الحضور الاجتماعي.. الملك الذي لا ينسى فقراءه

28/05/2018 - 03:20
الحضور الاجتماعي.. الملك الذي لا ينسى فقراءه

منذ عودته من فرنسا، بعد فترة نقاهة قضاها عقب عملية جراحية كللت بالنجاح، استأنف الملك محمد السادس أنشطته الميدانية بشكل مكثف منذ مطلع شهر رمضان لهذا العام. فكل من يتتبع نشرات الأخبار، سواء على صفحات الوكالة الرسمية أو على القنوات العمومية، سيلاحظ أن الملك يقوم كل يوم بأكثر من نشاط ميداني، قد يكون اجتماعيا أو دينيا أو هما معا، ما يبرر التساؤل حول الغايات السياسية لهذه الأعمال؟ وعلاقتها بتقوية المشروعية الدينية للملكية؟

تكشف نشرات الأخبار الرسمية كثافة الأنشطة الملكية خلال شهر رمضان الجاري. ففي 17 ماي، الموافق لفاتح رمضان، أشرف الملك محمد السادس، بسلا، على إعطاء انطلاقة العملية الوطنية للدعم الغذائي «رمضان 1439»، التي تنظمها مؤسسة محمد الخامس للتضامن كل شهر رمضان، والغاية منها إبراز «العناية الملكية الموصولة بالأشخاص في وضعية هشاشة، كما تأتي لتكريس القيم النبيلة للتضامن والتآزر والمشاطرة التي تميز المجتمع المغربي». وفي اليوم نفسه كذلك، فاتح رمضان، أشرف الملك على إعطاء انطلاقة أشغال بناء مركب للتنشيط الثقافي والفني بتابريكت بمدينة سلا، والذي «يشكل تجسيدا جديدا للعناية السامية التي مافتئ جلالة الملك يوليها لقطاع الفنون والثقافة»، حسب القصاصة الخبرية للوكالة الرسمية. وانتقل الملك في اليوم نفسه إلى حي العكاري بالرباط، حيث أشرف على «إعطاء انطلاقة أشغال بناء مركز للتكوين في مهن الصيانة والطاقة المتجددة»، وهو مشروع يجسد «الاهتمام الخاص الذي يوليه جلالة الملك للشباب، خصوصا المنتمين إلى أسر في وضعية هشة، وكذا عزم جلالته الوطيد على إشراك هذه الفئة المجتمعية في مختلف الإصلاحات المباشرة في المملكة، وتحفيز ولوجها مختلف آليات ووسائل الاندماج الاجتماعي والمهني، لاسيما عبر تكوينات مؤهلة في مسارات محدثة لفرص الشغل»، حسب الوكالة الرسمية دائما.

في اليوم الموالي، ثاني رمضان، تكرر الحضور المكثف نفسه من خلال إشراف الملك، مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، على تدشين مركز التكوين المهني بالسجن المحلي العرجات 2، وعلى إطلاق برنامج الدعم للتشغيل الذاتي للنزلاء السابقين -رمضان 2018. وهي خطوة تجسد، حسب الخطاب الرسمي، «الاهتمام الخاص الذي يوليه جلالة الملك لإعادة إدماج نزلاء المؤسسات السجنية ضمن النسيجين الاجتماعي والاقتصادي، جزءا من برنامج مندمج تنفذه مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بتعاون مع مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وباقي الشركاء. وخلال اليوم نفسه، افتتح الملك محمد السادس مسجدا بحي السلام في سلا أطلق عليه اسم والدته «مسجد صاحبة السمو الأميرة للا لطيفة»، قبل أن يؤدي به صلاة الجمعة. وعن المقصد من وراء ذلك، جاء في النشرات الرسمية أنه يعكس «الاهتمام الخاص الذي يوليه جلالته للشؤون الدينية، وعزمه الموصول على تمكين المملكة من مساجد تزاوج بين عنصري الوظيفية والجمالية، حتى يكون بوسع المؤمنين تأدية شعائرهم في أفضل الظروف».

