تمتد حكاية الشاب إبراهيم بن منصور، الذي تسببت له رعونة قائد بطنجة في إعاقة حركية وأزمة نفسية، عميقا في تاريخ علاقة متوترة بين المواطنين والسلطة، هكذا تكشف لنا هذه السلطوية عن الطابع المخزني للسلطة، الذي يشكل بنية مهيكلة لكل المجالات التي هي على تماس مباشر بالمواطن: إدارة، مدرسة، إعلام رسمي ومساجد.
كان إبراهيم شابا مفعما بالحيوية رغم ظروف أسرته القاسية، وحكاية أسرته وحدها مفصولة عن مأساته تجسيد فاضح لأعطاب المشاريع « التنموية » والسياسات الاقتصادية المتعاقبة.. أسرة من ثمانية أبناء تعولهم الأم بسبب مرض الأب الذي يمنعه من العمل، ويجعله بدوره محتاجا إلى الرعاية، ولكم أن تتصوروا معاناة امرأة بسيطة تكدح فيما يمكن أن نسميها مهنا تجاوزا، تكدح بالبيت وخارجه لتوفير مستلزمات الزوج الصحية ومصاريف الأبناء الدراسية واليومية في حدها الأدنى، وسط هذا الوجع الساكن قلبه وعقله كان إبراهيم أكبر إخوته يكبر بقسوة، لا يجد تفسيرا لجحود الوطن، وكانت أمه تمنعه وسائر إخوته من مغادرة مقاعد الدراسة، فحلمها الأوحد الذي تكافح من أجله، متجرعة المهانات، هو أن ترى أبناءها يترقون مدارج العلم بما يضمن لهم مستقبلا محترما لكينونتهم.. وأمام تعنت الأم ورفضها أن يتوقف إبراهيم عن متابعة تعليمه بغية مساعدتها مشهرة سيف « السخط والرضا »، اختار « مرضي والديه » شعبة « الباكالوريا المهنية »، مادام الخطاب الرسمي بما فيه خطاب أعلى سلطة بالبلد يتحدث عن الآفاق الواعدة لهذا المسلك الكفيل بأن يجعل التعليم المغربي « مصنعا » لليد العاملة، يضعها تحت تصرف الشركات العملاقة العابرة للقارات كما يضع تحت تصرفها عقارات بأثمنة زهيدة وإغراءات ضريبية.. دولة تنتظر من الرأسمال الأجنبي التنفيس عن معضلاتها الاجتماعية عبر مشاريع تمكن من امتصاص فائض البطالة، فيما الرأسمال الريعي المسمى بهتانا وطنيا يستثمر أمواله في مشاريع عقارية وسياحية وخدماتية تراكم أرباحا طائلة ولا تشغل سوى أعدادا قليلة من الباحثين عن الشغل، ولا تقدم أي قيمة مضافة لمستقبل الوطن اقتصاديا وقيميا وتكنولوجيا..
في هذا المناخ الذي يتشابك فيه مصير أسرة بمصير وطن، يقرر إبراهيم الاشتغال نهاية كل أسبوع بمتجر لبيع الملابس حتى يؤمن احتياجاته الشخصية ويساعد أمه بما « تيسر ».. شاب في الباكالوريا المهنية صدق مسؤولي البلد، يكدح من أجل الحصول على « الشهادة » التي ستمهد له طريق العمل بأحد معامل المنطقة الصناعية (كان قريبا من الشهادة/الموت).. حلم على قدر الوضع الطبقي للأسرة.. الكادحون يجب أن يتواضعوا حتى في أحلامهم.. لكن رجل سلطة أرعن يأبى إلا أن يصفعنا جميعا.. ويذكرنا أننا لم نضع سوى شاهدة على قبر البصري، بينما ميراثه لازال موزعا بين المقاطعات والمخافر والإدارات والتلفزة والمساجد والمدارس.. الأجهزة الإيديولوجية والقمعية والإدارية للمخزنية لم تمت.. لم تصدق نبوءة محمد اليازغي، الذي قال ذات انتشاء في زمن التناوب « التوافقي »: لقد مات المخزن.. لا، يا سي محمد.. لم يمت المخزن، كان ثمة خطأ لغوي فقط، ما كنتم تسمونه « التراضي » كان يسميه الطرف الآخر « التغاضي ».
توقفت عقارب الساعة في اللحظة التي كان فيها إبراهيم بجوار المتجر الذي يشتغل فيه، يراقب السيد القائد يقود قواته المساعدة « لتحرير » الشارع من « الفراشة » الخاضعين بدورهم لمزاجية السلطة تشددا أو تساهلا.. كان إبراهيم بسذاجة الكادحين يعتقد أن وضعه « النظامي » كأجير بمتجر سيحميه من تعطش صاحب السطة للسب واستعراض العضلات.. وصاحب السلطة والوقت والهراوة علموه ضمنيا أن كل مواطن مشتبه فيه، فكيف بفتى أن يأكل خبزا أمامه أثناء تأدية لمهامه، فهذه إهانة لا تغتفر،، ينفجر القائد « أش كدير أ الكلب؟ ».. كلمة كانت كافية لتنتفض كرامة إبراهيم: « متقوليش الكلب ».. ولأن سعادة القائد المبجل سليل السلطوية ليس متعودا على من ينبهه: « حدك تما ».. صاح في المخازنية آمرا: « هزوا الكلب ».. وباقي الحكاية تعرفونها.. احتجاز لما يقارب ثلاث ساعات بـ »سطافيت » مصحوبا بالركل والرفس والضرب على الرأس ومحاولة الاغتصاب عبر إنزال السروال.. يعلم الله وحده المخاوف التي كان يعيشها إبراهيم في تلك اللحظات المقتطعة من الجحيم، لكن الأكيد أنه كان يفكر في والده المريض وفي أمه التي، ربما، لن يحقق لها حلمها بإكمال دراسته ولا وعده لنفسه بالنجاح في الباكالوريا التي ستمهد له طريق الاشتغال في المعامل، من أجل أن يساعد إخوته الصغار على تحقيق ما عجز عنه.
من « طحن مو » بالحسيمة إلى « هزوا الكلب » بطنجة، مرورا بـ »مي فتيحة » بالقنيطرة وقاصر جرادة والعماري بآسفي و »الشايب » بصفرو .. يستحيل أن نصدق الرميد والصبار واليزمي والهيبة وآخرين حين يعتبرون هذه الممارسات عرضية وغير ممنهجة.. فلقد توافر فيها شرطا: التواتر والكثافة.. باسطا/باراكا…