سباق التسلح: نعمة للمجمع الصناعي العسكري

سباق التسلح: نعمة للمجمع الصناعي العسكري

يصدر Stockholm International Peace Research Institute (معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام – SIPRI) تقريراً سنوياً مفصلاً حول الإنفاق العسكري العالمي منذ سنة 1988، ويُعتبر اليوم المرجع الدولي الأبرز في هذا المجال. وقد صدر مؤخراً تقرير سنة 2025، كاشفاً عن تسارع مقلق في وتيرة سباق التسلح على المستوى العالمي.

وتشمل النفقات العسكرية مجموع الإنفاق العمومي المخصص للقوات المسلحة والأنشطة العسكرية، بما في ذلك الأجور والتعويضات، ونفقات التشغيل، وشراء المعدات والأسلحة، والبنيات التحتية العسكرية، والبحث والتطوير، والإدارة المركزية، وعمليات القيادة والدعم اللوجستي. وبالتالي، فإن نفقات التسلح لا تمثل سوى جزء من إجمالي النفقات العسكرية.
ارتفاع عالمي متواصل
للسنة الحادية عشرة على التوالي، يواصل الإنفاق العسكري العالمي ارتفاعه ليبلغ 2887 مليار دولار سنة 2025، بزيادة قدرها 2.9% مقارنة بسنة 2024 بالقيمة الحقيقية. وفي حين سجلت الولايات المتحدة تراجعاً في نفقاتها العسكرية، شهدت أوروبا ارتفاعاً بنسبة 14%، وآسيا-أوقيانوسيا بنسبة 8.1%. وتستحوذ الدول الثلاث الكبرى المنفقة (الولايات المتحدة والصين وروسيا) على ما مجموعه 1480 مليار دولار، أي ما يعادل 51% من مجموع الإنفاق العسكري العالمي.
وقد بلغ العبء العسكري العالمي حوالي 2.5% من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، وهو أعلى مستوى منذ سنة 2009، ما يعكس توجهاً متزايداً نحو تحويل الموارد العمومية إلى قطاع الدفاع. وإذا استُثنيت الولايات المتحدة، فإن نسبة الارتفاع العالمية تصل إلى 9.2%، مما يدل على أن التباطؤ الظاهري يخفي في الواقع تسارعاً واسعاً في سباق التسلح.

وتعكس هذه الدينامية الدولية سياقاً يتسم بتعدد النزاعات، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، واستباق المخاطر المستقبلية. فقد دخلت الدول في برامج إعادة تسلح طويلة الأمد، ما يشير إلى تحول هيكلي دائم، وليس مجرد ظرفية عابرة.

الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأولى

بلغت النفقات العسكرية الأمريكية 954 مليار دولار، أي ما يقارب ثلث الإنفاق العسكري العالمي، رغم تسجيل انخفاض بنسبة 7.5% مقارنة بسنة 2024. ويعود هذا التراجع أساساً إلى غياب اعتمادات عسكرية جديدة موجهة إلى أوكرانيا خلال سنة 2025، بعد ثلاث سنوات تم خلالها تخصيص 127 مليار دولار لهذا الغرض.
غير أن الولايات المتحدة واصلت رفع استثماراتها في القدرات النووية والتقليدية للحفاظ على تفوقها الاستراتيجي واحتواء النفوذ الصيني المتزايد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتشير التوقعات إلى عودة سريعة للارتفاع، مع إمكانية تجاوز الميزانية العسكرية الأمريكية 1000 مليار دولار سنة 2026، وبلوغها 1500 مليار دولار سنة 2027.
أوروبا: المحرك الرئيسي لإعادة التسلح العالمي
أصبحت أوروبا اليوم المحرك الأساسي لارتفاع الإنفاق العسكري العالمي، إذ بلغت نفقاتها 864 مليار دولار بزيادة قدرها 14%، نتيجة مباشرة للحرب في أوكرانيا وتسارع وتيرة إعادة التسلح داخل دول حلف شمال الأطلسي.
وتخصص الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو ما مجموعه 559 مليار دولار للدفاع، فيما تجاوزت 22 دولة سقف 2% من الناتج الداخلي الخام الذي يوصي به الحلف.
وقد رفعت ألمانيا نفقاتها العسكرية بنسبة 24% لتصل إلى 114 مليار دولار، في مستوى تاريخي غير مسبوق. كما سجلت إسبانيا زيادة كبيرة بلغت 50%، بينما رفعت فرنسا ميزانيتها العسكرية إلى 68 مليار دولار، في حين تراجعت نفقات المملكة المتحدة بشكل طفيف إلى 89 مليار دولار.
وتخصص أوكرانيا نحو 40% من ناتجها الداخلي الخام للدفاع، أي ما يعادل 84 مليار دولار، في تحول واضح نحو اقتصاد حرب. أما روسيا، فقد بلغت نفقاتها العسكرية 190 مليار دولار، بما يمثل 7.5% من ناتجها الداخلي الخام، لتصبح ثالث أكبر منفق عسكري في العالم بعد الولايات المتحدة والصين.
آسيا والشرق الأوسط: توترات متصاعدة
تواصل الصين صعودها العسكري بميزانية بلغت 336 مليار دولار، مسجلة نمواً متواصلاً منذ 31 سنة، في إطار سعيها لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.
كما رفعت اليابان نفقاتها العسكرية بنسبة 9.7%، وتايوان بنسبة 14%، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة ببحر الصين وقضية تايوان. وبذلك أصبحت المنطقة تعرف دينامية مشابهة لما يحدث في أوروبا.
أما في الشرق الأوسط، فقد بلغت النفقات العسكرية 218 مليار دولار. ورغم أن الزيادة العامة تبدو محدودة (0.1%)، فإن هذا الاستقرار الظاهري يخفي مستويات مرتفعة من التسلح. فقد حافظت إسرائيل على مستوى عالٍ من الإنفاق بلغ 48.3 مليار دولار، بزيادة 97% مقارنة بسنة 2022. فيما تظل المملكة العربية السعودية أكبر منفق عسكري في المنطقة بميزانية تبلغ 83 مليار دولار، محتلة المرتبة الثامنة عالمياً. أما إيران، فإن التراجع المسجل في نفقاتها بالقيمة الحقيقية يعود أساساً إلى التضخم المرتفع الذي يخفي الحجم الحقيقي للإنفاق العسكري.
التنافس المغربي الجزائري
في إفريقيا، ارتفعت النفقات العسكرية بنسبة 8.5%، خصوصاً بسبب تفاقم الأوضاع الأمنية في عدد من مناطق القارة. وقد سجلت نيجيريا زيادة قياسية بلغت 55%. وبذلك بلغ مجموع الإنفاق العسكري الإفريقي 55.2 مليار دولار.
وتستحوذ منطقة شمال إفريقيا وحدها على حوالي 60% من الإنفاق العسكري الإفريقي، بما يقارب 35 مليار دولار سنة 2025، أي بزيادة قدرها 9.3% مقارنة بسنة 2024.
وتتصدر الجزائر دول المنطقة بميزانية عسكرية بلغت 25.4 مليار دولار، بزيادة 11%، بينما حافظ المغرب على المرتبة الثانية بميزانية تبلغ 6.3 مليارات دولار. وهكذا تنفق الجزائر ما يقارب أربعة أضعاف ما ينفقه المغرب.
ويغذي هذا التسارع في النفقات العسكرية الجزائرية التوترات الإقليمية ويثير مخاوف بشأن الاستقرار الجيوسياسي في منطقة المغرب الكبير. كما أن تخصيص نحو 9% من الثروة الوطنية وربع الميزانية العامة للإنفاق العسكري يقلص من إمكانيات الاستثمار في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات مهمة، خاصة في مجال تشغيل الشباب.
نهاية « عائد السلام »
تكشف معطيات معهد ستوكهولم أن العالم دخل مرحلة جديدة من إعادة التسلح الشامل والمتزامن، ما يعني نهاية “عائد السلام” الذي أعقب نهاية الحرب الباردة. فحلفاء الولايات المتحدة يعززون قدراتهم العسكرية في ظل الرغبة في تحقيق استقلالية استراتيجية، إلى جانب الشكوك المتزايدة حول مدى استمرار الالتزام الأمريكي بحماية الحلفاء.
وفي بعض الحالات، كما هو الحال في روسيا وأوكرانيا، تتحول الاقتصادات تدريجياً إلى اقتصادات حرب. كما أصبحت الحدود بين الأمن والدفاع أكثر غموضاً، مما يزيد من صعوبة تقييم النفقات العسكرية وشفافيتها.
سوق احتكارية مربحة للغاية
يظل سوق السلاح العالمي شديد التركّز بين عدد محدود من الدول المصدرة. ففي الفترة ما بين 2021 و2025، استحوذت الولايات المتحدة وحدها على 42% من صادرات الأسلحة العالمية، تليها فرنسا (9.8%)، ثم روسيا (6.8%)، فالصين وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وإسرائيل وإسبانيا وكوريا الجنوبية.
أما على مستوى المستوردين، فتتصدر أوكرانيا القائمة بنسبة 9.7% من الواردات العالمية، تليها الهند وقطر والسعودية وباكستان واليابان وأستراليا ومصر والولايات المتحدة والكويت. وتمثل هذه الدول العشر أكثر من نصف واردات الأسلحة في العالم.
ويُعد سوق السلاح من أكثر الأسواق العالمية ربحية، إذ بلغت مبيعات أكبر مائة شركة عالمية في القطاع 679 مليار دولار سنة 2024. وهو سوق احتكاري تهيمن عليه مجموعة محدودة من المنتجين الكبار، حيث لا تتحدد الأسعار فقط وفق آليات العرض والطلب، بل أيضاً وفق اعتبارات سياسية واستراتيجية ودبلوماسية.
كما تتضمن صفقات السلاح أبعاداً متعددة تشمل البحث والتطوير، والابتكار التكنولوجي، والصيانة، ونقل التكنولوجيا، والتحالفات الجيوسياسية، مما يجعل البعد السياسي حاضراً بقوة في هذا القطاع.
وفي النهاية، فإن تصاعد التوترات الدولية وتكاثر النزاعات يغذيان بشكل مباشر مصالح المجمع الصناعي العسكري العالمي. وتُسهم هذه الدينامية في تكريس حلقة مفرغة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الاستراتيجية، على حساب التنمية البشرية والاحتياجات الاجتماعية للشعوب.

شارك المقال