بالملح والشمس يحنط السمك النادر، والصغير، ومن عظام السمك الكبير يصنع تحفا.
تقودك غيوم النوارس المحلقة بمدينة الصويرة، وأصواتها إلى مينائها، حيث تنتصب « الدزيرة » جزيرة موغادور الصخرية، التي شكلت قنطرة لرسو الفينيقيين، خلال رحلاتهم عبر البحر إلى الإكوادور تاريخيا.
وفي ميناء مدينة الرياح لابد أن تثير انتباهك طاولة عرض صغيرة من معروضات المحار، التي تشكل الاستثناء وسط بائعي السمك وصانعي الشباك، وبناة السفن. طاولة صغيرة نصبها بريجاني عمر، بحار في عقده الخامس، طويل القامة، وقوي البنية، اكتسب من لفحة الشمس لونا، واتخذ من بيع المحار مهنة.
كل شيء هنا مختلف، محار مختار بعناية، وصدفات بحر مختلفة، سمك صغير نادر مجفف، وعظام سمك كبير تبدو كتحف من سالف عصور الديناصورات.
انطلق مسار بريجاني مع المحار منذ صغره، ولعب في شاطئ البحر ككل أطفال المدن الساحلية، حيث كان يجد رفقة أصدقائه في الرمال « حبات » محار صغيرة، يسميها المغاربة « الودعة »، أو « الكناوية »، وهي صدفات صغيرة تحاك حولها الكثير من الأساطير، ويزين بها « كناوة » لباسهم، وطرابشهم، وأحزمة آلاتهم الموسيقية.
برجاني قال في لقائه مع « اليوم 24 »: « كنت أجمع الكناوية، وأضعها في قارورة زجاجية، كان يعجبني منظرها، وحجمها يتغير، ويكبر »، « صدفة الكناوية لها استعمالات متعددة، أبرزها استعمالها في الحلي، وترطيب البشرة، وتزينها بعد إيذابتها في الخل ».
وكما الصويرة، يبقي بريجاني ساقه في الماء، حيث عمل بحارا لأكثر من عشرين سنة، جاب خلالها بحار الجنوب المغربي، منطلقا من الصويرة إلى حدود موريطانيا، خبر خلالها البحر، وكشف بعضا من أسراره، وعرف بعض مكنوناته، واستطاع أن يعرف أماكن الصدف، والمحار النادر، وجعل منه مصدر عيش يومي، يعيل به عائلته.
حكى لنا بريجاني قصصا مرتبطة بكل محارة على حدة، وعن صدفة « موريسكا »، التي تميز بحر الصويرة، وروى لنا كيف استخرج الطنجيون على عهد يوبا الثاني الصباغات من محار « الموريسكا »، التي كان يصدرها للرومان.


بريجاني اشتغل قبل البحر في النحث على الخشب، وساهم في بناء القوارب إلى جانب معلمه، ويقول إن مهن البحر مرتبطة الواحدة بالأخرى، وعشق البحر واحد.
وعبر بريجاني عن حبه للمحار بطرق عدة، فهو يعتني بها، ويرتبها بفنية، ويصنع منها السوار، والعقد، وحامل المفاتح، وحاملات الشموع، وحتى المصابيح الكهربائية.
يتحدث البريجاني، وعيناه تلمعان، ويصور الصدف كبنات خيال، وأساطير، ويصنع لوحات فنية، وأشكال لزبائنه، بحسب الطلب، لا يعرضها للعموم.
والمهم في حكاية بريجاني أنه يعبر عن فرحه بحاله، ورضاه بمساره، واختياره، ولا يفوت فرصة كي يؤكد عشقه، وهواه لرصيده من المحار، الذي يخبئ بعضا منه في بيته، ولا يري بعضه إلا لمن يقتسم معه عشقه، فهو صاحب « حال » لا كالأحوال. يتعامل عمر بريجاني مع الفنانين والرسامين وصانعي التحف، ويفضل صناعة التحفة الخاصة للزبون الخاص، « تحفة لا تتكرر »، بحسب قوله. يجمع عمر محاره المعروض، والمخفي بنفسه، لا يشتريه من الصيادين، إذ يجوب البحر، ويستقدم منه محارا بحسب اختياره.
وبالملح، والشمس يحنط السمك الصغير النادر، ويطبخ عظام السمك بالمعقم، لينظفها، ويحولها إلى تحف ناطقة، يجمع بعضها بخيوط ويعرضها كهياكل من زمن الخوف. يعرف زائره بعضا من أسرار الحياة بالبحر، وبعضا مما يختزنه في جوفه وعلى جنباته.
كان عمر بيرجاني يصنع تحفا من الرمال، ويزينها بالمحار في أوقات استراحته في الشاطئ على أيام عمله في البحر، حول كل أساطير الحوريات، وحكايات الربابنة مع القرش، وعوالم البحر إلى قصص جسدها فوق الرمال، وقال بتنهيدة، وهو يتذكر كل مغامراته البحرية: « أنا فرحان، أقطن بالصقالة، ولا أرى نور عيني إلا في البحر فأستفيق ».