في اليوم الثالث من رمضان، سنلاحظ استمرار النشاط الملكي بمستوى الحضور نفسه على الصعيدين الاجتماعي والديني معا، إذ بالإضافة إلى ترؤسه الدروس الحسينية، عرف هذا اليوم إشراف الملك على تدشين مركز للتكوين في المهن التربوية والاجتماعية بالرباط، وهو مشروع تضامني يسعى إلى تحفيز الاندماج السوسيو-مهني للشباب وتمدرس الأطفال. وفي اليوم الرابع، انتقل الملك إلى إقليم القنيطرة، حيث أطلق مشاريع تضامنية تمثلت في إعطاء انطلاقة أشغال بناء دار عائلات البحارة الصيادين بجماعة مهدية، ومركز للتكوين المهني والإدماج في الشغل بجماعة سيدي الطيبي، ومركز للتكوين المهني في مهن اللوجيستيك الفلاحي بجماعة سوق الأربعاء. وبعد القنيطرة جاء دور إقليم الصخيرات-تمارة، الذي عرفت في اليوم الخامس من شهر رمضان، وضع الملك الحجر الأساس لبناء مركز للقرب خاص بالمرأة والطفل، وهو مشروع «ذو حمولة اجتماعية قوية»، يعكس «الأولوية التي يوليها جلالة الملك لتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للنساء، لاسيما المنحدرات من الوسط القروي، وحرص جلالته على توفير وسائل تحقيق ذواتهن واستقلاليتهن لتمكينهن من تعزيز موقعهن فاعلا أساسيا في تنمية المجتمع»، تقول النشرة الرسمية.

ملك الفقراء

من خلال الحضور المكثف للملك خلال شهر رمضان، يستعيد المغاربة لقبا للملك محمد السادس لم يعد يذكر كثيرا في الإعلام الرسمي، وهو أنه «ملك الفقراء»، الذي جعل على رأس أولوياته محاربة الفقر وسط المغاربة.

ويمكن أن نلاحظ هذه الأولوية من خلال «أربع مبادرات اجتماعية كبرى»، حسب يونس رباح، باحث اجتماعي، فبين 2000 و2009 أطلقت وكالة التنمية الاجتماعية، ثم المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ثم المبادرة الوطنية للتنمية الاجتماعية، وأيضا مؤسسة محمد السادس للتضامن، «هاتان الأخيرتان محسوبتان على القصر»، وتقومان على فلسفة خاصة تركز على «التدخل المباشر في رتق تمزقات الجسد الاجتماعي، خصوصا في صفوف الفئات المهمشة».

المصطفى المناصفي، متخصص في السياسات الاجتماعية، يرى أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كانت أهم قرار سياسي في عهد الملك محمد السادس، لأنها مبادرة تهدف إلى الحد من الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي، وذلك من خلال تسهيل ولوج الأشخاص المستهدفين للخدمات الأساسية كالصحة والتربية، ومحاربة الأمية، والكهربة والماء الصالح للشرب بالعالم القروي، والقضاء على السكن غير اللائق، وتطوير الشبكة الطرقية.

غير أن المبادرة لم تحقق أهدافها كاملة، ما جعل الملك يستدرك في سنة 2015 في خطاب رسمي، حيث «حدد 29 ألف دوار في 1272 جماعة «تعاني الخصاص»، وسيستهدف 20 ألفا و800 مشروع في أكثر من 24 ألف دوار يقطنها 12 مليون شخص». لقد تبيّن أنه طيلة عشر سنوات من عمر المبادرة، أنها كانت خارج التغطية ومجال الاستهداف.

والسبب أن «هنالك مشكلة رئيسة في كيفية التخطيط العمومي لمحاربة الفقر أو التخفيف منه، وكان من الواضح أن السياسات العمومية منذ 2005، والتي جعلت من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نقطة ارتكازها، لم تكن مجدية.. هناك خلل جوهري في طبيعة المشاريع المقدمة باعتبارها آليات لمكافحة الفقر. وعلى ما يبدو، فإنها لا تكافح الفقر، وفي بعض المرات تفشل حتى في التخفيف منه إلى نسب معقولة»، يقول إدريس الفينا، وهو خبير في الاقتصاد الاجتماعي.

ليس مشكل التخطيط وحده ما يحد من فعالية البرامج التي أطلقها الملك لمكافحة الفقر، بل هناك مشكل سياسي أيضا، يتمثل في «مشكل الالتقائية» بين المتدخلين. يشرح مصطفى اليحياوي، أستاذ جامعي، ذلك بالقول إن «فعالية أي برنامج جديد مرتبطة بدرجة ملاءمة إجراءاته لواقع العيش المزري للفئات الاجتماعية المعوزة. وهذه الملاءمة تشترط إيجاد حلول بنيوية غير وقتية وغير خاضعة لتنازع الشرعية بين الفاعلين، والذي عادة ما حكم تموقع الملك والأحزاب وبقية الفاعلين في الحقل الاجتماعي». ويضيف أن هذه الحلول «لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود مسالك واضحة وناجعة لتنظيم التضامن الوطني عبر إطار لالتقائية المشاريع والبرامج يضبط بشكل عقلاني غير محكوم بعقلية تعدد مراكز قرار الدولة بتعدد المصالح. ومثل هذه الالتقائية يجب أن تفرض بقرار سياسي».

