عاشت مجموعة من العاملات المغربيات، اللائي توجهن صوب الجارة الشمالية للمغرب، إسبانيا، للعمل في جني التوت في حقول مدينة ويلفا، جنوب البلاد، بموجب عقود موسمية، كابوسا حقيقيا، حول الرغبة في السفر إلى الفردوس الأوروبي الموعود إلى كابوس جعل حياتهن تتحول إلى جحيم يومي.
عاملات من مختلف مناطق المغرب، تركن ورائهن كل الآلام والمشاكل واستشرفن المستقبل بنظرة تفائلية آملا فيما سيجود به عليهن البلد الأوروبي، دون أن يعين، أو يفكرن للحظة فيما يخبئه لهن المجهول من معاناة لم تكن في الحسبان، جعلتهن يلعن اليوم الذي فكرن فيه في بلوغ الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط رغم قساوة أوضاعهن الاجتماعية بالمغرب.
جحيم الاستغلال
بامتعاض شديد واستياء عارم، تروي فاطمة لـ » اليوم 24″ قصتها مع العمل الموسمي في إسبانيا وهي تغالب الدموع، التي يمتزج فيها الألم بالتحسر على خوض تجربة ظنت، خاطئة، أنها ستكون سبيلها لتحسين وضعية عائلتها المادية، قبل أن تنقلب إلى كابوس أرق مضجعها وحول حياتها اليومية إلى جحيم حقيقي.
تقول فاطمة « سافرت إلى إسبانيا رغبة مني في تحسين وضعيتي وإدخار بعض المال لمساعدة عائلتي على متطلبات الحياة، سيما وأنني أنتمي إلى عائلة فقيرة، تعيش الفقر والحرمان في أقصى تجلياته، قبل أن اكتشف واقعا مرا جعلني ألعن اليوم الذي فكرت فيه في الهجرة ».
وتابعت بنبرة حزينة « وقفت على أبشع أنواع الاستغلال، المقابل المالي ليوم من العمل ليس كما هو متضمن في العقد، 43 أورو تحولت، بقدرة قادر، إلى 30 أورو، والأكثر من هذا مدة الاشتغال لم تتجاوز أسابيع قليلة، اشتغلت فقط 20 يوما، وهناك فتيات اشتغلن فقط 15 يوما وتم ترحيلهن إلى المغرب بداعي إنهاء التعاقد ».
الحقيقة المرة ذاتها كشفتها مليكة، التي قالت إنها اشتغلت فقط 15 يوما بعدما طردها المشغل بداعي سقوط المياه على صندوق التوت، مبرزة أن ما وقع لها حدث مع عاملات أخريات، أجبرن على العودة إلى المغرب بداعي ارتكاب خطأ جسيم.
واستطرت مليكة قائلة « نعيش عبودية من نوع خاص، طريقة التعامل مع العاملات تختلف رغم كونها، عموما، لا تليق بكرامة مهاجرات تم استقدامهن للعمل بموجب عقود، من المفروض أن تراعي حقوق الإنسان وتضمن واجباتهن، وتحترم حقوق الشغل ».
وأضافت » يستغلنا أصحاب الضيعات الاسبان، ويستغلنا المغاربة المشرفون، هناك جمعية تأتي لدعمنا ومساندتنا، لكن الخوف المسيطر على العاملات يدفعهن إلى التستر وعدم البوح بالحقائق خوفا من الطرد، لأن هناك عائلات تنتظر منا توفير قوتها اليومي، فيكون السكوت أمام الخروقات والانتهاكات خيار لا محيد عنه، وضرورة ملحة تفرضها ظروفنا الاجتماعية ووضعيتنا المالية، أما التحرش الجنسي فلم تسلم منه العديد من الفتيات ».
ظروف قاسية
الاشتغال في حقول « الفراولة » لا يخلو من التعب والمخاطر الصحية، نتيجة قضاء ساعات طويلة تحت الخيام البلاستيكية بشكل « مقوص » لجني الفاكهة، وهو ما تسبب في تشنجات عضلية، وأمراض للعديد من العاملات، بينهن واحدة قالت لـ » اليوم 24″، إنها طلبت نقلها إلى المستشفى بسبب تدهور حالتها الصحية، لكن مطلبها قوبل بالرفض، بل الأكثر من ذلك تمت مطالبتها باستئناف العمل بعد حرمانها من جواز سفرها، فضلا عن منعها من العودة إلى المغرب.
عاملة أخرى كشفت أن الشقة التي تقطنها بمدينة ويلفا الاسبانية تضم 14 عاملة، وهو رقم يكشف بالملموس ظروف العيش، بعد يوم شاق ومتعب وسط حقول الفراولة، مبرزة أنها ندمت على خوض التجربة، وأنها لن تعود مجددا للعمل في حقول التوت رغم حاجتها الماسة والملحة إلى العمل والمال.
المتحدثة ذاتها كشفت جوانب أخرى من الاستغلال حينما قالت « يتم خصم نصف يوم من العمل في بعض الأحيان من مستحقاتنا، ولا نعوض عن عملنا يوم الأحد، نشتغل يوميا ولا نستفيد من يوم راحة، نتقاضى بين 300 و370 درهما عن اليوم الواحد، في وقت ينص فيه العقد على ضرورة منحنا مقابلا ماليا في حدود 450 درهما.. فضلنا الصمت ومواصلة العمل لحاجتنا الماسة إلى العمل خوفا من الطرد والعقاب ».
وفيات و »حريك »
كشفت مجموعة من عاملات التوت، في حديثهن مع « اليوم 24″، أن نسبة الوفيات في صفوفهن هذه السنة بلغت 3، واحدة وضع حد لحياتها عن طريق طعنة قاتلة بواسطة سكين من طرف زميلتها، التي قيل إنها توفيت بعدها بسكتة قلبية، وثالثة لدغتها أفعى لتلفظ آخر أنفاسها وسط الحقل، الذي ظنت أنه سيكون وسيلة لانتشالها من الضياع والفقر قبل أن يكون شاهدا على آخر أيام عمرها.
أمام الظروف الصعبة التي اصطدمت بها عاملات التوت المغربيات، وفي ظل قلة فرص الشغل بالمغرب وانتمائهن إلى أسر فقيرة، قررت مجموعة من الفتيات سلك طريق « الحريك » والبقاء بصفة غير قانونية باسبانيا، عوض العودة إلى أرض الوطن، وهو الوضع الذي قد يزيد من متاعبهن في ظل الأزمة التي يعيشها البلد الأوروبي، والتي تسببت في ارتفاع معدل البطالة وقلة فرص الشغل.