عباس الجيراري، مفكر وأكاديمي مغربي مرموق، ومستشار للملك محمد السادس. أغنى المكتبة المغربية
والعربية بعشرات الكتب في الفكر الإسلامي وقضايا الثقافة والتراث. في هذه السلسلة الحوارية،
يفتح الجيراري قلبه وعقله لـ«أخبار اليوم» حول كل شيء.
تحدثت أكثر من مرة عن دور المسلسلات والأعمال الدرامية التلفزيونية في توجيه المغاربة سلبا. هل يكون ذلك بوعي وتزكية من المسؤولين؟
حين نتحدث عن المسلسلات فهذا جانب إبداعي مرتبط بالأدب، وبما يجب أن نناقشه في الجامعة أيضا. المسلسلات، التي يفترض أن تكون قائمة على نصوص فكاهية أو اجتماعية، هي اليوم أعمال تتعمد أن تدخل هذه اللغة الفاسدة وكل ما من شأنه أن يفسد الذوق والفكر إلى بيوت الأسر.
الكثير من المغاربة يعبرون عن رفضهم وانتقادهم لهذه الأعمال في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها؟
طبعا الشعب يرفضها، وكيفما كانت الوسائل والتعابير التي يقول بها ذلك، سواء بطرق مبالغ فيها، أو بطرق غير جيدة، فإنه يعبر عن رفضه طبيعة ما يقدم له في النهاية.
تتعدد اليوم الخطابات الموغلة في الشعبوية، في حين يندر الخطاب المشحون بهموم الشعب ومشاغله. كيف يمكن أن نبعث هذا الخطاب من جديد؟
هناك ملاحظة لا بد منها، وهي أن أي مجتمع لا يمكن أن ينهض فقط بما يقوم به السياسيون، وإنما أيضا بما تقوم به فئاته المدنية. فلا بد أن تتحرك هذه الفئات، بما فيها من علماء ومثقفين، وخبراء في مختلف العلوم والتقنيات.
لدينا اليوم حوالي سبع عشرة جامعة، أين هم أساتذة هذه الجامعات؟ أين هو صوتهم؟ أين هو صوت العلماء؟ على اعتبار أن العلماء والمثقفين هم الصوت الإيجابي لدى الأمة، والذين يمكن أن يقوّموا ويوجهوا ويصلحوا ما يفسده الآخرون. الآن العلماء صمتوا وقنعوا بالفتات القليل. والمثقفون غير مبالين، يدخلون الجامعات ويغادرونها بلامبالاة. النخبة اليوم صمتت ولا يمكن أن ننتظر الإصلاح من العامة ولا ممن يتلاعبون بعقول العامة.
هذا الصمت الغامض إزاء كل ما يجري من حراك وتغيرات في البلد، بماذا يمكن أن يفسر؟
في المغرب نتوفر على أكبر ضمانات تفتقر إليها دول أخرى تتخبط في الاقتتال والخلافات. وهذا الضمان هو النظام الحاكم، الذي استمر لما يزيد على اثني عشر قرنا، وهو نظام اتفقت عليه الأمة، ونظام عرف كيف يستمر ويجدد ويطور نفسه في كل مرحلة.
الجميع اليوم يفتخر بالقول إن لدينا استقرارا وأمنا، لكن ما يجب الانتباه إليه هو كيفية الحفاظ على الأمن والاستقرار. هذا الأمن يدخل ضمنه الأمن الفكري والروحي والأمن الثقافي والأمن الغذائي. ولا يمكن أن نحافظ عليه ونحن نتخبط في مشاكل تخص لغتنا وثقافتنا وقيمنا وهويتنا ككل، وهذه عناصر يفترض أن نكون ملتفين حولها ومعتزين بها. لكن خللا كبيرا وقعنا فيه في المرحلة الحالية، وهو أننا لا نقدر هذا العنصر الأساسي في ثوابتنا حق قدره، لذلك نرى كل هذا العبث.
إذا كان العالِم أو المثقف قد تخلى عن مهمته، فمن سيوصل إلى العامي ضرورة الانخراط في الحفاظ على هويته في ظل الوضع الذي يعيشه بمختلف مكوناته الاقتصادية وغيرها؟
الذين عليهم أن يصلحوا منهم كثيرون اختاروا أن يهمشوا أنفسهم، فتجد الواحد منهم يقول عبارات من قبيل: «واش أنا اللي غادي نصلح»، «لسنا المسؤولين»، «ماذا عسانا نفعل»، وذلك إما يأسا أو عدم اكتراث.