الخلافة العثمانية والمفاهيم السياسية الجديدة

07/06/2018 - 03:00
الخلافة العثمانية والمفاهيم السياسية الجديدة

يناقش كتاب «السلطة والدولة في الإسلام»، لمؤلفه الجامعي والمفكر علي الإدريسي، أهم المرجعيات والتحولات التي عرفها التاريخ السياسي للإسلام، منذ الخلاف الأول في «سقيفة بني ساعدة» بين المهاجرين والأنصار حول خلافة النبي محمد (ص) وحتى عصر «الدولة الوطنية». تعقب الإدريسي حيثيات ذلك الخلاف، وتطوره تاريخيا وفكريا من داخل المرجعيات الإسلامية وليس من خارجها. ويرى أن الدول القائمة حاليا إما «عسكرية» قائمة على نظام مخابراتي، أو دول ترى مثالها في ماضي الأجداد بمبرر الوفاء للسلف، وكلاهما عائق أمام المستقبل.

كثيرا ما اعتبر عرب المشرق الإسلام بمثابة مِلْكية عربية تم الاستحواذ عليها عنوة من قبل الأتراك المتغلبين. وقد تعزز هذا الشعور عند من اعتنق فكرة القومية العربية في العهود المتأخرة، ومرد ذلك، في نظرنا، أن الأيديولوجيا العربية المعاصرة لم تختلف عن الأيديولوجية القديمة، فهي ترى أن المسلمين غير العرب مجرد موالي لهم، أو أنهم بحاجة إلى « الكفيل العربي ». ولذلك اعتقدوا أنه لا يجوز لغير العرب تقلد منصب خطير كمنصب الإمام/ الخليفة. ومن ثمة، نظروا إلى الخلفاء العثمانيين نظرة المتغلب لا نظرة المؤهل أو المستحق لها. ولا غرْو في ذلك فقد نعتوا الذين قالوا في العصر الأول للإسلام إن الإمامة حق لكل مسلم تتوافر فيه شروط الإيمان بالخوارج. في حين لم يطلقوا الوصفَ نفسَه على معاوية الذي خرج على الخليفة علي بن أبي طالب.

من العوامل الأساسية التي ساعدت على نجاح الخلافة العثمانية تراجع الجدال الخاص بالإمامة بعد أن شاخت الفِرَق والنِّحَـل، ولجأ كل مذهب فقهي إلى الانكماش داخل أسوار حصنه. ولا مندوحة في ذلك، فقد دخل فكر المسلمين عامة إلى غرفة المختصرات وثقافة الحواشي. مما سهل هيمنة الخلافة العثمانية على جل البلاد الإسلامية، وعلى الأقطار التي فتحتها في أوروبا قرونا من الزمن، إلى أن بدأ زحف فكر الأنوار المصحوب بفكرة القومية يطال مجالات أوسع من وسط أوروبا، فبدأت رياح الإمبراطوريات الجديدة تهب على العالم القديم والجديد كذلك، كما بدأ عصر الثورات الفكرية والسياسية والصناعية تُغَيّـر البنيات الاجتماعية القديمة لتحل محلها طبقات جديدة تستمد وجودها من قيم البرجوازية، ومن الاقتصاد الحر، ومن النظريات الاشتراكية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية …إلخ.

فكيف واجهت الخلافة العثمانية زحف المفاهيم الاجتماعية والسياسية الجديدة، وتأثيرها على المجتمع والدولة، وانبثاق أفكار الانتماء القومي لدى كثير من الجماعات والطوائف والإثنيات المكونة لها؟

ما يمكن تسجيله والتذكير به في مستهل الحديث عن الأفكار السياسية الجديدة والشعارات القومية ذات المصدر الأوروبي، هو أن بعضَ النهضويين العرب ودعاةَ الفكر القومي سعوا إلى إحياء شعار قديم وهو شعار « الشعوبية » ليصفوا به العثمانيين الأتراك، بقصد الحط من قيمة خلافتهم ودورهم في حماية بيضة الإسلام، فأشاعوا أنهم ازدروا العرب ومارسوا عليهم سياسة التتريك، متدثرين بالنزعات القومية الجديدة التي وردت على البلاد الإسلامية في أمتعة الغزاة الأوروبيين، أو استجلبت من بعض النهضويين المشبعين بقيم الغرب وشعاراته، وتبنيهم الدعوة إلى القوميات المحلية وإلى الاستقلال عن دولة الخلافة. وقد راح بعض القوميين اللبنانيين يعقدون « الآمال العريضة على استقلال لبنان عن الخلافة العثمانية ولو تحت حماية دولة أوروبية. »

قبل وصول الرياح الغربية في شكل عاصفة عاتية إلى تركيا، لتجرف حصن الخلافة من أسسه، كان هناك من يشعر بالأخطار المحدقة بها، سواء من حيث عجزُها عن تجديد نفسها، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، أو من حيث استغراقُها في إصدار أحكام جائرة في حق المعارضين بالرأي، وفي حق المتقاضين بعيدة عن مقاصد العدل والحكم الرصين. وكان الظلم في المرحلة الأخيرة من حياتها القاعدة الأساس للولاة العثمانيين؛ خاصة بعد انتشار الأيديولوجيات القومية المعادية لها ولسلطتها، سواء في تركيا نفسها أو في الولايات العربية وغيرها، وعجز النظام السياسي العثماني عن مسايرة التطورات الاجتماعية والتحولات السياسية الحادثة في العالم. وبدل فهم الواقع وتفهم طموحات الشعوب والنخب الجديدة لجأت، كما هو معلوم إلى تسليط المزيد من الظلم والاستبداد. والظلم طريق لخراب الدول، والاستبداد طريق الخوف المتبادل بين الحاكمين والمحكومين، وفقدان الشعور بالأمان واللجوء إلى علاقة التحايل بين الرعية ورعاتها. والنتيجة عزوف « الرعية » عن التجاوب مع مؤسسات الخلافة البالية المناهضة لكل جديد يحمل الأمل في التغيير وتحقيق الطموحات التي كانت تبشر بها النخب الجديدة.

وفي محاولة لتدارك ما يمكن تداركه، ظاهريا على الأقل، تم إنشاءُ هيئة أُنيـط بها تقديم اقتراحات تساهم في تجاوز ما تتخبط فيه مؤسسة الخلافة، زيادة على جمع كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تحت مظلة اختير لها عنوان « الجامعة الإسلامية ».

لٰكنْ، نود في البداية أن نزيل بعض الالتباس الواقع في بعض المؤلفات والدراسات بين عبارتي « الجامعة الإسلامية » و »الرابطة الإسلامية ». فوجب التنويه بأن مصطلح « الرابطة » شاع استعماله من قبل مسلمي الهند قبل إنشاء باكستان، منذ العقد الأول من القرن العشرين، للتعبير عن حق تقرير المصير لكل قوم أو أمة تشعر بأنها وحدة اجتماعية وسياسية ودينية. ففي سنة 1906 أصبح مصطلح الرابطة مرجعا وتعريفا للحزب الذي سيناضل من أجل انفصال باكستان عن الهند تحت قيادة « حزب الرابطة الإسلامية ».

شارك المقال