الجراري: حملة المقاطعة موقف حضاري

10/07/2018 - 23:00
الجراري: حملة المقاطعة موقف حضاري

عباس الجيراري، مفكر وأكاديمي مغربي مرموق، ومستشار للملك محمد السادس. أغنى المكتبة المغربية
والعربية بعشرات الكتب في الفكر الإسلامي وقضايا الثقافة والتراث. في هذه السلسلة الحوارية،
يفتح الجيراري قلبه وعقله لـ«أخبار اليوم» حول كل شيء.

اختار المغاربة اليوم أسلوبا جديدا للتعبير عن رفضهم الواقع المعيشي الموسوم بالغلاء، وهو أسلوب المقاطعة الذي بدأ عبر منصات التواصل الاجتماعي وأثر في الواقع. كيف تقرأ هذا الأسلوب الجديد الذي تبناه المغاربة؟
تلك حرية منضبطة، لأنها تدل على موقف حضاري. وهذا مبدأ موجود منذ القدم، فالشيء الذي أصبح غالي الثمن أتخلى عنه، والشيء إذا ما غلا تركت شراءه، فيصبح أرخص.
ومثل هذا الموقف الحضاري لا يجب أن يبقى عشوائيا، ذلك أن عشوائيته تتيح إمكانية التسرب إليه من جهات أخرى وإفساده واستغلاله في غير ما جاء من أجله.
وبدلا من أن يعلن تحضير قانون يحارب المقاطعة ينبغي أن ينظر المسؤولون في أسباب هذه المقاطعة. والمسألة لا ينبغي أن ندخل فيها الشعب، فهذه مسألة بين أصحاب رؤوس الأموال والحكومة.
ومن المروءة في التعامل ألا يراكم الناس الملايير، وإنما يجب الحفاظ على الربح باعتدال مع مراعاة واقع المجتمع الذي لا سبيل له لمواجهة هذا الغلاء.
نحن لسنا مجتمعا يعيش بحبوحة ورفاهية، وإنما مجتمع متعدد الطبقات، فيه الطبقة المتوسطة التي أصبحت تتضاءل، ومالت الكفة نحو الطبقة الفقيرة. وهذا شيء غير معقول، بالنظر إلى أن المغرب يملك خيرات تسمح بأن بكون لكل مواطن حظه حسب عمله وعلمه وحسب كفاءته.
لكن أن تجد عاطلين بشهادات عليا يقضون أربع سنوات وأكثر معطلين في الشارع، فهذا شيء غير سليم، وهناك آخرون مثلهم يهاجرون إلى الخارج، ونحن نفتخر بهم ونقول إن لدينا مغاربة في دول أجنبية أطباء ومشاهير في جامعاتها ومستشفياتها. والحق أن ذلك ضياع وخسارة للمغرب. فكيف يعقل أن تصرف الدولة على طالب حتى إتمام دراسته وتهديه لدولة أخرى؟ هذه أخطاء كبرى وقعنا فيها في المغرب، ويجب أن تكون لنا الشجاعة الكاملة لمواجهتها.
من عليه تحديدا أن يقف هذه الوقفة التي تتحدث عنها، هل هي الحكومة أم متحكمون آخرون؟
كل من يتحكم في المسيرة، كل مسؤول في المغرب يجب عليه أن يقوم بذلك. والمسؤولية درجات.
في المغرب نعتز ونفتخر بوجود نظام مستقر هو النظام الملكي. الملكية تشتغل وتطور نفسها لتساير متطلبات العصر. وفي هذا الصدد صرح الملك منذ أكثر من سنة بأن النموذج التنموي لم يعد صالحا، وقال إننا في حاجة إلى نموذج جديد للتنمية. لكن، من استجاب للنداء؟ أين هم خبراء التنمية؟ أين هم المسؤولون ليطرحوا ويقدموا أمامه مشاريع وبدائل جديدة؟ وهنا يتضح دور المسؤولين، أولئك الذين عليهم أن يتواضعوا قليلا أمام الأمة، عليهم أن يتواضعوا من أجل المجتمع.
قلت سابقا إن كثيرا من المثقفين اختاروا التواري، واختار آخرون الالتفاف حول السلطة، لذلك، نطرح السؤال: هل السلطة تؤثر سلبا في المثقف؟ هل تمنعه من أن يكون مرتبطا بهموم مجتمعه، وأن يكون مثقفا عضويا؟
المثقف نفسه جزء من المجتمع، وهو أيضا يعاني. ومعاناة المثقف أنواع. فهناك المثقف الذي يعاني لأنه يحتاج إلى مسكن، وهناك من يعاني لأنه يحتاج إلى وظيفة، وهناك من قد يكون موظفا وله سكن محترم، ومع ذلك يعاني لأنه يكتب ولا يجد من ينشر له. لذلك تختلف المعاناة حسب درجات المثقفين ومستويات كفاءتهم وأعمالهم وما يقومون به. هذا دون الحديث عن المثقفين الموجودين أيضا في الشارع.

شارك المقال