النار والغضب في بيت ترامب الأبيض.. هكذا تمت هندسة اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل (الحلقة الأولى)

18 مايو 2018 - 19:21

في ليلة من أوائل شهر يناير 2017، اجتمع شخصان بترامب، وهما كبير مستشاريه للشؤون الاستراتيجية ستيف بانون، والرئيس التنفيذى السابق لمحطة «فوكس نيوز» الإخبارية روجر آيلز، في حفل عشاء رتبه أصدقاء مشترَكون لهما في منزل في بلدة غرينويتش، ضواحي نيويورك. كان عشاء للاحتفاء بانتصار غير متوقع في الانتخابات الرئاسية، أسابيع قليلة قبل استلام ترامب السلط رسميا من سلفه باراك أوباما. لكنه كان أيضا لقاء للمكاشفة والتداول حول مدى فهم ترامب حقيقة وضعه الجديد وما سيفعله بعد استلامه مقاليد الحكم رسميا.

آيلز، الذي كان مصعوقاً بانتصار صديقه القديم دونالد ترامب مثل معظم المقربين من الرئيس الجديد، حضر العشاء وهو يغالبه الندم، على رفضه عرض ترامب بإدارة حملته الانتخابية “الكارثية” قبل ستة أشهر حين كان فوز ترامب بالانتخابات يبدو مستحيلا. فرغم هيمنة شركة آيلز، “فوكس نيوز” بأرباحها السنوية التي تبلغ 1.5 مليار دولار سنويا، على سياسة الجمهوريين لعقدين، أضاع فرصة دعم ترامب، وهي المهمة التي تولاها فيما بعد ستيف بانون بشركته “بيرتبارت نيوز”، التي لا تتجاوز أرباحها 1.5 مليون دولار في السنة. آيلز يتذكر أنه رفض العرض لمعرفته بعدم ميل ترامب إلى الأخذ بالمشورة، أو حتى الاستماع إليها، لكنه يشعر الآن بالندم بعد فوز ترامب بالانتخابات، لتضييعه فرصة الصعود إلى السلطة.

بحلول تلك الأمسية من شهر يناير، كان ستيف بانون بالمقابل منغمساً في عالم دونالد ترامب منذ خمسة أشهر تقريباً. وعلى الرغم من أنه جمع قدرا كبيرا من خصوصيات ترامب وغرائبه، وما يكفي من الأسباب للأخذ بالحذر بسبب عدم قابلية  التنبؤ بسلوك رئيسه ووجهات نظره، فإن ذلك لم ينتقص من ثقته في كرازمية ترامب.

توجه آيلز بالسؤال إلى بانون قائلا: “هل يستوعب الملياردير اللعوب ترامب حقيقة أجندته الجديدة بوصفه رجلا يمينيا في سدة الحكم؟”. أخذ بانون رشفة ماء. وقال بتردد: “نعم. إنه يفهم”.  بنظرة جانبية، واصل آيلز التحديق في بانون، كما لو أنه ينتظر أن يكشف المزيد من أوراقه. فاستطرد بانون قائلا: “إن ترامب يسير وفقًا لبرنامج.. في اليوم الأول من توليه مقاليد الحكم سوف ننقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لكي نحشد الدعم الإسرائيلي لسياسات ترامب منذ اليوم الأول؛ إذ إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والملياردير الإسرائيلي شيلدون أديلسون يدعمون ترامب بشدّة.” وأضاف بانون: “نحن نعرف وجهتنا جيدا”.

آيلز قابل إجابة بانون بالتشكيك في احتمالية معرفة ومشاركة ترامب في بلورة تلك الخطة، فكان رد بانون غمزة عقبتها كلمة واحدة: تقريبًا. بعد لحظة صمت قصيرة عاد بانون ليستأنف حديثه قائلا: “دع الأردن تأخذ الضفة الغربية، ودع مصر تأخذ غزة. أو دعهما يغرقان وهما يحاولان.” هكذا تحدث بانون عن الخطة المستقبلية لأزمة الشرق الأوسط الكبرى في فلسطين، مُضيفًا أن المملكة العربية السعودية، والدولة المصرية كلتاهما على حافة الهاوية، بسبب تخوفهما من “بلاد فارس”، في إشارة إلى التوسع الإيراني في المنطقة العربية، إضافة إلى ما تشهده تلك المنطقة من تهديداتٍ في سيناء واليمن وليبيا. وأضاف: “لذلك روسيا هي مفتاح رئيسي في الشرق الأوسط ، وإن كان الروس سيؤون”.

أجاب آيلز قائلا: “لكن من الجيّد أن ندرك أن الأشرار هم أشرار”، في إشارة إلى روسيا. فرد عليه بانون موضحا أنه لا يرى أي حرج من التعامل مع روسيا رغم اعتقاده بأنها سيئة؛ “فالعالم مليء بالأشرار”، يقول بانون، مضيفا أن ”الصين هي العدو الحقيقي لأمريكا في الوقت الراهن.. وإن لم نحسن التعاطى معها، لن ننجح فى أي شيء آخر.”

يعود مايكل وولف في فصل آخر من كتابه “النار والغضب” للقضية الفلسطينية قائلا، إن خطاب ترامب المعادي لإيران حدد معالم سياسته الخارجية، بتأثير من مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين. وأصبح ترامب يختزل الشرق الأوسط في أربعة لاعبين: مصر وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وإيران. ويعمل ترامب على توحيد اللاعبين الثلاثة الأوائل ضد طهران، دون أن يتعارض ذلك مع مصالح الولايات المتحدة. وبالمقابل ستضغط الرياض والقاهرة على فلسطين للقبول بخطة السلام.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.