مآثر المـدن.. مقهى الحافة بطنجة

22 مايو 2018 - 03:00

بحي مرشان الأرستقراطي، يقع مقهى الحافة على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، يقابل الضفاف الأندلسية التي أحرق فيها طارق بن زياد سفن جنوده، في فعلة تجمع بين الجنون والحكمة.

كذلك هو «الحافة»، رواده يلجؤون، في مسعاهم إلى تحقيق توازنهم الروحي والوجودي، إلى تناقضات قلما اجتمعت في مكان أو شخوص: التمرد والتأمل.. الخشوع والضوضاء.. التوحد والاجتماع..

لعب «البارتشي» والقراءة.. الموسيقى الأندلسية وموسيقى «الميتال»… طارق نفسه، حين عزم على إحراق قوارب جنوده، أشعل النار فوق ماء الضفة المقابلة لمقهى «الحافة»!

مقهى «الحافة»، بصمته وهرجه، بطاولاته الحديدية، وشايه المنعنع، بوجوه نادليه المتيبسة برياح الشرقي، بهوائه الندي المختلط برائحة «الكيف» المحترق، بسحره الرابض في مكان ما، بأرواح الذين مروا منه… هو محض «عزلة في الزحام»، كما سماها المسرحي الطنجاوي الزبير بنبوشتى في كتابه الذي يحمل عنوان «مقهى الحافة.. عزلة في الزحام».

يقول الزبير: «في بداية الثمانينيات، اكتشفت مقهى الحافة، كان ذلك عند اشتغالي في بعض الأفلام السينمائية والوثائقية، ثم لاحقا بدأت أصحب بول بولز، الذي تعرفت إليه في 1985 إلى هناك. كان بولز يسعد بمداعبة قطط المقهى».

في 2003، اقتنى الفيلسوف الفرنسي، المثير للجدل، برنارد هنري ليفي، المنزل الملاصق لمقهى الحافة، وعند البدء في ترميمه حفر عميقا إلى أن تشققت جدران المقهى، لكن الفيلسوف الفرنسي سيطمئن مالكي «الحافة» إلى أنه سيرممه، بيد أن عقل الفيلسوف وإسمنته صارا ضد خيال «الحافة» ومادتها الترابية الهشة؛ ومنذ ذاك صار بلاط «الحافة» وأدراجه بصلابة جدار الفصل العنصري.

«ما من قاصد طنجة -عابرا أو مستقرا- إلا وحل بهذا البستان المعلق بين زرقتي البحر والسماء، للتأمل، للكتابة، وللاستمتاع بالنسيم الذي يهب علي ممزوجا بملوحة البحر وأريج الورود ورائحة الشاي المنعنع في جلسة تأملية هادئة تزيد من هدوئها شاعرية الموقع. نعم جلهم، إن لم يكن كلهم، مر من الحافة: جان جنيه، جيمس ماك باي، علال الفاسي، بول بولز، فريديريكو غرسيا لوركا في مروره الخاطف، تينيسي ويليامز، لطفي الخولي، ألبرتو مورافيا…

ومن أبناء المدينة طبعا: المرحوم عبد الله كنون في استراحته بعد تجواله المسائي بين فضاءات مرشان المجاورة لمقر سكنه العتيق المفضل بحي القصبة العريق، عبد القادر السميحي في انسلاخه الصيفي عن جلده الرباطي، الطاهر بنجلون في إطلالته الصيفية بـ«كوبليه» الأبيض كعارض أزياء باريسي يزور الحافة، عساه يسترجع مشيته وطفولته الطنجاوية، فريدة بليزيد في ترددها اليومي صحبة زوجها الرسام المهدي المنبهي، مومن السميحي الوفي العاشق لفضاءات مدينته الجميلة.

جيلالي فرحاتي في نمط عيشه وتواصله الشعبي مع الناس البسطاء، العربي اليعقوبي الذي عرف الحافة صبيا وطفلا ثم شابا، وها هو إلى اليوم لايزال يرقبه كحارس مبجل من غرفة بيته المطل على المقهى، وأخيرا محمد شكري، ذاك المدمن الكبير على حب طنجة والعيش فيها والكتابة عن فضاءاتها وبفضاءاتها، المترهبن في محرابه الليلي والنهاري».

هؤلاء الذين يذكرهم المسرحي الزبير بن بوشتى في كتابه «مقهى الحافة.. عزلة في الزحام»، وغيرهم، لم يكونوا ليطؤوا أرض طنجة دةت أن يوشوش لهم شيطان الغواية بزيارة «الحافة»

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي