلى بلدانهم، ويؤكد أن “الخلافة الافتراضية” لهذا التنظيم لم تندحر بعد، بل مازالت نشيطة جدا على الإنترنت والمواقع الاجتماعية.

التصور نفسه يرد في مداخلة الباحث المصري كمال حبيب، الذي يعتبر أن داعش عاد، بعد اندحاره في الحرب العسكرية المباشرة، إلى السرية وخطط الخلايا النائمة والذئاب المنفردة في أوروبا على الخصوص. إذ يرى، من خلال استعراضه بعض التجارب الإرهابية في مصر، أن ما بعد داعش لا يستدعي فقط، فهم كيفية تغير التكتيكات الإرهابية، بل يقتضي طرح رؤى جديدة تجيب عن إشكاليات الإنسان الجديد ومعضلات المجتمعات الحديثة، مشيرا إلى أن الإسلام لم يعد دارا، كما كان في السابق، لأن عددا كبيرا من المسلمين يعيشون اليوم داخل ما كان يسمى قديما بـ”دار الكفر”. من هنا، فالعالم الإسلامي في حاجة إلى إسلام مدني يُعنى بالإنسان والتواصل بين المسلمين، لا بطرق التدين وفرضه على الناس.

جيل إرهابي ثالث

ما يحدث في منطقة الساحل والصحراء الكبرى مؤشر على ميلاد الجيل الثالث للحركة الجهادية، كما يقول الباحث المغربي عبد باسو. فبعد الجيل الأول الذي رافق أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في أفغانستان، والجيل الثاني الذي ظهر مع تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، تتمخض الصحراء الكبرى، لتشهد ميلاد جيل ثالث من أجيال الظاهرة الإرهابية.

هذا الجيل هو ثمرة لقاء بين الحركات الانفصالية في المنطقة، ومافيا تهريب البشر والمخدرات وشبكات الهجرة السرية، كما يرى باسو. وهو يشكل خطرا أكبر من داعش، نظرا إلى تشعب مكوناته وعناصره، ليس فقط، بما يملكه من أسلحة وعتاد، وإنما كذلك لأنه غيّر من منظومة أفكاره التي تقوي الشعور بالمظلومية لدى المسلمين. فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، مثلا، لا تكفر المسلمين، كما فعلت التنظيمات المتطرفة من قبلها، بل تعتبرهم ضحايا دول وحكومات فاسدة، وهم في حاجة إلى من ينصرهم. من جهة ثانية، يرى باسو أن الجهاديين في الساحل والصحراء يوجهون عداءهم نحو الدولة، خلافا لداعش التي اعتبرت الشيعة العدو الأول للمسلمين. وتكمن خطورتهم في أنهم يعتمدون نهج حرب العصابات وعمليات التفجير داخل المدن.

بدوره، يعتبر جون جاك كوندجي، الخبير الدولي من دولة ساحل العاج، أن السياق السياسي والاجتماعي الراهن في غرب إفريقيا يسمح باحتضان موجة إرهابية جديدة، موضحا أن هذه الدينامية الإرهابية في هذه المنطقة الإفريقية راجعة إلى تأثير تنظيم الدولة الإسلامية، الذي عمل على تسفير مجموعة من أعضائه إلى الغرب الإفريقي. كما يشير إلى أن الجماعات المتطرفة المنتشرة في الساحل والصحراء الكبرى، وخاصة في ليبيا ونيجيريا، لا تدخر جهدا في استقطاب المقاتلين إليها، موضحا أن الإحصائيات تفيد أن 6000 مقاتل توجهوا إلى الغرب الإفريقي، استعدادا للهيمنة على المنطقة. في هذا السياق، يخلص كوندجي إلى أن اندحار داعش في سوريا والعراق لا يعني نهايته، بل هو بذرة ميلاد لمدّ إرهابي جديد في منطقة أخرى، أطلق عليه اسم “جهادية 4G”.

الخلاصة ذاتها يؤكدها الباحث الفرنسي مارك أنطوان بيروز دي مونكلو، في إشارته إلى أن ظهور الحركات الجهادية في إفريقيا مرتبط باستلهام أفكار داعش وباقي التنظيمات الإرهابية الأخرى. لكنه يرى أن هذا الظهور ما كان ليحدث، لولا وجود بيئة حاضنة ترتبط أساسا بطبيعة الاستبداديات الحاكمة في المنطقة، وكذا سيادة تعبيرات دينية راديكالية ساعدت على احتضان التطرف والإرهاب.

