حوارعبد الحفيظ اليونسي: أستاذ القانون العام بكلية الحقوق سطات
اعتبر البعض أن مسيرة فلسطين تعضد وتؤكد مؤشرات أخرى، مثل الحضور الضعيف في مهرجانات العثماني، ونتائج الانتخابات الجزئية، للقول إننا نشهد بداية فقدان الثقة في الحزب. هل تتفق مع هذا الرأي؟
في الحقيقة، يصعب الحديث عن فقدان الثقة، أظن أن حزب العدالة والتنمية راكم تجربة مقدرة في العمل المجتمعي، أي الثقافي والسياسي والاجتماعي، وهي مجالات مهمة لأي حزب سياسي لكي يواصل الحضور في المشهد السياسي، والبيجيدي حاضر بشكل من الأشكال في هذه المجالات، ويحافظ على هذه الامتدادات المجتمعية المهمة. وأظن أن بعض الأطراف في الدولة تراهن على إضعاف الحزب من الداخل بأدوات داخلية، من خلال تضخيم بعض الخلافات، وخلق شقوق في العلاقات البينية بين القيادات والأعضاء، وهو ما يمس جوهر الثقة المبنية على مبدأ «الأخوة» الحاضر في ثقافة الحركة الإسلامية التنظيمية. وما سميته بالمؤشرات، أعتبرها مؤشرات عرضانية وليست بنيوية، بمعنى أن هذه المؤشرات دليل على أن الوهن أصاب بعض أطراف الحزب، لكنه لم يصبه بالشلل. من الواجب التذكير هنا بأن ما وقع في مرحلة البلوكاج وتكوين الحكومة على الخصوص، والتنازلات التي فرضت على الحزب في تلك المرحلة، إضافة إلى النقاش الذي أثير قبل وأثناء المؤتمر بشأن مسألة الولاية الثالثة، كلها عوامل تضافرت لإحداث هزات عنيفة مازالت ارتداداتها مستمرة إلى اليوم.
أين يكمن الخلل، حسب وجهة نظرك؟
أظن أن هناك عوامل موضوعية قد تسهم في تراجع الحزب، مرتبطة أساسا بواقع لا يرتفع، مفاده أن من يتولى تدبير الشأن العام تتأثر شعبيته، وقد يمتد ذلك إلى صناديق الاقتراع، وفي حالة المغرب ووضعه الاقتصادي والاجتماعي المتميز بالتوزيع غير العادل للثروة، وعدم القدرة على تنويع أنتاجها، وأمام ارتفاع الطلب الاجتماعي وضعف القدرة التوزيعية للدولة ومؤسساتها، يفرض على الحكومة التي يقودها البيجيدي اتخاذ قرارات لاشعبية، من المؤكد أنها ستمس شعبيته، وهذه ميزة التدبير العمومي، لكن، عندما يكون أمام الناس مشروع مجتمعي أو برنامج حكومي يهدف إلى تحقيق العدالة في كل تجلياتها، سيحدث تفهم، لكن الواقع أن التشكيلة الحكومية الحالية فيها شركاء متشاكسون، والملاحظ أن هناك من داخل هذه الحكومة من يعمل على إنهاك الحزب وخلق صورة ضبابية حوله في العلاقة مع قاعدته التصويتية الصلبة، وهو ما وقع في التدبير السيئ للمقاطعة. من الناحية الذاتية، أعتقد أن البيجيدي اليوم يفتقر إلى قيادة قادرة على إنتاج خطاب يجيب عن تحديات هذه المرحلة التي تعرف تحولات دولية وإقليمية ووطنية عميقة. هذا الغياب هو الذي أصاب الحزب ببعض الفتور، الذي إن امتد إلى مرحلة الانتخابات، فالمؤكد أنه سيكون هناك تأثير واضح على نتائجه الانتخابية وطنيا ومحليا. أيضا تجدر الإشارة هنا إلى أن الحزب إذا استمر في ارتكاب الأخطاء وعدم التموقع الجيد، فإن ذلك سيكون له تأثير كبير على جاهزية أعضائه، لأنه في مرحلة ما بعد 2011، وطيلة فترة بنكيران، التحق بالحزب نوع جديد من الأعضاء ليسوا أبناء الحركة الإسلامية، بل هم من عموم الشعب، وقد ارتبطوا بمواقف الحزب وخطابه أكثر من أفكاره، وأتوقع، إن استمر الحال على ما هو عليه، أن يغادر الكثيرون منهم.
ما المخرج الممكن من الوضع الحالي للحزب لاستعادة صورته لدى الرأي العام والانطلاق من جديد؟
كما قلت سابقا، ضمانات استمرار حزب العدالة والتنمية في الحضور على مستوى الدولة والمجتمع موجودة، ولكي يستعيد جاذبيته ويتحول إلى حزب شعبي يحتاج إلى مراجعة عميقة لمجمل تصوراته التي بنى عليها مشاركته السياسية، وهي المراجعة التي تحتاج إلى حضور المثقف داخل الحزب، وهو الغائب الأكبر اليوم في قيادات الحزب. انظر معي إلى تشكيلة الأمانة العامة، لقد غلب طابع الولاء وخلق الإجماع، وإنتاج نخب قيادية تقنوقراطية لم نسمع لها حسا في المنعرجات التي عرفتها هذه الحكومة. السياسة مواقف، وليست حضورا إعلاميا وتدبير ملفات. من ناحية ثانية، يحتاج الحزب إلى الإنجاز في تجربته الحكومية الجديدة، وإذا لم تسعفه موازين القوى أو الهندسة الدستورية للسلط، أو تشكيلة الحكومة الحالية، فعليه أن يصارح الشعب، أو على الأقل من صوتوا له، فوظيفة الحزب، في نظام سياسي هجين مثل النظام السياسي المغربي، هي النضال السلمي والعلني والواضح من أي موقع، في أفق تحقيق الانتقال الديمقراطي.