التفسير الاتصالي للربيع العربي

30 مايو 2018 - 04:00

محمد عبد الوهاب العلالي

يتطلع العرب إلى فهم حصيلة أكثر من خمس سنوات من سلسلة الثورات التي هزت ما عرف بالنظام العربي، مع إقدام محمد البوعزيزي على إحراق نفسه في سيدي بوزيد، وسقوط أنظمة سياسية على نحو سريع وغير متوقع، في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، واستفحال الوضع أمام وجود دول هشة في كل من سورية والعراق ودول أخرى تسارع الوقت لتكريس إصلاحات على نحو تجريبي لاحتواء الوضع والخروج من هذا المأزق التاريخي.

المستوى الثاني في التفسير الاتصالي للربيع العربي، هو مستوى المعلومات. تمثل عتبة المعلومات (عتبة “ب”)إحدى الحلقات المهمة للتفسير الاتصالي للربيع العربي وعنصرا أساسيا ضمن منظومة الهرم المعرفي. ويشمل ذلك، معلومات اكتسبت صفة الخبر المصاغ في شكل من الأشكال الإخبارية المعروفة في المجال الإعلامي الصحفي، والمعتمدة أساسا على العناصر الأساسية المكونة للأجناس الصحفية، والتي توسم هذا الصنف من المعلومات بمصداقية عالية ووثوقية من حيث المصادر وموضوعية المعالجة واحترام كبير لأخلاقيات العمل الصحفي.

والمعلومة كبيانات تمت معالجتها وأصبحت لها قيمة بعد تحليلها، أو تفسيرها، أو تجميعها فى شكل ذى معنى يمكن من تداولها وتسجيلها ونشرها وتوزيعها فى صورة رسمية أو غير رسمية وفى أي شكل من الأشكال الصحفية تتسم بكونها تمد المستقبل بعناصر تؤثر على تمثلاته وسلوكاته .

وهذا يعني أن المعلومات كمستوى من مستويات الهرم المعرفي تضم المعلومات الإخبارية المختلفة والمعلومات الفكرية والقيم والنظريات والمعلومات السياسية المنصهرة مع آليات السلطة ومراكز القرار والمعلومات المحفزة للسلوك الاجتماعي والسياسي .

وهكذا، تشكل هذه العتبة عاملا مفسرا لمآلات الربيع العربي، ونتائجه المتواضعة، مقارنة بالشعارات التي رفعتها إبان فترة انطلاقتها سنة 2011. وهو ما يفسر من خلال ملاحظة ادوار الصحفيين والإعلاميين ومساهمتهم في مراحل الحراك العربي؛ اذ كان لهذه العتبة أدوارا خاصة في تشكيل الرأي العاموإبراز الخلفية التاريخية للأحداث والقضايا والإحاطة الكاملة بها، ومن خلال عرض وتحليل الأحداث الجارية والكشف عن أبعادها، ومناقشة وطرح القضايا والظواهر التي تشغل الرأي العام، وتعبر عن السياسات والاتجاهات السائدة في المجتمع، ورواية الأحداث، وإعادة صياغة الوقائع، وتقديم تفسيـرات مـعززة بالمـعطيات والاستدلال المنطقي.

وفي خضم ذلك، وقع تحول مثير جعل من الصحفيين ووسطاء وسائل الإعلام (  (médiateurs فاعلين مؤثرين في الأحداث؛ فالصحفي وليس السياسي وليس المثقف، تحول في نطاق “عتبة المعلومات” ضمن خطاطة الهرم المعرفي إلى فاعل متدخل غير محايدا في لأحداث، وفي أحيان كثيرة، إلى فاعل غير نزيه يؤثر بعمله في وسائل الإعلام، وخاصة الفضائيات، وإلى داعية جديدة شأنه شأن الداعية الديني يبشر بنظام سياسي ويناصر إيديولوجية معينة ضد الباقي.

من جهة ثانية، تحول المدونون  كوسطاء جدد إلى آليات رئيسية لإنتاج ونشر وتداول المواد الإعلامية لتدبير عملية التحول، دخلوا على الخط في تجربة الصحافة المواطنة. وهو ما تسبب في اختلال حركة التدرج الناقصة، بسبب اختزال المراحل ووجود الفاعلين أمام حالة جديدة لا يتملكون العدة المعرفية والقدرات والرؤى الواضحة لمواجهتها وتجاوزها .

لقد أثبتت أحداث الحراك الاجتماعي العربي أن الفاعل الإعلامي اختلطت عليه الأدوار، ولم يكتف بدوره الطبيعي كناقل للمعلومات، بل تحول إلى فاعل وطرف مساند لهذا المعسكر أو ذاك، في ظل سياق إعلامي يعاني من شح كبير في الحياد والموضوعية والتزام المهنية.

وعلى مستوى شكل الدولي شكل تداول نشرات ويكيلكس حول سلوك وممارسات قادة العديد من الأنظمة العربية هزة عميقة  في البنى العقلية العربية حول طبيعة الحكام الذين يديرون شؤونهم، وحقيقة الخداع الممارس من لدن القائمين على السلطة. فالمعلومة الحقيقة منقولة مكنت التكنولوجيا الجديدة من نشرها على العموم رغم ستائر الحجب، وتنشر كذلك من عين المكان بالصورة والصوت والحركة من مواقع الأحداث وهي التكنولوجيا التي ن استخدمت كآلية لأحداث حالات الثورة في العديد من البلدان العربية .

لقد تموقع المدونون في ممارستهم بين العتبة أ والعتبة ب ومارسوا تأثيرا قويا في مجرى الأحداث.

– لعب المدونون دورا مهما قبل الثورة وخلال مختلف أطوارها. وكانت الأداة المعلوماتية سلاحا فعالا ضد سياسة التعتيم المتوخاة من قبل النظام التونسي والنظام المصري لسنوات، وحرمان المواطن من المعلومة ومعرفة حقيقة ما يجري في وطنه، وهو مثال لحالة لعدد من البلدان العربية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي