تسوية أوضاع المهاجرين… حين تعجز الحقائق عن هزم السرديات الشعبوية

13/05/2026 - 07:11
تسوية أوضاع المهاجرين… حين تعجز الحقائق عن هزم السرديات الشعبوية

ثمة لحظة في كل أزمة تواصل سياسي تصبح فيها الحقائق، مهما بلغت دقتها، عاجزة عن تغيير قناعات الرأي العام. ليس لأن الوقائع خاطئة، بل لأن الناس يكونون قد كوّنوا بالفعل صورة ذهنية يصعب زحزحتها. قبل عقود، شرح عالم النفس دانييل كانيمان الكيفية التي يعالج بها الدماغ البشري المعلومات عبر نظامين مختلفين: نظام سريع وحدسي وعاطفي، وآخر بطيء وتحليلي ومتأمل. الأخبار الزائفة المصاغة بذكاء تستنهض الأول، بينما تراهن الحجج التقنية والخطابات المؤسساتية على الثاني. وفي هذا الاختلال تحديداً يكمن جانب أساسي من المأزق الذي تواجهه حكومة بيدرو سانشيث في ملف التسوية الاستثنائية لأوضاع المهاجرين.

إذا ما جرى الاكتفاء بالأرقام المجردة، فإن المؤشرات تبدو في صالح الحكومة. فقد بلغ عدد المنخرطين في الضمان الاجتماعي بإسبانيا خلال أبريل 22,1 مليون شخص، وهو رقم قياسي غير مسبوق. كما واصل معدل البطالة تراجعه إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات طويلة. وتحظى عملية التسوية بدعم تحالف واسع وغير مألوف، إذ لا يساندها اليسار والحكومة فقط، بل أيضاً أرباب العمل المحتاجون إلى يد عاملة قانونية، فضلاً عن الكنيسة نفسها. كما تراهن السلطة التنفيذية على أن تشكل الزيارة المرتقبة للبابا دعماً إضافياً للخطاب الإيجابي حول الهجرة. غير أن المشكلة تكمن في أن كل هذه المعطيات لا تصل إلى الرأي العام بالقوة الكافية.

وقد كشفت دراسة استطلاعية أنجزها معهد “40dB” لصالح صحيفة إل باييس وإذاعة كادينا سير جانباً مهماً من هذه الحقيقة. فحوالي 60 في المائة من المستجوبين يرون أن عدد المهاجرين في إسبانيا مفرط، بينما يعتقد 50 في المائة أن التسوية ستمنح الجنسية تلقائياً للمستفيدين منها، في حين يرى 40 في المائة أنها ستزيد من تعقيد الولوج إلى السكن. وتلتقي هذه التصورات الثلاثة في نقطة واحدة: أنها خاطئة، أو على الأقل مشوهة بشكل خطير مقارنة بما تنص عليه الإجراءات الفعلية. إنها نماذج واضحة من التضليل، بالمعنى الذي تعطيه الباحثة كلير واردل لهذا المفهوم: معلومات تُصنع عمداً بهدف التلاعب، لا مجرد أخطاء ناتجة عن الجهل. لكن ذلك، في هذه المرحلة من النقاش، يكاد يصبح تفصيلاً ثانوياً.

ولا تكشف نتائج الاستطلاع فقط عن نجاح حملات التضليل، بل تفضح أيضاً عجز الحكومة عن بناء سردية بديلة ذات طابع تفسيري وتربوي، قادرة على استباق الخطابات السلبية وتفكيكها قبل أن تترسخ في الوعي الجماعي. فقد أظهرت دراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، نُشرت سنة 2018 في مجلة ساينس، أن الأخبار الكاذبة تنتشر بسرعة تفوق الأخبار الصحيحة بست مرات، وأن السبب لا يعود إلى الخوارزميات أو الحسابات الآلية، بل إلى السلوك البشري نفسه. فنحن نتقاسم ما يثير غضبنا قبل أن نتحقق من صحته. لقد أعلنت الحكومة عن التسوية، ودافعت عنها بحجج قوية، واستندت إلى دعم واسع… ومع ذلك خسرت معركة العناوين الكبرى.

داخل دوائر السلطة، ثمة قراءة لما يحدث، وهي ليست خاطئة بالكامل. فمصادر حكومية رفيعة تؤكد أنها رصدت نشاطاً منسقاً وغير مسبوق لجماعات اليمين المتطرف على المنصات الرقمية، عبر شبكات تضخيم إلكترونية استخدمت، في بعض اللحظات، ما يصل إلى 12 ألف حساب لنشر خطاب الكراهية والأخبار الزائفة والمعطيات المضللة. وقد رفعت الحكومة شكاوى بهذا الخصوص إلى المفوضية الأوروبية استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA)، غير أن المؤسسات المعنية قد تستغرق أشهراً قبل اتخاذ أي إجراء فعلي. ورغم أن هذا الرد مشروع وضروري، فإنه يظل محدود الأثر. فهو يفسر جانباً من مناخ التشويش الذي يهيمن على الفضاء العام، لكنه لا يفسر بالكامل الطريقة التي يتلقى بها المواطنون هذه الرسائل.

