جرادة.. بين سياسة العصا والجزرة

23 أبريل 2018 - 08:05

لم يكن أهل جرادة يعتقدون أن احتجاجاتهم ستنتهي كما انتهت، لقد دفعت الإشادة باحتجاجاتهم من قبل المسؤولين المغاربة، إلى الاعتقاد بأن ذلك صك يقيهم هراوات قوات الأمن.

لكن بعد 3 أشهر من الاحتجاجات، التي انطلقت عقب وفاة الشقيقين جدوان والحسين الدعيوي، في بئر للفحم الحجري، والتي تأججت أكثر عقب وفاة الضحية الثالثة في ظرف أقل من شهرين، عبد الرحمان زكرياء، تغير الخطاب الرسمي تجاه الحركة الاحتجاجية التي عرفتها المدينة، وسرعان ما تطور الأمر في ظرف ساعات فقط، حيث انقلبت عبارات الإشادة إلى صكوك اتهام، يوجد بسببها اليوم أكثر من 70 معتقلا في سجن وجدة، أكثر من نصفهم ينتظرون محاكمتهم أمام غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف.

كثيرون يعتقدون أن الاحتجاجات التي عرفتها مدينة جرادة بدأت مع وفاة الشقيقين جدوان والحسين، وفي حقيقة الأمر، كانت هناك احتجاجات، قبل ذلك، في عدة أحياء، وبالخصوص في حي المسيرة ضد غلاء فواتير الماء والكهرباء.

ووجه المتظاهرون في هذا الحي دعوات للأحياء الأخرى إلى مقاطعة أداء الفواتير، وهي العملية التي كانت تعرف نجاحا وتوسعا يوما بعد آخر، إلى درجة أن السلطات أحست بالتحدي الذي باتت تشكله هذه الاحتجاجات، وعمدت إلى توجيه إنذارات إلى بعض القادة المفترضين لهذه الاحتجاجات تحذرهم فيها من الخروج والدعوة إلى الاحتجاج، لكن حادث وفاة الشقيقين كان حافزا أكبر لتوسع هذه الاحتجاجات، ولدفع جل السكان إلى الخروج للتعبير عن رفضهم الواقع المعاش في هذه المدينة.

ويؤكد العديد من المتابعين، الذين خبروا العمل النقابي بالخصوص في هذه المدينة، أن تاريخها النقابي شكل أيضا حافزا على الدوام لكل الحركات الاحتجاجية التي عرفتها المدينة، سواء الفئوية منها، أو التي اندلعت أخيرا للمطالبة بمطالب عامة للسكان.

وشهدت المرحلة الأولى لاندلاع الاحتجاجات الأخيرة تنويعا في الأشكال والطرق الاحتجاجية، من تغيير في أماكن الاحتجاج بين مقر البلدية وساحة الأمل وغيرها من ميادين الاحتجاج، وصولا إلى القرع على الأواني المنزلية، في مشهد أعاد إلى الذاكرة مشاهد مماثلة نقلتها وسائل الإعلام العالمية بشوارع مدينة الحسيمة.

تمحورت الشعارات التي رفعها المحتجون حول ثلاثة خطوط عريضة، تلخص بدورها «سلة المطالب»، وتمثل أول مطلب في إيجاد بديل اقتصادي لإخراج المدينة، وعموم الإقليم، من وضعية الهشاشة، ثم ثانيا، المطالبة بإعفاء السكان من أداء فواتير الماء والكهرباء، وثالثا، محاسبة المسؤولين الذين أسهموا في خلق واقع جرادة الذي تعانيه اليوم، ومن يصفهم المحتجون بـ«البارونات»، الذين استغلوا جهد العمال البسطاء طوال عقدين من الزمن.

توالت أيام الاحتجاج، وتحركت الدولة وطلبت الحوار، وعقدت جلسات تلو أخرى في مقر العمالة، وزار رئيس الحكومة المنطقة الشرقية، وقدم من وجدة جزءا من الحلول الموجهة إلى مدينة جرادة، لكن العثماني لم يزر جرادة، واكتفى بتوجيه دعوة إلى المحتجين للالتحاق بجرادة للقائه، وهو ما رفضه المحتجون.

رغم ذلك، فإن المحتجين قبلوا أن يتسلموا حزمة الحلول من والي جهة الشرق، الذي دعاهم إلى لقاء، تسلموا خلاله الحلول المذكورة، وهنا ستعرف هذه الحركة الاحتجاجية منعطفا مهما.

ففي الوقت الذي كان السكان ينتظرون الخروج بتوصيات وقرارات نهائية بشأن سلة الحلول المقدمة لهم، استعجل بعض النشطاء العودة إلى الشارع، ورغم تقديم لجنة الحوار، التي تسلمت من الوالي الحلول، موقفها النهائي منها، حيث قالت إن جزءا منها إيجابي ومقبول والباقي يحتاج إلى مزيد من التوضيح، فإن الذين استعجلوا العودة للاحتجاج كانت لهم الغلبة في السيطرة على الشارع من جديد، وتشكيل لجان تنظيمية في الأحياء بديلة للجان الأخرى.

كان هذا المنعطف بمثابة النافذة التي أدخلت الريح إلى الغرفة، فبعثرت الأوراق، وفتحت المجال أمام الخيار الأمني الذي نهجته الدولة في نهاية المطاف، بعد إصدار الداخلية بلاغها الذي يمنع الاحتجاج دون التوفر على الترخيص اللازم.

تغيرت المقاربة، وتولدت قناعة لدى العديد من المتابعين وحتى المشاركين في الاحتجاجات بأن الدولة عندما تقرر اللجوء إلى الخيار الأمني، للحفاظ على هيبتها وقوتها، لا يهمها ما سبق أن صرح به مسؤولوها، ولا يهمها ما اذا كان المحتجون يرفعون الأعلام الوطنية ويرددون النشيد الوطني.

وبين سياسة الجزرة التي اتبعتها الدولة في البداية وسياسة العصا التي أنهت بها مقاربتها ملف احتجاجات جرادة، دخلت المؤسسة التشريعية على الخط، وشكل برلمانيون بمجلس المستشارين لجنة لتقصي الحقائق في ما وقع في جرادة، والأسباب التي أدت إلى الاحتقان الذي ساد ويسود المدينة المنجمية.

لكن اللجنة، إلى غاية اليوم، مازالت تراوح مكانها، ولم تنتخب هياكلها لتباشر عملها على الأرض، رغم أن الأحداث التي وقعت مضت عليها أسابيع، بل وأصدر القضاء عدة أحكام في حق عدد من المتابعين على خلفيتها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الجاءر منذ 4 سنوات

بﻻد الدل والظلم والحكرة و لفساد....