بنحمزة: المقاطعة هي احتجاج بطابع سياسي على استمرار الزواج بين المال والسلطة

10/06/2018 - 22:00
بنحمزة: المقاطعة هي احتجاج بطابع سياسي على استمرار الزواج بين المال والسلطة

المقاطعة فعل احتجاجي استثنائي في تاريخ بلادنا يدشن مرحلة جديدة بكل تأكيد، سواء في ما يتعلق بتعاطي المواطنين مع الشأن العام، أو تعاطي الدولة مع المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

صحيح أن للمقاطعة خلفيات تتعلق أساسا بالتدهور الكبير للقدرة الشرائية، مقابل الارتفاع المستمر والمستفز للأسعار، ما يشكل ضغطا حقيقيا على الأجور التي تفقد تدريجيا قيمتها الفعلية، لكن فعل المقاطعة يتجاوز ذلك، وهذا يظهر في كثير من التدوينات والتغريدات والصور والفيديوهات والأشعار والأغاني التي واكبتها، حيث يظهر جليا أن هذا الفعل الحضاري السلمي هو احتجاج بطابع سياسي على استمرار الزواج بين المال والسلطة، وعلى حماية الدولة للاحتكارات والكارتيلات، وقتل المنافسة وتعطيل مؤسسة دستورية تقريرية بحجم مجلس المنافسة.

كما يمكن اعتبار المقاطعة رد فعل متأخرا نوع ما على السياسات والقرارات التي اتخذتها الحكومة السابقة، خاصة «الإصلاح» المتسرع والمرتجل لمنظومة المقاصة، دون تدابير وإجراءات حقيقية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، حيث يمكن القول إن رد الفعل الحالي جاء احتجاجا على اختناق كل المسارات؛ المسار السياسي من خلال البلوكاج الشهير، وما نتج عنه من حكومة مشوهة تعطي الانطباع بأنها مجرد حكومة تصريف أعمال، ومحاولة إحياء الحزب الأغلبي في صيغة جديدة، والمسار الاقتصادي، حيث عبر الملك عن إفلاس النموذج الاقتصادي الذي لم يفعل في الواقع سوى تعميق الفوارق الاجتماعية والطبقية والمجالية، مع صرف موارد عمومية ضخمة دون عائد يوازيها مقارنة بدول أخرى، وقد فصلت المؤسسات المالية الدولية في ذلك.

فعل المقاطعة، أيضا، هو تعبير عن إفلاس الاختيار الذي كان يراهن على مقايضة الإصلاح السياسي الحقيقي ببعض المكاسب الاقتصادية، خاصة بالنسبة إلى الطبقة المتوسطة التي وجدت نفسها اليوم دون تأثير سياسي، لأن غالبيتها فارقت العمل السياسي والحزبي والانتخابي، لكنها، في الوقت نفسه، نزلت بسرعة إلى مستوى عيش أقل مما كانت تعيش فيه، ومع ذلك يمكن القول إنه من المبكر الحكم على حركية مدنية بحجم «المقاطعة»، التي هي بكل تأكيد صالحة لتأريخ حقبة جديدة من النضال الديمقراطي ببلادنا.

شارك المقال