عباس الجيراري، مفكر وأكاديمي مغربي مرموق، ومستشار للملك محمد السادس. أغنى المكتبة المغربية والعربية بعشرات الكتب في الفكر الإسلامي وقضايا الثقافة والتراث. في هذه السلسلة الحوارية، يفتح الجيراري قلبه وعقله لـ«أخبار اليوم» حول كل شيء.
إذا كان المثقفون، الموكل إليهم أمر إصلاح المجتمع، قد همشوا أنفسهم، فهل المجتمع المغربي لديه رغبة في الإصلاح؟
المجتمع مشغول بأشياء أخرى، ويجب تفهم معاناته. فالناس يفكرون اليوم في لقمة العيش، ويصارعون من أجل إيجاد عمل. ففي كل أسرة تجد عاطلا أو عاطلين وهكذا… الناس مشغولون بالبحث عن أساسيات العيش الكريم. لذلك لن تجد من يفكر في ما هو حرام وما هو حلال، ولن تجد من يفكر في أهمية الثوابت والهوية، ومن تحدثه عن اللغة العربية، سيقول لك فقط أعطني ما أحتاج إليه من أساسيات… وهكذا تكبر وتتضخم هذه القناعات.
أفهم من قولك أن المواطن المغربي مازال منشغلا ببطنه، بأساسيات العيش الكريم، ولا يفكر في غيرها؟
طبعا، الأساسيات أولا، وهذه من أبجديات الحياة المفروغ منها. لكن هذا لا ينفي أن بلدنا فيه غنى وينعم بالعديد من الخيرات.
والسؤال الآن: لماذا لا ينعم بهذه الخيرات جميع المغاربة؟
صحيح، هذا هو السؤال. وهنا تتداخل عوامل اقتصادية وعوامل اجتماعية، وهذا الصراع المحتد حول الربح، وغيره. فأصبحت المادة هي المتحكمة في كل شيء.
على المسؤولين أن ينزلوا إلى الشارع ويتأملوا أوضاع الشعب، أما أن يبقى الواحد منهم في برجه العاجي لا يتعامل إلا مع «المليارديرات»، فإنه لن يعرف أو يصحح شيئا.
جوابك الأخير، أستاذنا، يدفع إلى الاعتقاد أن الأزمة أزمة أخلاق أكثر من كونها أزمة ثقافة أو اقتصاد؟
نعم، وتأتي الأخلاق في طليعة بالقيم، فالتشبع بالأخلاق هو الرادع، وهو الذي يمنع الفرد والمجتمع من الانحراف في أي مجال وجد فيه. لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: من أين سيتعلم هؤلاء الأفراد الأخلاق، في ظل التخلي عن عنصر التربية، كما أسلفنا؟ فالشارع لا يعلم إلا الويلات والفساد.
أليس من هم في الشارع ضحايا أيضا؟ فهذا الشارع لم يخلق فاسدا!
المغرب اليوم يواجه تحديات كبيرة، والقائمون على تسيير الأمور لا يقدرون خطورتها. نرجو الله اللطف، لكن ينبغي الوعي بذلك، والقيام بوقفة تأمل، وامتلاك الشجاعة للقيام بنقد ذاتي. ليس عيبا أن يخطئ الإنسان، وإنما العيب أن يستمر في الخطأ. هؤلاء الذين يسيرون الأمور، في مختلف المجالات ومختلف الوزارات، ينبغي أن يراجعوا أنفسهم، وألا يستمر صراعهم فقط حول الربح والمادة. يجب أن يلتفتوا إلى أن هناك في المغرب أناسا جائعين وآخرين لا يجدون الماء للشرب، وغير ذلك من الأساسيات. لذلك، يجب أن يقف المجتمع وقفة تأمل بكل موضوعية وبكل صدق.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بفتح المجال أمام حرية التعبير، علما أنها تفهم بشكل خاطئ من لدن العموم، فقد صار معناها هو السب وقول أي شيء على مواقع التواصل الاجتماعي وما شابهها. وفي الأصل أن حرية التعبير هي التحدث بموضوعية والمراجعة والتصحيح والتنبيه إلى الأخطاء.