الحسن الثـــاني.. الرياضي الأول

16 يونيو 2018 - 00:00

في سنة 1970، كان المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم يشارك في تصفيات الألعاب الأولمبية، التي ستجرى سنتين بعد ذلك في ميونيخ الألمانية. وكتبت جريدة «كورنير»، التي كان يديرها الوزير السابق عبد الرحمن الخطيب، أن تشكيلة المباراة ضد الجزائر اختارها الملك الحسن الثاني بنفسه.
عنوان المقالة: «الحسن الثاني هو من اختار هذا الفريق»، دلت وحدها على عهد بأكمله، تميز بعلاقة غير مسبوقة للملك بالشأن الرياضي، خاصة كرة القدم، التي يمكن القول، دون أي تردد، إنها كانت ملكية بامتياز. ذلك أن الشواهد أكثر من أن تعد في هذا الجانب، سواء من خلال حضور الملك الراحل نهائيات كأس العرش، فضلا عن تحديده مواعيدها، ومكان اللعب، أو من خلال متابعته المباريات عن كثب، واختياره التشكيلات.
ويعرف متتبعو كرة القدم المغربية أن الملك الراحل هو من أسس فريق الجيش الملكي، مثلما يعلمون أن مسار هذا الفريق كان استثنائيا جدا. فقد كانت له حظوة خاصة، ومتابعة خاصة، حتى إنه انسحب من إحدى البطولات، ثم عاد، ضدا على كل القوانين، حين قرر ذلك. وهل يمكن الوقوف أمام قرار فريق كهذا؟
والحق أن علاقة الملك الراحل الحسن الثاني بكرة القدم لم تبدأ مع توليه الحكم سنة 1961، بل قبل ذلك بكثير. فقد كان شغوفا بهذه اللعبة، وكان يمثل والده في العديد من التظاهرات. بل إنه كان الرئيس الشرفي لفريق الوداد الرياضي، ويحكي العارفون بتلك المرحلة أن علاقة خاصة للغاية كانت تربطه بالراحل محمد بنجلون مؤسس الوداد (سيصبح رئيسا للجنة الأولمبية لاحقا)، والراحل لحسن العفاني (الأب جيكو)، بل كان يحضر بعض تداريب الفريق بإحدى الضيعات بمدينة المحمدية، ويعطي تعليماته للمدرب واللاعبين، وقد يختار من سيلعب.
وستتأكد تلك العلاقة بعد وصول الحسن الثاني إلى الحكم. فقد أصبح اختيار رؤساء الجامعات يتم بعد الرجوع إليه، مثلما يتم الرجوع إليه كلما تعلق الأمر باختيار الناخب الوطني (مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم). وهو ما سيصبح عرفا، وسيستمر إلى يوم الناس هذا. ذلك أن رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، المعين على الأرجح، مهما بدا عكس ذلك، لا يمكنه أن يختار المدرب دون الرجوع إلى الرياضي الأول.
وفي كتابه «السياسة الرياضية بالمغرب 1912- 2012» يقول منصف اليازغي، الدكتور في العلوم السياسية، «تدخل الحسن الثاني في الخطط التقنية للمنتخب المغربي والجيش الملكي، على الخصوص. فقد وجه لاعبي المنتخب المغربي المقبل على خوض المباراة النهائية لألعاب البحر الأبيض المتوسط سنة 1983 بالدار البيضاء، تحت أنظار المدرب فالنتي، كما أنه أمر مسؤولي فريق الجيش الملكي بإخراج اللاعب العزيز مالك، بعدما ضايقه تضييعه العديد من الفرص أمام الزمالك المصري في نصف نهائي كأس إفريقيا للأندية البطلة سنة 1985».
ذات مرة قال لي لاعب دولي، جيء به من بلجيكا لينضم إلى المنتخب الوطني، إنه كان يشعر بالفخر نتيجة الأسلوب الذي كان يتعاطى به الملك الراحل الحسن الثاني معه، ومع بقية اللاعبين. وحكى لي كيف أنه فوجئ وهو يصعد الطائرة، متجها إلى المغرب، بطلب الربان من المسافرين أن يحتفوا باللاعب، فصفقوا له. وحين الوصول، فوجئ مرة أخرى بسيارة خاصة في انتظاره عند باب الطائرة. بل أكثر من ذلك، ففي مرة طُلب هاتفيا من المشور، فإذا بالملك الراحل الحسن الثاني يسأله عن أحواله، ويخبره بأنه اتصل به ليهنئه بعيد ميلاده.
وهكذا، فقد كانت علاقة الملك الراحل الحسن الثاني بالرياضة، وبكرة القدم، على الخصوص، (وألعاب القوى والملاكمة إلى حد ما) مميزة للغاية، فيها أبوية واضحة، وفيها تقرير بين، مثلما فيها حدب لا ينكر، استفاد جراءه العديد من اللاعبين من أعطيات كثيرة، عبارة عن عطايا عينية أو مأذونيات نقل، أو كفالات في حالات عصيبة، فضلا عن توصلهم برسائل خاصة، مثال تسميته ابنة الحارس الدولي، الزاكي بادو، سكينة.
هل كان لتلك العلاقة وجه سياسي؟
بالتأكيد. فقد كان واضحا أن الملك الراحل الحسن الثاني يرغب في «تحصين» الحقل الرياضي، الكروي على الخصوص، بما يعتمل في جمعياته من حضور حزبي ونقابي (الرجاء البيضاوي نموذجا)، فضلا عن جره مئات الآلاف من الجماهير (الشعب)، لاسيما أن المراحل الأولى من الاستقلال شهدت تجاذبات قوية، بل دامية، حول الحكم، كما شهد مستهل السبعينات من القرن الماضي محاولتين انقلابيتين، ما قوى الحاجة إلى استعمال الكرة للضبط من ناحية، والترويح من ناحية أخرى، وبطبيعة الحال لتزكية النظام وترسيخ جذوره، وسط مرحلة رجراجة سياسيا.
وقد بدا واضحا الاستعمال السياسي للرياضة في خطب كثيرة للملك الراحل، وفي استقباله الوفود الرياضية المشاركة في التظاهرات الرياضية وكلماته التوجيهية لها، فضلا عن مهاتفته الأبطال إما للتهنئة أو المواساة، واستقباله المتفوقين، لتوشيحهم، وبالتالي، فقد كان يلعب دور الأب الموجه، ومن ثم دور القائد الذي يأتي في صدارة المشهد الرياضي، وأي صغيرة أو كبيرة يتعين الرجوع إليه ليعطي قراره بخصوصها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.