أمام فشل السياسات العمومية في تحقيق كل أهدافها، يبقى، إذن، تفعيل البعد التضامني في التخفيف من معاناة المواطنين. حسب محمد شقير، أستاذ العلوم السياسية، يشكل الحضور الملكي المكثف في شهر رمضان نوعا من الاستدراك على فشل السياسات الاجتماعية. فالملك في «حملة «القفة الرمضانية»، يسعى إلى تبليغ رسالة مفادها أنه «الملك الأب، العطوف، الذي يقوم برعاية كل أبنائه ولا ينساهم. وهي الرسالة التي يُبلّغها الخطاب الإعلامي الرسمي بنوع من المبالغة والتضخيم أحيانا».

 

مورد للشرعية

غير أن تفعيل هذا البُعد التضامني لا يمكن فصله عن السياسة ومراميها. عبد الحكيم أبو اللوز، متخصص في السياسة الدينية، اعتبر أن «النظام يحتاج باستمرار إلى التموقع بشكل متجدد في علاقات القوى والمعنى»، مؤكدا أن أحد الأهداف المضمرة، من خلال الحضور الملكي المكثف في الميدان، هو «إيقاظ الوعي لدى المواطن بوجود الملك الدائم حاكما باسم الدين، وأن من وسائل ذلك ظهور الملك بصفته أميرا للمؤمنين، والسعي إلى تكوين صورة رمزية ومادية حول مؤسسة تملك القاعدة الاجتماعية، وليس العنف المشروع فقط».

ولا يميز أبو اللوز بين البعد الاجتماعي في الحضور الملكي والبعد الديني، «إنه وبكل بساطة إنتاج شكل جديد من المشروعية مواز للشرعية الضبطية القانونية»، ويضيف قائلا: «لقد استفادت السلطة كثيرا من النتائج العكسية للتصلب الذي طبع سياستها بعد أحداث 16 ماي 2003، واتجهت منذ 2011 إلى كسب عمق اجتماعي، في العمل الميداني، بشراكة مع الجمعيات الخيرية، من أجل تسويق صورة السلطة الملتصقة بهموم الناس اليومية والملحة».

ويذهب محمد شقير، أستاذ متخصص في العلوم السياسية، إلى ربط الحضور الملكي الديني والاجتماعي في رمضان بطبيعة النظام السياسي القائم على الشرعية الدينية للملك، فهو أمير المؤمنين. وهذه الوظيفة «تقتضي من الملك القيام بمجموعة من الأعمال والأنشطة الاجتماعية والدينية، سواء خلال المناسبات الدينية، مثل رمضان أو الأعياد الدينية مثل المولد النبوي». فالملك -يقول شقير- «يعكس، من خلال حضوره، شرعيته الدينية». وينّبه شقير إلى أنه خلال رمضان بالأساس تظهر «العلاقة الوطيدة والمتداخلة بين الديني والسياسي في النظام الملكي»، وندرك «لماذا لا يحضر الملك في مناسبات، ويتغيب فترة طويلة نسبيا عن الوطن، في حين أنه يواظب على الحضور خلال شهر رمضان، حيث لم يثبت أنه تغيب فيه منذ اعتلائه كرسي الحكم». ملاحظة تكشف، في رأي شقير، «عمق الشرعية الدينية للملك، والتي يسعى إلى تعزيزها أكثر خلال هذا الشهر الفضيل كل عام وبشكل مفكر فيه مسبقا».

إشعاع
 وديبلوماسية دينية.. الحسن الثاني ورمضان

انتبه الراحل الحسن الثاني مبكرا  وهو الذي نشأ على تربية تركز على الجانب
الديني إلى تقليد دأب عليه أجداده ومنهم السلطان الحسن الأول، بمجالسة العلماء في رمضان، والاهتمام بالقرآن ومجالس الذكر. وهكذا   تطور الأمر الى  تنظيم دروس رمضانية يرأسها شخصيا، مباشرة منذ أن بداية حكمه بعد عامين من  توليه العرش بعد وفاة محمد الخامس. كانت الطقوس تقتضي الجلوس أرضا فوق زربية ممتدة في قاعة في ضريح الحسن الاول،  لكن  فيما بعد انتقلت  الى قاعة فسيحة داخل القصر، وزاد عدد الضيوف
فتحولت الى أحد أبرز المشاهد الدينية في رمضان.

