حين سيكون هذا العدد بين يديك– عزيزي القارئ- سيكون ربيع الأبلق قد وصل يومه 38 من إضرابه المفتوح عن الطعام، ربيع معتقل سياسي على خلفية أحداث حراك الريف، وهو مراسل لموقع « بديل » المعتقل مديره السيد حميد المهداوي بسبب الملف نفسه، وهذه المرة الثالثة التي يجد ربيع نفسه مرغما على خوض معركة الأمعاء الفارغة، بعد إضرابين: الأول كان في الأسابيع الأولى لاعتقاله، ودام 45 يوما، كاد يفقد فيه حياته، بعد أن نقل إلى المستشفى في وضعية حرجة أقرب للاحتضار، والثاني دام 38 يوما، وبالتالي يصل مجموع ما قضاه ربيع مضربا عن الطعام خلال سنة واحدة من تاريخ اعتقاله 120 يوما (ثلث سنة).
مندوبية السجون تواصل نفيها خوض ربيع لإضرابه عن الطعام، وهو نفي يقع في منطقة مجنونة بين السوريالية والسخرية السوداء (طبعا مع تجريدهما من الإبداع)، مع العلم أن ربيع قرأ بيان دخوله هذه المعركة وسط جلسة من جلسات محاكمته ورفاقه، وسلم إشعارا للسيد ممثل النيابة العامة، كما وضع إشعارا لدى إدارة سجن « عكاشة »، وتلقى زيارات من اللجنة الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بصفته مضربا، ويخضع لقياس الضغط ونسبة السكر في الدم باعتباره مضربا دائما، لكن دون فحص لباقي أعضاء جسمه التي ربما قد تكون في حالة خطرة نتيجة هذه الإضرابات المتوالية عن الطعام (الكبد، الأمعاء) كما تصرح عائلته.
إنه يضرب احتجاجا على سيرورة محاكمته ورفاقه، ومطالبا بتغيير منحاها الذي لا يشرف دولة تسوق لاستقلالية السلطة القضائية، وفصل النيابة العامة عن وزارة العدل باعتبارهما مؤشرين على دخول البلد زمن المحاكمة العادلة.
محاكمة ربيع ورفاقه تفتقد لأهم عنصر من عناصر المحاكمة العادلة، وهو الحيادية، الذي يتجلى في حرمان دفاع المعتقلين من بسط أدلة النفي، ورفض الاستماع لبعض الشهود الذين من شأن شهاداتهم أن تبين زيف مزاعم النيابة العامة واتهاماتها التي لم تستطع خلال هذه المحاكمة الماراطونية تقديم ما من شأنه أن يقنع الرأي العام بمصداقية ما تم تكييفه من تهم باطلة. وهو الأمر الذي أدى بالمعتقلين إلى الامتناع عن حضور باقي الجلسات مع التزام محامييهم بالصمت. الصمت الناطق برفض الظلم. ورفض أن يكونوا جزءا من مسرحية، لا هي بالملهاة بسبب الوجع، ولا هي بالمأساة بسبب غرائبيتها.
لقد رفضت المحكمة طلبات وملتمسات لربيع الأبلق بخصوص وقائع واتهامات خطيرة للأجهزة الأمنية، فلو ثبت ما يقوله السيد ربيع الأبلق، فمن شأن ذلك أن ينسف كل سردية النيابة العامة وقرار الإحالة الذي قدمه قاضي التحقيق، يطالب ربيع بتفريغ مكالمة هاتفية يقول إنه توصل بها من شخص محسوب على مؤسسة أمنية حاول تجنيده لتوريط الحراك، والتمس استدعاء ضابط يقول ربيع إنه ينتمي لجهاز استخباراتي، وقدم اسمه ومحل سكناه بالحسيمة ولوحة ترقيم سيارته، لأنه حسب ربيع كان مفاوضا له من أجل تدبير مخطط للإيقاع بناصر الزفزافي، بتهمة تلقي أموال من الخارج لتدبير مؤامرة ضد الدولة، وأن رفضه المشاركة في هذه اللعبة هو سبب اعتقاله، وسبب التعذيب الذي يقول إنه مورس عليه بالحسيمة في مخافر الشرطة على يد ضابط تواتر ذكر اسمه على لسان جل المعتقلين، سواء بمحكمة البيضاء أو محكمة الحسيمة، مقرونا باقتراف التعذيب والممارسات المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية في حق المعتقلين، ومع ذلك لم يترتب عن ذلك فتح تحقيق ولا متابعة بخصوص الأمر.
سردية ربيع نسخة من باقي سرديات رفاقه، وسأكتفي بحالة سمير إغيد المتابع بمحاولة قتل شرطي أثناء محاصرة بيت الزفزافي عبر رشقه بحجر أدى لإصابته بعاهة دائمة. سمير الذي لا يفقه اللغة العربية لا يوجد أي تسجيل من التسجيلات الكثيرة لتلك الحادثة يظهر فيها، ولا دليل ضده سوى شهادة ثلاثة من أفراد الشرطة ينحدرون من نفس مدينة الشرطي المصاب، وهي شهادات متناقضة من حيث الزمان والمكان والوقائع، فيما رفضت المحكمة بغرابة شديدة استدعاء شهود النفي الذين كانوا بصحبة سمير يقدمون العزاء في مكان بعيد عن بيت ناصر وقت الأحداث.
أنقذوا حياة ربيع الأبلق، وأنقذوا معها ربيع الريف الذي تحول لخريف، لكن خريف الريف قد يعقبه ربيع آخر بمنطق توالي الفصول، فيما سيبقى البطريرك ملازما لخريفه (مع الاعتذار لغارسيا ماركيز)..