بعد أحداث شتنبر، صرح بوش قائلا: «نعرف أن بعض الدول أخفت وجهها بعد 11 شتنبر، لكننا نعرف حقيقتها»، ليرد خامنئي قائلا: «لا نخاف أحدا، ولنا إمكانيات الدفاع عن حقوقنا»… إذن، إسرائيل تهدد، وبوش يعتبر أن الديمقراطية لن تدخل المنطقة إلا بنهاية النظام الإيراني.
وفي ظل هذا الخلاف، كان الجميع مدركا أن الهجوم الأمريكي على كل من طالبان والعراق كان بدعم إيراني، فالسياسة للمتتبعين، والتوافقات السرية للممارسين، لكن ما أدركه الجميع أن سقوط طالبان، وسقوط صدام خلق جسورا بين واشنطن وطهران، وحينما يدخل الأمريكان مكانا ما فإنهم لا يخرجون منه، وقد سبق لهم أن دخلوا إلى طهران ومازالت سفارتهم مغلقة، فهل ستفتح لوحدها مستقبلا، أم ستفتح بمعية السفارة الإسرائيلية في إيران؟
وهكذا، مع مطلع القرن الواحد والعشرين، تغيرت استراتيجية السياسة الخارجية الإيرانية، وبدأت تتجه نحو التهدئة والمصالحة، أو كما قال وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، سنة 2000: «إن هدفنا في القرن الواحد والعشرين لم يعد إيجاد أعداء جدد، ولكن تغيير الأعداء إلى محايدين، وتغيير المحايدين إلى أصدقاء».
أما اليوم، ومع التغير الجذري الذي عرفته السياسة الخارجية الأمريكية مع وصول الرئيس المثير للجدل، دونالد ترامب، إلى السلطة، فقد أكد عدد من الباحثين أن العلاقات الأمريكية الإيرانية مرشحة للعودة إلى نقطة الصفر، بعد مرحلة الانفراج الحذر الذي عاشته في عهد إدارة الرئيس السابق «أوباما»، بل إن العامل الإسرائيلي، الذي ظل محددا في العلاقة بين الطرفين، سيكون عامل توتر في هذه العلاقة دون شك، خاصة مع خيار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتأليف حلف دول الخليج من جديد ضد النظام الإيراني.
وفي هذا السياق، جاء الموقف الأمريكي الأخير واضحا، من خلال تصريح كاتب الدولة في الخارجية الأمريكية «مارك بومبيو»، واصفا إيران بأنها ستكابد كثيرا للحفاظ على اقتصادها على قيد الحياة، وأنه سيتعاون مع الحلفاء الإقليميين لردع أي عدوان إيراني.
وأعلن «مارك» الخطة الأمريكية البديلة لمواجهة إيران، مصرحا بأنه سيطبق ضغطا ماليا غير مسبوق على النظام الإيراني، وحدد اثني عشر بندا على القيادة الإيرانية الالتزام بها، ومنها: سحب قواتها من سوريا فورا، إنهاء دعمها للحوثيين في صنعاء، منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية تفصيلا كاملا لبرنامجها النووي السابق، والتخلي عن مثل هذا العمل، إنهاء السلوك التهديدي للجيران، إطلاق سراح جميع المواطنين الأمريكيين ومواطني الدول الشركاء لأمريكا، توقيف العمل بالصواريخ الباليستية، توقيف دعم الإرهاب بالشرق الأوسط بما فيها حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، احترام السيادة العراقية، وتوقيف جميع أعمال التخصيب النووي، وغيرها من الشروط.
إن هذه العقوبات الجديدة سيكون لها، لا محالة، تأثير على العلاقة بين إيران وشركائها الدوليين، بما فيها شركة «طوطال» الفرنسية التي وقعت أخيرا عقدا بخمسة ملايير دولار مع إيران، والشركة النرويجية للطاقات المتجددة «ساغا» التي وقعت عقدا مع إيران بثلاثة ملايير دولار، وشركة إيرباص التي وقعت عقدا لبيع 100 طائرة لفائدة الخطوط الجوية الإيرانية، وحيث باتت كل هذه العقود مهددة بالإلغاء رغم أن الأوربيين أكدوا أنهم سيحترمون التزاماتهم التعاقدية مع إيران، إلا أن إيران والاتحاد الأوربي يدركان أن لا قدرة لهم على الحد من تأثير القرار الأمريكي على العلاقات بين الطرفين وعلى الوضع الاقتصادي في إيران، فالمصالح الأوربية الأمريكية قد تكون هدفا للقضاء الأمريكي في حال ثبوت تعاملها مع إيران بعد قرار المقاطعة، كما أن أمريكا تدرك جيدا أن الشعب الإيراني لا يملك قدرة على أي مواجهة عسكرية نتيجة تراكم سنوات الحصار، وتدرك أن القوى الإصلاحية عاجزة عن مواجهة القوى المحافظة، لأن هذه الأخيرة تملك أجهزة عسكرية ومدنية، كما أشرنا إلى ذلك سلفا، وهناك تخوف كبير من أن يهيمن الحرس الثوري على منصب المرشد العام بعد رحيل خامنئي، ما يجعل الداعين إلى تصدير الثورة والحرب هم المتحكمين في القرار السياسي بإيران.