المفكر الفرنسي جاكوب روغوزنسكي يعتبر، هو الآخر، أن الانتصار على داعش لا يعني القضاء عليه. فالمؤشرات دالة، حسب رأيه، على استمرارية الراديكالية والتطرف والتشدد. وهذا التوجه يزداد كثافة مع مرور الوقت، حيث يذكر روغوزنسكي أن الشباب في أوروبا مازالوا يتخلون عن حياتهم العادية، ليعتنقوا وجودا جديدا تماما في أحضان التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها داعش. لكن الانقلاب نحو السلفية الجهادية لا يحصل بالضرورة عبر اعتناق الإسلام، كما يقول، حيث تبقى مقولة “غسل الأدمغة مقولة مضحكة، على اعتبار أن الالتحاق بداعش ناتج عن الظلم والتهميش وعدم الاعتراف بهؤلاء الشباب، وأن هؤلاء يحصلون على هوية جديدة، ما أن يصلوا إلى أولى خنادق القتال.

قضايا جزئية، لكن مهمة

لم يكتف المشاركون في مؤتمر “ما بعد داعش” بالتركيز على خطط الحركات الإرهابية المتطرفة، بل حاولوا فهم بعض القضايا الجزئية، لكنها ذات أهمية بالغة، منها على سبيل المثل كيفية التعامل مع المقاتلين السجناء، والمراجعات والمصالحات، ووضع زوجات المقاتلين العائدات إلى بلدانهن، وكذا وضع أطفالهن ومصيرهم، إلخ. لهذا الغرض، استدعت مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” ومعهد غرناطة عددا من الخبراء والمتخصصين والأمنيين، أو السلفيين الذين عرضوا تجاربهم، سواء داخل المؤسسات السجنية أو داخل التنظيمات المتطرفة.

ففي هذا الصدد، حضر المؤتمر نبيل نعيم، الذي كان أحد المؤسسين لتنظيم القاعدة إلى جانب أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. إذ سلط الضوء على تطور القاعدة، وكذا سياق وحيثيات تشكيل تنظيم داعش. وهو يشير إلى أن داعش سيتجه، بعد هزيمته، إلى أماكن تشهد فراغا في مؤسسات الدولة والحكومات المركزية، مثل اليمن والصومال وأفغانستان. كما يطرح أسئلة وإشكاليات عويصة تتعلق بداعش، من بينها: من سمح بمرور 60 ألف مقاتل عبر الحدود التركية إلى العراق وسوريا؟ ومن سمح بمرور الأموال؟ وأين كان يعالج جرحى داعش؟ ومن اشترى كنوز العراق وسوريا؟ ومن كان يبيع النفط العراقي والسوري لفائدة هذا التنظيم؟

من جانبه، يتساءل محمد عبدالوهاب رفيقي، الذي اعتقل قبيل أحداث الدار البيضاء سنة 2003، هل حصلت مراجعات فعلا؟ إذ يشير إلى أنه لم يقم بأي مراجعات، على اعتبار أن التطور الفكري الذي حصل في قناعاته كان استمرارا طبيعيا لتكوينه التعليمي.

كما يؤكد أن الحالة المغربية، خلافا للحالات العربية الأخرى، لم تشهد جماعات متطرفة منظمة، ولا هياكل إرهابية منظمة، ولم تتبن أي جماعة معروفة هجمات الدار البيضاء، موضحا أن الأمر يتعلق بحالة مختلفة عن باقي الحالات العربية، تتميز بالفوضوية أساسا. من جهة أخرى، يلاحظ رفيقي أن مضمون المراجعات التي حصلت ينم عن انتقال من الأدبيات السلفية إلى الأدبيات الإخوانية التي تتبنى منظورا معينا إلى النظام السياسي والدولة والديمقراطية، إلخ. كما يعتبر أن المراجعات التي حصلت في المغرب هي مراجعات فردية، وليست جماعية، وهي لا تشتمل على محتوى سلفي أصلا، ولا تأصيلات للفكر السلفي الجهادي، حتى يتم التراجع عنها، بحسب تعبيره.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.