كريم التازي: رجل أعمــــــال
صار من الواضح اليوم وجود تدخل مكشوف لرجال أعمال في التوجه السياسي للبلاد، وأيضا العكس الذي يمكن اعتباره أمرا تقليديا منذ عقود، ألا ترى في هذا خطرا على كل من السياسة والاقتصاد؟
أولا، قبل كل شيء، دعوني أوضح أن رجل الأعمال يبقى مواطنا كغيره، وبمقدور أي مواطن أن يزاول العمل السياسي ويهتم به، وهذا أمر لا مشكل فيه، ففي أعرق الديمقراطيات لا يوجد منع لرجال الأعمال من تحمل مسؤوليات سياسية في حكومات بلدانهم، كما أن هناك رجال أعمال كثيرين تولوا مناصب سياسية رفيعة، كرؤساء حكومات ورؤساء دول، لكن، لحماية مصالح الشعب والدولة من أي تضارب بينها وبين مصالح رجل الأعمال السياسي، ومنعه من استعمال النفوذ السياسي لأغراض خاصة، يجب أن تكون هناك بنية مؤسساتية وقانونية صارمة. في المغرب لا يكمن المشكل في تقلد رجل الأعمال مناصب وزارية معينة، بل في عدم تفعيل مجلس المنافسة، وهو ما يؤدي بشكل تلقائي إلى تكريس الريع المستشري في البلاد، لذلك، نجد في المغرب وجوها سياسية لا تهمها أصلا السياسة ولا الليبرالية ولا أي توجه معين، لكنها تشغل مناصب سياسية واقتصادية في آن واحد، أو تنتقل من هنا إلى هناك لغرض وحيد، وهو تحقيق مصالحها الخاصة. ولكي يسمح لأمثال هؤلاء بتقلد مناصب كبيرة، يجب أن تتوفر فيهم خصلة السمع والطاعة وتنفيذ التعليمات بحذافيرها.
تحدثت عن الريع المستشري في البلاد جراء الخلط بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي، ألا يهدد هذا استقرار الوطن؟
الدولة تعرف جيدا أن الريع والرشوة أمران يهددان استقرارها ضمن أشياء أخرى، لكن مواجهة تلك الأشياء تتطلب شجاعة سياسية غير متوفرة اليوم. لدي قناعة تامة بأن من الخطوط القوية والعريضة للدولة أن تحافظ على الريع، فلكي تكسب الدولة حلفاء لها داخليا يجب أن توزع عليهم الريع والامتيازات، وهو ما يحتم المزاوجة بين السياسة والاقتصاد، لذلك، فإن عمل مجالس ومؤسسات مستقلة على محاربة ذلك يشكل خطرا على الدولة، أو لنقل على جهات بعينها في الدولة. لذلك، لا نرى تفعيلا للهيئات التي يفترض أنها تحارب هذه الأمور، وذلك لوجود إرادة سياسية قوية في هذا الاتجاه، ما يكرس التحالفات التاريخية بين أجهزة الدولة وبعض الأعيان الذين يجمعون بين السياسة وعالم المال والأعمال.
إذن، يبقى الجمع بين السياسة والاقتصاد، في نظرك، أمرا ممنهجا في البلاد؟
طبعا، فبعض المنتخبين الذين يصعدون إلى التدبير المحلي وأيضا إلى التدبير السياسي هم أعيان الدولة، فالصفقة التاريخية التي تحدثت عنها ليست مجانية، فمقابل استفادة هؤلاء من امتيازات تطوير أرصدتهم المالية، يعملون بجد لإخماد الأصوات الحزبية المعارضة، والتي كانت ممثلة في ما سبق في حزب الاتحاد الاشتراكي، واليوم في حزب العدالة والتنمية، والعمل على الحؤول دون استحواذ هذه الأحزاب على الأغلبية في مجلسي البرلمان والجماعات المحلية وغيرها. وبتحقيقهم ذلك الهدف، يفوز هؤلاء الأعيان بامتياز «قضيو شغالكم»، لذلك، نرى بعض المرشحين ينفقون مبالغ مالية ضخمة قبل وأثناء حملات الانتخابات، وهذا الأمر ليس عبثيا، فالمبلغ المنفق يُسترد فيما بعد. ولاسترداده لا يمكن تصور سيناريو آخر غير استغلال النفوذ السياسي لتحقيق الأرباح المالية الضخمة. لذلك، فإن من يسعى إلى المشاركة في هذه اللعبة يكون على دراية وإلمام بقوانينها، والترشح هنا لا يكون بنيل التزكية من أحزاب يسارية راديكالية أو إسلامية، بل يكون بطرق أبواب أحزاب تقليدية معروفة بهذه الممارسات غير الأخلاقية، تطبق التعليمات وتلبي مصالحها الخاصة.