هذه الدروس الرمضانية لعبت دورا في تخليد اسم الحسن الثاني  في مجال الدبلوماسية الدينية للدولة المغربية، ما جعل المسؤولين الجزائريين  يفكرون في منافسته بخلق نشاط مماثل لهم لكن تجربة  « للدروس المحمدية »، التي يترأسها وزير الأوقاف الجزائري من خلال مشيخة الطريقة الشاذلية  الهبرية لم تلق نفس الإشعاع الذي  عرفته الدروس الرمضانية التي تحتضنها رحاب القصر الملكي بالرباط.

كان الملك لا يكتفي فقط بالإنصات وختم الدروس بطريقته إنما أيضا، بمناقشة المواقف والأفكار التي يعبر عنها العلماء الذين يتناوبون على المنبر، وساعده في ذلك قراءته الغزيرة لكتب الفقه والتفسير والحديث.

ومن الحوادث التي وقعت خلال إحدى الدروس الرمضانية ما وقع حين ألقى الشيخ يوسف القرضاوي عام 1981 درسا، حول مضمون حديث نبوي عن تجديد الدين كل مائة سنة، فذكر رواية واحدة لهذا الحديث تقول »… من يجدد لها دينها »، فتدخل الملك وقال له إن هناك رواية أخرى تقول « … من يجدد لها أمر دينها ».

ومن القصص المثيرة أيضا ما وقع في درس رمضاني سنة 1989،  تزامن  مع  توقيع معاهدة اتحاد المغرب العربي بمراكش في 17 فبراير  وكان يوم جمعة، حيث  ألقى الحسن بن الصديق، أحد أفراد العائلة الصديقية المعروفة بالشمال، درسا في موضوع « الدين بين الاتباع والابتداع »، تناول نماذج من البدع المنهي عنها ومن ضمنها العقود التي تبرم وقت صلاة الجمعة، مذكرا بقوله تعالى في سورة الجمعة « يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر لله وذروا البيع »، إذ قال معلقا: «فإذا تشاغل عنها مسلم ببيع، أو بأي شيء من الأشياء، كان ذلك العقد وذلك البيع باطلا ولاغيا ولا يترتب عنه أثره، وهكذا »،  فتدخل الملك قائلا: « أتمم الآية يا فقيه »، فتلا بن الصديق قوله تعالى: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل لله، واذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون»، فعاود الملك المقاطعة، منبها إياه إلى ضرورة إتمام الدرس في غضون خمس دقائق. وقد فهم الحسن الثاني أن بن الصديق يلمح إلى بطلان معاهدة اتحاد المغرب العربي التي وقعت يوم جمعة بمراكش، بعد صلاة الجمعة.

وتحول الحسن الثاني أحيانا الى واعظ  يلقي  بنفسه في أكثر من مناسبة دروسا  أمام العلماء، ساعيا الى إظهار  الديني من شخصيته،  كرجل فكر ودين وليس فقط كرجل دولة، يلبس الجلباب والسلهام، ويجلس ليرأس الدروس التي يحضرها العلماء من كافة المعمور، لأنه «أمير المؤمنين»  وهي  صفة ترتبط بالسلطة وأيضا بالدين. ففي شهر رمضان الموافق لـ25 دجنبر 1966ألقى الحسن الثاني درسا دينيا انطلاقا من الحديث النبوي »من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وقال مفسرا تغيير المنكر باليد واللسان في الحديث: «بيده بمعنى: إذا كان لك أيها الإمام أو أيها الملك أو أيها الرئيس تلك السلطة التشريعية، ورأيت إما ببصرك أو ببصيرتك أو بلسانك، بمعنى المخبرين، والحقيقة أن اليوم اللسان هو الهاتف والتليفون والراديو، حيث إنه يمكن للرسائل أن تصل بسرعة، إذا رأيت هذا المنكر أو رآه من هو ينوب عنك وعلمته ولم تغيره، فسوف تكون إذاك مذنبا مجرما بالنسبة لله أولا، وبالنسبة لذلك المجتمع الذي جعلك لله عليه قيما وراعيا ومسؤولا، وأضاف مفسرا اللسان أيضا: «واللسان هنا الإخبار، أو الكتابة، عليه أن يكتب إلى عامل الإقليم أو إلى والي المدينة أو إلى قاضي القرية، أن يكتب لهم ويمضي كتابه، أو يبلغه بواسطة الهاتف وهو لسان المنكر الذي رآه وشهده وشاهده، حتى يمكن للقائمين على الأمر تغيير ذلك المنكر»،

 

شارك المقال