فالخطاب اليميني المتطرف حول الهجرة ليس جديداً. إنه حاضر منذ سنوات في الفضاء الرقمي، بالسرديات نفسها والآليات ذاتها التي تتكرر، مع اختلافات طفيفة، في بلدان عديدة. الجديد نسبياً هو أن هذه الخطابات باتت تجد صدى داخل فئات ليست بالضرورة جزءاً من قاعدتها التقليدية. وقد شرح الباحث كاس مودّه إحدى الآليات الجوهرية لنجاح الشعبوية اليمينية، والمتمثلة في صناعة تهديد خارجي — المهاجر أو “الآخر” — يُقدَّم باعتباره خطراً يفسد “الشعب النقي”، بما يسمح للزعيم الشعبوي بأن يقدم نفسه بوصفه الحامي الوحيد لهذا الشعب. هذه البنية العاطفية لم تخلقها المنصات الرقمية، لكنها منحتها سرعة انتشار لم يعد أي تكذيب رسمي قادراً على مجاراتها.

إلى جانب ذلك، تواجه الحكومة جبهة قضائية تُبقي التوتر قائماً في الخلفية. فهناك حالياً قضيتان تحظيان بتغطية إعلامية كثيفة: قضية “كيتشن” التي تطال الحزب الشعبي، وقضية “الكمامات” المرتبطة بالوزير الاشتراكي السابق خوسيه لويس أبالوس، حيث تجد الحكومة نفسها معنية بشكل غير مباشر. ويضاف إلى ذلك الملف القضائي المرتبط ببيغونيا غوميث، زوجة بيدرو سانشيث، وما يسببه من استنزاف لصورة رئيس الحكومة. ورغم أن هذه الملفات لا ترتبط مباشرة بعملية تسوية أوضاع المهاجرين، فإنها تغذي الإحساس ذاته: حكومة تدير أزمات متعددة في وقت واحد من دون أن تنجح في فرض أجندتها الخاصة.

في الاتصال السياسي، يلوث السياق كل شيء. وقد وصف دانييل هالين وباولو مانشيني النظام الإعلامي الإسباني بأنه نموذج يقوم على “الاستقطاب السياسي العالي”، حيث لا تعمل وسائل الإعلام باعتبارها فضاءات محايدة، بل تضخم سرديات معسكرها الإيديولوجي وتتجاهل سرديات المعسكر المقابل. وفي مثل هذا المناخ، قد يفقد معطى اقتصادي إيجابي تأثيره بالكامل إذا نُشر في اليوم نفسه الذي تشهد فيه الساحة تطوراً قضائياً مثيراً للجدل. وقد لخّص أحد أعضاء الحكومة هذا الوضع بعبارة تتردد، بحسب مصادر داخلية، كثيراً في أروقة قصر مونكلوا: “نحن لا نتحكم في أي شيء”. وهي ليست تصريحاً رسمياً، لكنها تكشف أكثر من أي استطلاع عن الحالة النفسية والسياسية داخل السلطة التنفيذية.

تملك الحكومة أسباباً موضوعية للدفاع عن حصيلتها. غير أن المشكلة تكمن في أن خطابها يصل متأخراً، وبالصيغة الخاطئة، إلى مواطنين سبق أن استوعبوا عاطفياً سرديات مضادة على مدى سنوات. فمنذ سنة 1986، شهدت إسبانيا ست عمليات استثنائية لتسوية أوضاع المهاجرين، قادتها حكومات من الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي على السواء، واستفاد منها نحو 1,25 مليون شخص. ولم تُثر أي منها مستويات القلق الحالية. الفرق لا يكمن في الإجراء نفسه، بل في البيئة السياسية والإعلامية المحيطة به. وهذه البيئة لا يمكن مواجهتها بالأرقام وحدها. فبعد ثماني سنوات في السلطة، ومع حصيلة يعتبرها كثيرون إيجابية، فإن عجز الحكومة عن تحويل ذلك إلى إدراك شعبي لا يعود فقط إلى التضليل الذي تروّجه اليمين واليمين المتطرف، بل يكشف أيضاً عن عجز ذاتي في إدارة معركة السرد والتواصل السياسي.

شارك المقال